محمد الفرح: من يراهنون على “حماية المجتمع الدولي” من العدو الإسرائيلي: بين الوهم والخداع

يكرر البعض، في لحظات الخطر والتوتر، وبالذات من يطالبون بتسليم السلاح في لبنان وفي فلسطين، عبارة مطمئنة ظاهرًا: “المجتمع الدولي لن يسمح بذلك” أو “المجتمع الدولي سيتدخل لحمايتنا”.

غير أن هذا الرهان، ليس واقعياً، وهو تصور خاطئ؛ إما ناتج عن سذاجة مفرطة في فهم طبيعة النظام الدولي، أو خداع متعمد لتسكين المخاوف وتبرير العجز.

فما هو هذا “المجتمع الدولي” الذي يُستدعى كلما اشتدت الأزمات؟

المقصود بهذا المصطلح ليس كيانًا واحدًا متماسكًا، ولا قوة موحدة ذات قرار مستقل، بل هو تعبير فضفاض يشمل مجموعة من الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، إضافة إلى منظمات دولية كـ الأمم المتحدة، وهيئات تابعة لها مثل مجلس الأمن الدولي، وتحالفات سياسية وعسكرية مثل حلف شمال الأطلسي. لكن هذا التوصيف بحد ذاته يكشف الحقيقة كالتالي:

أولاً: هم ليسوا حرّاساً للعالم، إنما مجرد تجمع قوى متباينة المصالح، متصارعة أحيانًا، ومتحكمة بموازين القرار.

ثانيًا : المشكلة الأساسية في هذا الرهان أنه يفترض وجود جهة قادرة على الحماية وملزمة بها، وهذا غير صحيح.

فـ الأمم المتحدة، لا تملك قوة تنفيذية مستقلة، وقراراتها تبقى رهينة توافق الدول وهيمنة أمريكا بالدرجة الأولى، خصوصًا داخل مجلس الأمن الدولي.

وهنا يظهر العامل الحاسم: حق النقض (الفيتو)، الذي تملكه الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا، والذي يمكنه تعطيل أي قرار لا يخدم مصالحها، حتى لو كان متعلقًا بوقف اعتداء أو حماية مدنيين، أو مظلومية واضحة.

ثالثًا: اثبتت التجارب أن النظام الدولي لا يُدار بمنطق العدالة، بل بمنطق المصالح والقوة. فالدول لا تتحرك لحماية الضعفاء لكونهم مظلومين، بل تتحرك حين تتقاطع القضية مع مصالحها الاستراتيجية. وفي حالة العدو الإسرائيلي، فإنه يحظى بدعم سياسي وعسكري ومالي واضح من قوى كبرى، ما يجعل أي رهان على تدخل “المجتمع الدولي” ضدها رهانًا ضعيف الأساس.

رابعًا: ما الذي يقدمه هذا “المجتمع الدولي” في أوقات الأزمات؟ سوى: بيانات إدانة لا تغيّر شيئًا على الأرض، ودعوات لوقف إطلاق النار لا تُلزم أحدًا، ومساعدات إنسانية تُخفف الألم دون أن توقف سببه، وضغوط دبلوماسية محدودة الأثر. دون أي حماية فعلية توقف العدوان أو تفرض توازنًا.

فما الذي فعله المجتمع الدولي لفلسطين على مدى 70 عاماً، وماذا قدَم لليمن في مواجهة عدوان ظالم، وماذا فعل للبنان والعراق وإيران.

من هنا، فإن الاعتقاد بأن هناك جهة خارجية ستتولى مهمة الحماية لأي بلد هو نوع من الهروب من مواجهة الحقيقة: في عالم تحكمه القوة، لا يُحمى الضعيف إلا بقدر ما يمتلك من عناصر القوة أو ما ينسجه من تحالفات حقيقية صادقة، لا أوهام لفظية.

الخلاصة أن “المجتمع الدولي” ليس كيانًا منقذًا، بل ساحة صراع مصالح. ومن يراهن عليه كضامن للأمن في مواجهة قوة مدعومة دوليًا، إما أنه لم يفهم طبيعة هذا العالم، أو أنه يختار أن يُضلل غيره… وفي الحالتين، فإن الثمن لا يكون نظريًا، بل يُدفع على أرض الواقع.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار