الأرض في شعر ابراهيم طوقان
يوم الأرض 30 مارس/آذار 1976 ليس يوماً عادياً عابراً في تاريخنا، هو رمز للمكانة السامية لترابنا الوطني، ورمز وحدة الشعب الفلسطيني، انطلقت فعالياته ودلالاته من الأراضي المحتلة عام 1948، وشمل الضفة والقطاع والشتات، وقد ظن العدو بإجراءاته القمعية العنصرية أنه يستطيع عزل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر والاستفراد بهم، لكنهم أثبتوا في يوم الأرض، وكل الأيام للأرض، أنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني لا يمكن أسرلتهم أو تدجينهم أو تغيير هويتهم القومية.
خمسون عاماً مرّ على يوم الأرض، وقد أصبح مناسبة وطنية يحييها الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم تأكيداً على التمسك بالأرض، ورفضاً للاستيطان ومصادرة الأراضي وسياسة التهويد، ومناسبة للاجئين الفلسطينيين للتأكيد على الثوابت الفلسطينية في حق العودة إلى الأرض التي أُخرجوا منها.
كان يوم الأرض صورة لنضال وصراع طويل ومرير، وكفاح متواصل ضد المشروع الصهيوني الذي يقوم على الاستيلاء على الأرض كأساس للاستيطان والتهويد والتغيير الديمغرافي، وقد وضعت الحركة الصهيونية منذ نشأتها أسساً منظمة ومؤسسات تنفيذية تعمل بدقة وبشتى الوسائل المتاحة للاستيلاء على الأرض الفلسطينية، التي تصل إلى حدود ارتكاب المجازر البشعة، والإجلاء القسري، والتطهير العرقي، وترهيب السكان الأمنين، وهدم البيوت.
وقبل أن تتفاقم أزمة الأرض إلى هذا الحد، في عام النكبة، توفي إبراهيم طوقان في عام 1941، حتى هذا الوقت أقل من 1 بالمئة من مجمل أراضي فلسطين اشتريت من فلسطينيين خلال ثلاثين عاماً من السياسات الاقتصادية الظالمة والضغوط والاحتيال والتزوير والإغراءات، ومن باع منهم بدافع الإغراء المالي قلة شاذة عوقبوا بالنبذ والقتل أو فروا خارج البلاد.
تعكس قصائد طوقان الوعي الشعبي لمخاطر بيع الأرض لليهود، ولتداعيات وعد بلفور، وأهداف الاستعمار البريطاني لفلسطين، وأطماع الغرباء بالاستيلاء على الأرض، وطرد سكانها، وإحلال شتات اليهود القادمين من أصقاع الأرض مكانهم، يقول طوقان:
يجيء غريبُ الدارِ، يطرد أهلَها
ويلعب فيها كيف شاء ويرتعُ
ويدخل “شرعيّاً” ويأتي “مُهرَّباً”
وما معه إلاّ السلاحُ المفرقعُ
هُمُ النكبُة الكبرى على كلّ كائنٍ
هُمُ الخطرُ المنصبُّ والشرُّ أجمعُ
يقول هنا الفلاّح، وَهْو مُشرَّدٌ
على الأرض، “قولوا: كيف أعنو وأخضعُ؟”
امتلك إبراهيم طوقان في تلك المرحلة رؤية واضحة لطبيعة الصراع في فلسطين، بأن الأرض محور الصراع، فغدا الشعر أداة مهمة في الكفاح الفلسطيني ضد احتلال استيطاني، يقاوم التهويد يفند أنها أرض بلا شعب، مثلت الأرض في شعر طوقان محوراً مركزياً، فقد آمن أن الإنسان لا يستحق هذه الأرض إلا عندما يغسلها بدمه الزكي كي يطهرها من دنس الغاصبين:
أضْرَموا النارَ وصَبّوا فوقها
دَمَهم حُرّاً أبيّاً يغتلي
صهروا الأغلالَ وانصاعوا إلى
دنسِ الأرضِ، فقالوا اغتسلي
سعت الوكالة اليهودية، ولاسيما في بداية الاستيطان، للسيطرة على أراضٍ فلسطينية، ولم يكن أمامها من الوسائل قبل القرار الدولي بتقسيم فلسطين غير شرائها بأغلى الأثمان، لعل ضعاف النفوس يطمعون بالمال، بيّن طوقان الخطر الذي ينتظر البلاد من وراء البيع، وفتح العيون على الشر الذي سيعمّ ويستحكم من جراء ذلك:
يا بائعَ الأرضِ لم تحفل بعاقبةٍ.. ولا تعلّمتَ أن الخصمَ خَدّاعُ
لقد جنيتَ على الأحفاد وا لهفي!.. وهم عبيد.. وخُدّام.. وأتباعُ
وغرّكَ الذهبُ اللمّاع تُحرزهُ.. إن السرابَ كما تدريه لـمّاعُ
ويدعو بائع الأرض أن يفكر بموته، وإلا لن يجد أرضاً يدفن فيها جثمانه:
فَكّرْ بموتكَ في أرضٍ نشأتَ بها.. واتركْ لقبركَ أرضاً طولُها باع
ويدعو طوقان الاقطاعيين الكبار أن يقتدوا بغاندي ويصوموا عن الطعام، وبيع الأرض، كي تستريح عظامهم في تراب هذه الأرض، فالصوم عن بيع الأرض هو الصوم الذي يفيد:
حبذا لو يصوم منا زعيمٌ.. مثل “غندي” عسى يفيد صيامُهْ
لا يصمْ عن طعامه.. في فلسطيــنَ، يمـوت الزعيمُ لولا طعامه
ليصمْ عن مبيعه الأرضَ يحفظْ .. بقعةً تستريح فيها عظامه!
