بيوت ومفاتيح وناجون من الحرب في معرض “الاسم فلسطين”

في مواجهة الاحتلال وفقدان الأرشيفات والمراسم، تصبح اللوحة والمنحوتة وثيقة شخصية تمثل الفنان، وربما أيضاً وثيقة تاريخية. هكذا يمكن تصوّر معرض “الاسم فلسطين” الذي افتتحت نسخته الرابعة السبت الماضي في غاليري آرت توكس بالقاهرة، وتتواصل حتى التاسع والعشرين من الشهر الجاري.

يحمل عنوان المعرض دلالة واضحة، فبحسب البيان المرافق له، جاء المشروع رد فعل ثقافي على واقعة إزالة اسم فلسطين عن بعض تسميات القاعات والخرائط في المتحف البريطاني بلندن، بدعوى “المراجعة العلمية”، في خطوة وصفتها أوساط ثقافية بأنها “تزوير للتاريخ”. وكانت إدارة الغاليري قد حوّلت فكرة معرض لثلاثة فنانين غزيّين، هم: فايز السرساوي، محمد الفرا، معتز نعيم إلى فضاء أوسع، يشارك فيه ثمانية وعشرون فناناً فلسطينياً ومصرياً.

السخرية ضد السقوط

أعمال الفنان فايز السرساوي النحتية التي نفذ بعضها بالبرونز، تعيد سرد الحكايات تحت الاستعمار، لكنها تحمل في طياتها رمزية عالية تحررها من المباشرة وتبني البعد الإنساني دون تمثلاتها المباشرة بالرموز الميثولوجية الفلسطينية، وهو يتجه إلى تفكيك الواقع السياسي بأدواته الساخرة والرمزية، منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالانتفاضة الأولى والثانية، والحروب الخمس على غزّة، وتستعيد أعماله شخصيات وأحداث من عمق التاريخ الفلسطيني، لكنها تسقطها على الحاضر لتؤكد أن المعاناة لم تتغير، وأن الاحتلال يتخذ أشكالاً متعددة.

بيوت واقفة

وتقدّم أعمال الفنان الفلسطيني معتز نعيم مقاربة بصرية لمفهوم الفقدان وإعادة الإعمار، في أربع لوحات تركز على استعادة الذاكرة لبيوت تتحرر من موتها وسحقها، فتراها شاهقة يحيط بها الربيع والشجيرات التي احترقت في الحقيقة، لكنها تظهر في عمل نعيم مثل صور متخيلة تعيد تنظيم المكان وترتيبه مرةً أخرى. يمزج الفنان في أعماله بعداً تأملياً بين الخيال والواقع، ما يمكن تسميته “إعادة الإعمار الخيالي”. يعيد الفنان بناء بيوت غزّة وعماراتها التي دُمِّرَت وسُوِّيَت بالأرض في حرب الإبادة الأخيرة، بطريقة خالية من أي أثر أو ارتباط بالتدمير نفسه، فيرسم غزّة كما يتخيلها لا كما تراها الكاميرات.

كذلك يتحرّر نعيم من التقنيات التي استخدمها في الفترة الأخيرة لتوثيق حالة الدمار، حيث سيطر اللون الرمادي واختفى منه التنوع اللوني. في لوحتي “أحلام المدينة 1 و2″، يتجلى نموذج واضح لاستعادة ذاكرة المكان، عبر تشكيل المدينة من كتل معمارية متراكبة، بيوت متلاصقة يرتفع بعضها فوق بعض، تتوسطها شمس وقمر في وقت واحد، ليجمع الزمنين معاً ويضفي طابعاً تأملياً يوحي بأن المدينة خارج إطار الزمن، أو أنها ذاكرة لا تخضع لقوانين الواقع. هذا الأسلوب يذكر بتجارب فنية عديدة اشتغلت على فكرة المدينة، مثل أعمال مارك شاغال حيث كانت القرية تطفو فوق الواقع، أو لوحات بول كلي حيث تتحول البيوت إلى علامات لونية. إلا أن تجربة نعيم تتميز بارتباطها المباشر بمدينة حقيقية تعيش تحت التهديد، ليجعل هذا الهدوء الظاهر يبدو أقرب إلى موقف الشاهد والناجي والمتأمل تحت صيغة مشهد حالم.

تفاصيل يومية

يواجه محمد الفرا الحصار المفروض على قطاع غزّة منذ نحو عشرين عاماً من خلال رؤية توثيقية حيث تتيح أعماله للمشاهد التعرف أكثر إلى التفاصيل اليومية، وقراءة ملامح الحياة من أثر الحروب، والصدمة التي تبدو على الفلسطينيين في غزّة.

يشارك في المعرض أيضاً فنانون من أجيال وخلفيات مختلفة، من بينهم عبد الله جوهر، وأحمد عزت، وعلي سعيد، وعبد الرحمن شرف، وعبد الرحمن محمود، وعلاء معوض، وعلاء حجازي، وأماني عبد الباري، وأميرة خليل، وأيمن عيسى، وكارييل حمصي، وإبراهيم عوض، وإياد الوليد، وفهد شهاب، وميرا شحادة، ومحمد البحيري، ومحمد الفرا، ومحمد تمام، ومنى صالح مطر، ومعتز نعيم، وسارة رشوان، وسليمة أسامة، ووفاء نشاشيبي، وزينة سليمان.

لا يفرض المعرض أسلوباً واحداً على الفنانين المشاركين، إذ تتجاور فيه لوحات التصوير والرسم والتجهيزات والنحت والأعمال المعاصرة، ما يعكس تنوع التجارب التي يحملها الفنانون القادمون من سياقات مختلفة. بعض الأعمال يستعيد رموزاً بصرية مألوفة من الذاكرة الفلسطينية، مثل الخرائط والمفاتيح والبيوت القديمة، بينما تميل أعمال أخرى إلى التعبير التجريدي، حيث تتحول الألوان والمواد إلى استعارات عن الفقد والمنفى والبحث عن مكان جديد للعيش.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار