Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookCheck Our Feed

د. عبد الوهاب الروحاني*: الانفصـال.. لـيس حـلاً !

  • “القيادات الجنوبية ” لا تقاتل من أجل “استعادة الدولة” وإنما من اجل النفوذ والسلطة والمال
  •  تشترك القيادات الجنوبية “شرعية” و”حراكية” في توزع الولاءات الخارجية على حساب الولاء الوطني
  • صراع النفوذ والمصالح المحرك الأساس لمؤتمر حضرموت الجامع
  • الاختلاف والفرز العنصري والطائفي هو الذي يفتك اليوم باليمن واليمنيين وليست الوحدة

قناعتي التامة أن اليمنيين بكل مناطقهم وأطيافهم واتجاهاتهم وحدويون حتى العظم ..ولا يمكن لأحد أن يزايد بانتمائه للوحدة وتمسكه بها أكثر من الآخر .

إخواننا في الجنوب حكاما ومحكومين مروا بتجربة مرة في ظل الانفصال ،ودفعوا الثمن غاليا جراء مغامرات كادت أن تجردهم من الذات والوطن .. فكانت الوحدة في 1990 هي الوطن، وهي الهوية والانتماء .. وكانت بالتالي هي المخرج.

خاضوا في التجربة .. أعني تجربة الوحدة،  وشعر الجيل الجديد (جيل الوحدة) بالغبن والظلم الذي طاله خلال عقدين من عمرها .. فعبر عن رفضه للتجربة .. وذهب يحاكي منطق قيادات عتيقة تطالب بالانفصال.

والواقع أن ذلك الغبن والرفض، الذي يشعر به أبناء المحافظات الجنوبية ويعبرون عنه لم يكن بسبب الوحدة، ولم يكن لذات الوحدة .. وإنما كان لثلاثة أسباب رئيسية هامة هي:

الأول: كان بسبب خلل في إدارة دولة الوحدة، وهو ما لا ينكره شركاء الوحدة .. ولن أخوض في التفاصيل .

الثاني: سيطرة واستحواذ الجيل القديم (جيل الستينات) من القيادات الجنوبية على تمثيل الجنوب في دولة الوحدة.

هذه القيادات العتيقة .. احتكرت المناصب العسكرية والسياسية والإدارية لها وللمحسوبين عليها، واستولت على الامتيازات، ثم أثرت ثراء فاحشا.. وظهر ذلك من خلال حجم ممتلكاتها من العقارات، والأرصدة، والفلل والقصور، والمزارع التي توزعت بين الشمال والجنوب، والخارج أيضا.

الثالث: انشداد وتأثر جيل الشباب في الجنوب بفكرة استعادة الدولة، أملا في أن يصبح الجنوب ضمن الخاصرة الخليجية .. بالاعتقاد خطأ أن الجنوب يمتلك ثروة نفطية وغازية كبيرة، وبالتالي سينعم بالتنمية والرفاه بعيدا عن الشمال ” الفقير، و ” المتخلف” و”المشغول بقتال بعضه”..!!

وهذا المنطق الذي روج له كثيرا في أوساط الشباب من أبناء المحافظات الجنوبية، هو مجرد كلام هلامي مغلوط تنقصه المعلومة الدقيقة والأرقام الصحيحة خاصة إذا ما أدركنا – وفقا للمختصين- أن نسبة المنتج من النفط في الجنوب والشمال لا يغطي الاحتياج المحلي نسبة إلى عدد سكان كل منهما ، الذي يمثل نسبة (5-1) .. بمعنى أن الترويج لثروة ونفط الجنوب هو أكذوبة سياسية – إعلامية عزفت على وترها أحزاب المشترك (الميت) تبعا لمماحكات سياسية معروفة، تماما كما فعلت مع الحركة الحوثية وروجت لمظلوميتها.. فانقلب السحر على الساحر .

عد سبع سنوات:

والآن، ماذا حدث ويحدث للجنوب بعد سبع سنوات من سيطرة أبناء الجنوب أنفسهم على قرار دولة الوحدة وعلى الوضع في الجنوب بصورة خاصة ؟!

