Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookCheck Our Feed

الحب والشقاء يملآن الـ”فراغ في مزهريّة” جلال الأحمدي

عارف حمزة – هامبورغ

“فراغ في مزهرية” هو عنوان المجموعة الشعرية الجديدة التي صدرت قبل أيام للشاعر اليمني جلال الأحمدي المقيم في ألمانيا منذ عام 2016، بعد نيله منحة من مؤسسة هاينريش بول الألمانيّة المعروفة.

المجموعة التي صدرت باللغتين العربية والألمانيّة بطبعة أنيقة من دار سيسيون الألمانيّة السويسرية، تعتبر المجموعة الشعرية الخامسة للأحمدي، وهي الأولى التي تصدر له بغير اللغة العربية.

الحب والشقاء

المجموعة الجديدة لجلال الأحمدي جاءت في أكثر من 200 صفحة، وانقسمت إلى 3 أقسام: كيف تصنع دمعة من كلمة كـ “جدا”، وأشياء تافهة لا يفهمها أحد، والقسم الأخير حمل عنوان “في المنزل”. وتلك التقسيمات أخذت من عناوين قصائد ضمن كل قسم، وكأنّها 3 مجموعات قصيرة ضمن مجموعة واحدة. وهي

مختارات اختارها جلال من مجموعاته الأربع السابقة التي صدرت باللغة العربية، كما توجد في المجموعة قصائد جديدة لم تصدر سابقا في أيّ من مجموعاته.

الأقسام الثلاثة التي تؤلف هذه المجموعة ليست مستقلة عن بعضها بعضا، فكل قسم منها لا يذهب إلى مزاج مختلف عن مزاج كتابة القسم الآخر، بل هناك بالطبع ذلك الخيط الذي يجمع قصائد كل قسم من الأقسام، ثمّ يجمع كل المجموعة، ففي القسم الأول مثلاً قصائد عن الحب ودرجاته وهشاشته وعدم القدرة على مواصلة العيش من دونه. فتبدو قصائد هذا القسم وكأنها شرح من شخص أعزل ومُطارد يُفكر في الحب طوال الوقت، وكأن الحب هو النجاة، كما يقول في هذا المقطع:

“أريدُ لثلاث دقائق/ أن أحبّ وأكره،/ أن أفتعل شجارا مع غابة،/ أن أحبسَ البحرَ في كيس نايلون شفاف،/ أن أُطلقَ سراح نسر من داخل كتاب قديم،/ أن أطوي المسافة أو أمضغها مثل علكة،/ أن أدسّ للوقت السمّ في حسائه،/ أن أتصالحَ مع هزائمي،/ أن أتحايلَ على القدر وأخطّ اسمي على عتبة قلبكِ” (الصفحة 33).

الأنا والآخر

جلال الأحمدي يلعب مع ثنائية الأنا والآخر بطريقة سلسة وممتعة للقارئ، رغم أنها تحمل حمولة عالية من الفقد والحزن، مثلما يقول في قصيدة “رجل وحيد بسريرين”: أنتِ وأنا والحزنُ سننامُ متعانقين/ أنتِ والحزن في سرير، وأنا والحزن في سرير آخر.

فالحب يجمع الأنا مع الآخر، ولكن ما يعتني بهذا الحب هو الحزن. فالحزن يُعانق كل واحد منهما على حدة، وينام في سريره بدلاً من الآخر.

وهكذا حتى نصل إلى تعريفات مثل تعريف “الوحشة”، حيث يقول الأحمدي: “سأخبركَ ما هي الوحشة بالتحديد/ أن تسيرَ عشرين عاماً/ فجأة.. نلتفتُ خلفكَ/ ولا أثر لمكائد/ أو طعنة في الظهر/ لكنّكَ كلما وضعتَ رأسكَ/ على صدركَ/ لتنام/ أفزعكَ في الداخل/ ضجيجُ كلبٍ/ ينبج”.

فالحب الموزّع في كل أقسام الكتاب، هو الحبّ الذي يحدث خلال الشقاء والحرب والفقر واليتم والغربة والفقد وسوء التفاهم مع العالم. والشقاء هو الحامل النهائيّ لمجمل كتابة جلال الأحمدي في مجموعاته الأربع السابقة، وفي هذه المجموعة التي هي مختارات من ذلك الشقاء.

أنفاس قصيرة

تتوزع قصائد صاحب “شجرة للندم أو أكثر” بين نوعين من الكتابة التي ميّزت حال قصيدة النثر العربية، فهناك قصائد تهتم بتوزيع الكلمات القليلة في السطر الواحد، وهناك قصائد تملأ السطر كله. وصحيح أن الأحمدي يكتب قصائد طويلة وقصائد قصيرة، إلا أن العديد من القصائد الطويلة تتألف من مقاطع قصيرة، وكأنها قصائد قصيرة ضمن نصّ طويل. أو كأنها أنفاسٌ قصيرة ضمن صرخة واحدة وطويلة.

البساطة التي كتب بها جلال الأحمدي العديد من نصوص هذا الكتاب، خاصة القسمين الأول والأخير منه، هي تلك الطريقة التي دأب عليها شعراء عديدون في العالم العربي، باعتمادهم على الصور الغزيرة والجديدة والمؤلمة بلغة بسيطة ويوميّة وخالية من التعقيدات، للإيقاع بالقارئ النخبويّ والعادي على حدّ سواء.

