أنس القاضي: تراجع الامبراطورية الأمريكية!

ما هي آخر حرب عسكرية أو سياسية في”الشرق الأوسط” حققت فيها الولايات المتحدة نصرا استراتيجيا بالمعنى الكلاسيكي للهيمنة الإمبراطورية؟ أي أن تُخضع بلدا بالكامل، وتجعله ملحقا محضا، وتضمن استقرار نظام تابع ينتج علاقة التبعية بشكل مستمر؟ هذا النموذج، الذي كان سائدا في مرحلة الحرب الباردة، ثم مرحلة الهيمنة الأحادية القطبية (تقريبا من ١٩٩١ إلى ٢٠١٤)، لم يعد قائما بالصيغة ذاتها.

خسرت الولايات المتحدة معاركها الكبرى الأخيرة في العراق وأفغانستان، وفشلت في فرض إرادتها في ليبيا وسوريا، كما تراجعت قدرتها على التأثير في اليمن، حتى دول الخليج، التي كانت حجر الزاوية في النظام الإقليمي الأمريكي، باتت تنوع علاقاتها الدولية وتسلك سياسات تخالف أحيانا الإرادة الأمريكية، وإن كان ذلك لا يزال محدودا لكنه مؤشر على تحول جوهري.

في العموم نحن نشهد تراجعا في النفوذ الأمريكي من نوع خاص، ليس تراجعا مطلقا أو انهيارا كاملا، بل تحولا في طبيعة الهيمنة؛ فالولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بقواعد عسكرية ضخمة، وأسطول بحري، ونفوذ في المؤسسات المالية الدولية، لكنها فقدت القدرة على “هندسة الأنظمة السياسية” المستقرة التابعة بالطريقة التي نجحت فيها بعد الحرب العالمية الثانية (كما في مشروع مارشال لإعادة إعمار غرب أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان).

أما اليوم، فتظهر الوثائق الاستراتيجية الأمريكية تحولا في الاهتمام نحو منافسة القوى الكبرى (الصين) ومناطق مثل المحيط الهادئ وأمريكا اللاتيني.

في الوقت نفسه، تُظهر إدارة ترامب كما في العدوان على إيران، ميلا إلى استخدام القوة كأداة تدمير وتخريب أكثر من كونها أداة بناء وإعمار وانتاج انظمة تابعة مستقرة، يبقى أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى قادرة على التدمير، لكن قدرتها على إنتاج أنظمة مستقرة تابعة — أي السطوة الإمبراطورية بالمعنى التقليدي — انتهت أو تراجعت بشكل حاد.

والقدرة على التدمير لا تضمن الهيمنة وليست ابدية وتواجه بحروب من نمط جديد، نمط الحرب غير المتكافئة الاستنزافية، الذي دفعها لوقف اطلاق النار في البحر الاحمر وايقاف العدوان على اليمن.

Comments are closed.

اهم الاخبار