كانت الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية يشترون الأراضي في فلسطين بأسعار عالية، والإقطاعيون من مختلف الجنسيات يبيعونهم مساحات واسعة، ومنهم الاقطاعي اللبناني سرسق الذي عقد صفقة بيع أخرجت أهالي مرج ابن عامر من قراهم وبيوتهم وأراضيهم وقذفتهم بأطفالهم ونسائهم تائهين مشردين، بعض المغفلين العرب في الأقطار المجاورة لفلسطين، وهم يرون ثراء من باع، لم يفطنوا إلى أن وطناً لا أرضاً يباع، وكان في بيروت من يحسد أهل فلسطين على ذلك الثراء الزائف، يقول طوقان:
يقولون في بيروتَ: أنتم بنعمةٍ .. تبيعونهم تُرْباً، فيُعطونكم تِبْرا
شقيقتَنا مهلاً! متى كان نعمةً.. هلاكُ أُلوفِ الناسِ في واحدٍ أثرى؟.
وباذلُ هذا المالِ يعلم أنَّهُ.. يُسلِّم باليُمنى إلى يده اليُسرى
على أنها أوطاننا.. ما كنوزُهم.. وأموالُهم حتى تُساوَى بها قَدْرا؟
ولو كان قومي أهلَ بأسٍ ونخوةٍ .. إذن أصبحتْ للطامعين بها قبرا
ولكنهم قد آثروا السهلَ مركباً.. تُسيِّره الأهواءُ واجتنبوا الوعرا
وما حسرتي إلاّ على .. قومُ “لوجه اللهِ” بالنهضة الكبرى
توقع إبراهيم طوقان أن الأزمة ستتحول إلى معركة مفتوحة لا حدود لها، لأن المتنازع عليها أرض الوطن، والصراع الوجودي هذا لا يقتصر على عدو واحد، بل عدوين اثنين، أولهما الحركة الصهيونية، وثانيهما الاستعمار البريطاني، يصبح تحديد من هو العدو ضرورة لإفشال مخططاتهما وأهدافهما:
لنا خصمان ذو حَوْلٍ وَطَوْلٍ
وآخرُ ذو احتيالٍ واقتناصِ
مناهجُ للإبادة واضحات
وبالحسنى تُنفّذ والرصاصِ
وُصم السماسرة الذين يسهلون بيع الأرض لليهود بالعار الذي لا يغتفر، قصيدة السمسار تدل على مدى احتقار السمسار، اشترك في نظمها ثلاثة شعراء من مدينة نابلس هم: إبراهيم طوقان، وعبد الرحمن عبدالمجيد، ومحمد البسطامي:
رعاكَ اللهُ ما تَصْنَــعُ، لو لاقيتَ سمسارا؟!
إذا ألفيتُهُ في الدارِ، أهدمُ فوقه الدارا
وأجعلُ فوقه الأحجا..رَ، لا أترُكُ أحجارا !
وأجمعه بمِلقاطٍ وأُضرِمُ فوقه النارا
أُصوِّبُ بين عينيهِ أدقُّ هناك مسمارا
أُعلّقُ “لوحةً” فيها.. “ألا قُبِّحتَ سِمسارا”
ويصب طوقان نقمته على السماسرة، ويصفهم بالطماعين، وطباعهم تشبه طباع اليهود، دينهم ومعبودهم المال، وفي كل مناسبة يشير إليهم على أنهم عار وداء بُليت به فلسطين:
أمّا سماسرةُ البلاد فعصبةٌ
عارٌ على أهل البلاد بقاؤها
إبليسُ أعلن صاغراً إفلاسَهُ
لما تَحقّقَ عنده إغراؤها
يتنعّمون مُكرَّمين.. كأنما
لنعيمهم عمَّ البلادَ شقاؤها
هم أهلُ نجدتها.. وإن أنكرتَهم
وهُمُ- وأنفُكَ راغمٌ- زعماؤهما
ابراهيم طوقان شاعر ملتزم بقضايا الوطن، عبّر بصدق عن هموم فلسطين، وصف الحاضر مشيراً إلى مشكلاته، واستشرف المستقبل، محذراً من خطورة الاستيطان في ضياع الوطن داعياً لمواجهته مبرزاً دور النضال في حماية الأرض والوطن.
تغنى إبراهيم طوقان بوطنه فلسطين بقصيدته الرائعة موطني، واستشرف المستقبل في قصيدة الفدائي، وعبر عن رؤيته الواضحة للصراع في أرض الأنبياء، تمتع بعمق النظر وصلابة الموقف، وانتقد الزعماء الذين واجهوا الأزمة بالخلافات وبالبيانات والاجتماعات، رآها طوقان تقود إلى الكارثة.
Comments are closed.