“أريدُ أن أشتاق لنفسي/ أستيقظُ صباحاً أقبّلُ يدي/ وأقولُ لها شكرا/ سمحتِ لي أن أنامَ بجانبكِ،/ أن أمسحَ على قدمي/ أقول لها شكرا/ لأنك تحفظين الطرق لأجلي/ أن أحضنَ قلبي/ أقول له شكرا يا أخي/ منحتني يوما آخر/ لأكونَ مع مَن أحب/ أن أقدّمَ لعيني وردة/ وأقول شكرا/ عوضا عني تذرفين الدموع”.

من جهة أخرى، فإن ما يُميّز نصوص جلال الأحمدي هو اهتمامه الشديد بخاتمة كلّ نص، فهو يبني عمارة نصه بطرق متعددة، فيكون أساسها مرات القص والدراما ومرات الاستفادة من التراث أو الحكايات أو الدين، ولكنّه يذهب دائما إلى الاهتمام بالخاتمة التي تكون جملة قوية من الشعر، وهي الخاتمة التي ربّما كُتب من أجلها كلّ النص.

الاهتمام بقوة الصورة في الخاتمة في كلّ نص تدفع القارئ إلى متابعة القراءة للوصول إلى خواتيم جديدة، “لأنّ كلّ هذا الحزن/ يحتاج إلى تبرير”، و”ما الجيّد في الذكريات؟/ إنها أشبه بحفلة/ داخل مصعد/ معطّل” أو “كلّ ما أتمناه أن تكونَ حياتي قد وصلت الآن/ حيثُ كنتُ أنظر”، وكذلك “خرجنا مسرعين/ مسرعين/ من الحب”.

الحزن المتواصل

لو نظرنا إلى عناوين مجموعات جلال الأحمدي الأربع السابقة، وهي تفسّر النصوص الموجودة فيها، سنجد ذلك الحزن المتواصل منذ مجموعته الشعرية الأولى “شجرة للندم أو أكثر” والتي صدرت في عام 2010، ثم في مجموعته الثانية التي صدرت في عام 2012 بعنوان “لا يمكنني البكاء مع أحد”، والثالثة “أن أُخرج الغابة من صدري” في عام 2013، حتى نصل لمجموعته الأخيرة “درج البيت يصعد وحيدا”، التي صدرت في عام 2014، والتي حازت على جائزة الشاعر عبد العزيز المقالح في اليمن وجائزة الشاعر عفيفي مطر في مصر.

المنفى المتواصل

مقدمة طويلة كتبتْها لهذه المجموعة الكاتبة والصحفيّة والناقدة الألمانيّة تانيا دوكيرس بعنوان “الالتزام بالسكينة خلال الرعب”، وقالت في مكان منها “صُنّف جلال الأحمدي، لفترة طويلة في العالم العربي، من ضمن الأفضل في جيله من الشعراء المعروفين، والذي يشهد شعره اهتماما متزايدا من الناطقين باللغة الألمانية”. وهي على حق في ذلك، فالقارئ الألماني، أو في الدول الناطقة بالألمانية، اعتاد منذ سنوات أن يبحث عن هذه الحرارة التي تميّز الشعر القادم من الشرق، الحرارة التي تنبعث من الحب والشوق والهجران والأنقاض والوحدة والعزلة.

ما نعثر عليه في شعر جلال الأحمدي هو هشاشة الكائن ضمن هذا الفزع الكبير الذي يُسمونه الحياة. لذلك لا بدّ أن تستفيد لغته من بساطة الشاعر السوري رياض الصالح الحسين، وعمارة الماغوط وكوابيس كافكا. هو الشاعر اليمني الذي لم يولد في اليمن، وعاش حياته في الأردن ولبنان، ويُكملها الآن في ألمانيا، بينما اليمن، الذي لا يحضر كمفردة ضمن قصائده، يبدو مثل القارة التي غرقت وتذهب نحوها القصائد ضمن مياه كثيرة.

جلال الأحمدي انتقل في عام 2019 إلى العاصمة برلين بعد نيله منحة براندنبورغ تور للكتابة، وبسؤاله عن حال الكتابة بعد مجيئه إلى ألمانيا في عام 2016، وإلى برلين بشكل خاص، يقول الأحمدي للجزيرة نت “قبل مجيئي إلى برلين كنت أشعر أن طريق الكتابة سهل المشي فيه، وكنتُ قد تأقلمتُ نوعا ما مع المكان هنا، وكتبتُ نصوصا جديدة، ولكن في برلين ومع الحياة الغريبة التي صنعها فيروس كورونا، وهذا الحظ السيئ بالنسبة للتوقيت، والعزلة التي صارت طبقاتها أسمك في مدينة ضخمة ومختلفة مثل برلين، صارت الحياة نفسها معطلة، وصارت الكتابة متعثرة. والتعثر هنا ليس بمعنى قلة الكتابة، بقدر ما تذهب إلى فكرة جدوى الكتابة نفسها”.

من خلال هذه المجموعة تعود دار سيسيون الألمانية مجددا لطبع الأدب العربي في طبعات فاخرة، فبعد أنطولوجيا “بعيدا وهنا” (في طبعتين 2016 و2019)، ومجموعة “لستَ وحيدا” لكاتب هذه السطور (في طبعتين 2018 و2019) تصدر قبل أيام مجموعة “فراغ في مزهرية” ضمن برنامجها لخريف هذا العام، وبترجمة كل من ليلى شمّاع وغونتر أورت، لتعريف القارئ الألماني بمزاج الكتابة الشابة في العالم العربي.

 

Share

التصنيفات: ثقافــة,عاجل

Share