للأسف، لم يحدث شيء جديد، فالمتابع والباحث في الشأن الثقافي والسياسي اليمني العام سيجد أن ثقافة اليمنيين شمالا وجنوبا، شرقا وغربا هي ثقافة منسجمة ومتجانسة على كل المستويات .. والفوارق الثقافية التي يتحدث عنها البعض هي قديمة وقد رحلت مع رحيل قانون المستعمر البريطاني عن الجنوب – رحمة الله تغشاه – ومع رحيل جيل ذلك الزمن.

وثقافة وتفكير المتورطين في القتال (شماليين وجنوبيين، شرقيين وغربيين) هي امتداد لثقافة وتفكير بعضهم، وإذا ما وجد فارق عند البعض فهو فقط في تجنب “العيب” وفقا للعادة والتقليد .. أما ما عداه فكلهم يتقاتلون بمشاريع صغيرة، وبعقليات جهوية ومناطقية ، مذهبية وطائفية جاهلة ومتخلفة .. وكلهم بذلك يدمرون الوطن ويساهمون في تمزيقه، ويجلبون للمجتمع – بوعي أو بدون وعي – المعاناة  والفقر، و التشتت ثم الموت ..!!

أما قضية المطالبة بانفصال الجنوب، فالجنوب عمليا منذ 2011م يعتبر خارج إطار دولة الوحدة.. ومن راهنوا على الانفصال – سرا أو علنا –  في معالجة مشاكله هم من ضاعف ويضاعف اليوم من مشاكله ومعاناة أبنائه .. وهم من قاده إلى هذا التفتت والضياع، الذي تبرز بعض مظاهره في النقاط التالية:

1) فصائل الحراك الجنوبي لم تتوحد بل تشظت وتوزعت إلى عصابات سياسية وعسكرية وأمنية جديدة بولاءات غير وطنية .. تتجلى صور  مشاريعها الصغيرة في حارات وأحياء ومداخل عدن.

2) قيادة دولة الوحدة التي هي جنوبية بنسبة 95 % منذ 2012 فشلت في إدارة الدولة حتى اليوم، وبسبب ذلك الفشل قادت البلاد إلى حرب مدمرة، علاوة على أنها لم تتوحد هي الأخرى بل زاد شتاتها واتسعت رقعة خلافاتها وانقساماتها.

3) رغم سيطرة القيادات الجنوبية على القرار السياسي اليمني ومقدرات الدولة المالية والإدارية لكنها عجزت حتى عن معالجة معاناة المواطنين في عدن”المحررة” فضلا عن معالجة المشاكل الحقوقية والسياسية التي تمثل جوهر القضية الجنوبية.

4)  أثبتت السنوات الماضية أن القيادات الجنوبية ” لا تقاتل من أجل ما يسمونه “استعادة الدولة” وحماية حقوق المواطن الجنوبي – الذي زادوه معاناة وفقرا وتشريدا – وإنما من اجل النفوذ والسلطة والمال، التي تجلت صورها في ما سمي ب”إعلان عدن التاريخي- 4 مايو 2017″، الذي أيد تمرد وانقلاب محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي على الرئيس “هادي” وفوضه لإدارة الجنوب بدعم وتمويل إماراتي – خليجي بين وواضح أيضا.

5) تشترك القيادات الجنوبية “شرعية” و”حراكية” في توزع الولاءات الخارجية على حساب الولاء الوطني، وتشترك في تسليم القرار السيادي المباشر لاجزاء من الوطن كعدن، وحضرموت،  وجزر سقطرى، وميون لقيادات وقوات غير وطنية.

6) صراع النفوذ والمصالح عند القيادات الجنوبية هو المحرك الأساس لمؤتمر “حضرموت الجامع في 20 أبريل الماضي 2017″، الذي أعلن توجهه نحو فصل حضرموت ليس عن الجسد اليمني الموحد وإنما عن الجنوب أيضا.

7) الشيء الوحيد الذي حققه قادة الجنوب ذوو النزعات الانفصالية خارج التهيئة لتمزيق الجنوب وتناحر أبنائها ، في ما بينهم هو محاولة سلخ عدن وكل مدن الجنوب عن أخلاقياتها وقيمها المدنية النبيلة التي عرفت بها كل مدن ومناطق اليمن،  والجري وراء ممارسات وأعمال صبيانية جاهلة ومتخلفة تمثلت في ملاحقة وطرد المواطنين من العمال، والباعة، البسطاء من أبناء المحافظات الشمالية وترحيلهم ومداهمة بيوتهم ودكاكينهم ومصادرة ممتلكاتهم وإشاعة روح الحقد والكراهية ضدهم .

ولذلك كله نقول لإخواننا وأهلنا من أبناء المحافظات الجنوبية الذين يهتفون للانفصال وللقيادات التي تمارس الانفصال سرا وعلانية أن الوحدة هي طوق النجاة ولا مخرج لكم ولكل اليمنيين إلا بالحفاظ عليها.

الوحدة .. الأهمية والأسباب:

والخلاصة، إن أبرز ما يدفعنا للقول  بأهمية الحفاظ على الوحدة هو :

– الوحدة اليمنية ليست فقط عامل أمن واستقرار لليمن وحده بل هي عامل أمن واستقرار للمنطقة وللملاحة الدولية عموما.

– الانفصال سيجعل من اليمن أرضية خصبة للمؤامرات الإقليمية والدولية، وسيفقد اليمنيين سيطرتهم على سيادتهم وقرارهم السياسي.

– إن واقع الجنوب اليوم ليس بأحسن حال مما هو عليه في بقية محافظات الجمهورية، غير أن المؤكد أن الجنوب في ظل السير باتجاه التقسيم  والانفصال سيصبح مهيأ أكثر من غيره للعودة إلى زمن التمزق والمنازعات بين مشيخات وسلطنات، وكيانات صغيرة ستكون -بالتأكيد- خاضعة لغزاة وطامعين جدد .. وسيسهل لمشائخ وأمراء الخليج ضمها إلى مزارعهم وممتلكاتهم الخاصة.

– الوحدة اليمنية هي حصن اليمنيين ومنعتهم، وهي غناهُم وفقرهم، والاعتداد بها هو اعتداد بيمن آمن ومستقر وبتنمية مستدامة إذا ما نفض اليمنيون عن أنفسهم غبار العمالة والجهالة وعبادة الأصنام التي تسعى لإحياء الخرافات وتكريس الجهل والفقر والمرض.

– وجود كيانات يمنية مجزأة سيعمق شرخ اليمنيين وسيذكي بينهم نار الفتنة والحروب التي لا تنتهي.. وسيوجه اليمنيون امكانياتهم للتمترس ومواجهة بعضهم البعض.

ومن هنا فالحفاظ على الوحدة والتمسك بها هو الطريق الوحيد والآمن الذي سيحفظ لليمنيين كرامتهم، وسيمكنهم من إزالة ومحو هذه النتوءات المتخلفة والمشاريع الطائفية والعنصرية والجهوية الطارئة.

– فالتمزق والاختلاف والفرز العنصري والطائفي القذر هو الذي يفتك اليوم باليمن واليمنيين وليست الوحدة .

– المشاريع الصغيرة والفاشلة هي التي جلبت العدوان على اليمن وليست الوحدة ..

– الارتهان للمشاريع الإقليمية والعمالة للأجنبي هي التي أضاعت الدولة وأحلت محلها الفوضى وليست الوحدة.

– هيمنة الجهلة والأميين وسيطرة البندقية على العقل هو الذي افقد اليمنيين معاشاتهم ومصادر رزقهم وجلب لهم الأمراض والفقر والمعاناة وليست الوحدة.

فالانفصال إذن، لا يمكن أن يكون هو الحل .. لأن المشكلة ليست  في الوحدة بل هي في السمسرة بقضاياها، وصدقوني أن المحافظة  على الوحدة هي السبيل الوحيد لقطع الطريق على تجار الحروب وأصحاب المشاريع الصغيرة، ولأنها ببساطة مصدر أمان وقوة لشعب يدفع ثمن مغامرات الأقزام..

* رئيس مركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية

Share

التصنيفات: أقــلام

Share