الألعاب النارية تهدد حياة الأطفال في صنعاء

نجيب علي العصار

مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تتجدد مظاهر الفرح في الأحياء والشوارع، حيث يحرص الأطفال على الاحتفال بالعيد بطرق مختلفة، أبرزها إشعال الألعاب النارية والمفرقعات التي غدت مشهداً مألوفاً في ليالي العيد. ورغم ما تضفيه هذه الألعاب من ألوان وأصوات تبعث البهجة في نفوس الصغار، فإنها في المقابل تمثل خطراً حقيقياً يهدد سلامة الأطفال والمجتمع؛ إذ كثيراً ما تتحول من وسيلة للمرح إلى مأساة تسبب حوادث مؤلمة وإصابات قد تكون مستديمة.

وفي هذا السياق، خيّم الحزن على الأوساط التربوية والمجتمعية في العاصمة صنعاء خلال شهر رمضان الجاري، عقب إعلان نبأ وفاة الطفل محمد وديع الصلوي، الطالب بالصف الثاني الأساسي في “رياض ومدارس علا المجد”، إثر حادث أليم ومأساوي نتج عن عبثه بالألعاب النارية المتفجرة والمعروفة شعبياً بـ”القريح”، وفقاً لما نشرته المدرسة عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، ورصدته “الوحدة”.

وتأتي هذه الحادثة لتدق ناقوس الخطر من جديد حول انتشار الألعاب النارية في الأسواق اليمنية، والتي باتت تُباع للأطفال دون حسيب أو رقيب. وأكد مراقبون أن هذه المواد ليست مجرد تسلية، بل هي “مقذوفات خطرة” تحتوي على تركيبات كيميائية سامة ومتفجرة تهدد سلامة الأرواح، وتسبب إعاقات دائمة أو وفيات كما حدث في هذه الفاجعة.

خطوة استباقية

وفي خطوةٍ استباقية لمنع وقوع كوارث إنسانية، أطلقت مصلحة الدفاع المدني في صنعاء ما وصفته بـ”الإنذار الأخير”، مستهدفةً شبكات تخزين الألعاب النارية التي تحولت إلى “قنابل موقوتة” تهدد حياة الآلاف في قلب الأحياء السكنية المكتظة.

وركز بيان الدفاع المدني اليمني على “صنعاء القديمة”، مؤكداً أن هذه المدينة المدرجة على قائمة التراث العالمي لا تحتمل مغامرات التجار، كون المباني الطينية المتقاربة تجعل من أي حريق بسيط كارثة شاملة قد تمحو معالم تاريخية تعود لآلاف السنين، وهو ما يجعل المصلحة تشدد على الإخلاء الفوري للألعاب النارية منها دون قيد أو شرط.

ويرى مراقبون أن تحويل المواطن إلى “رقيب” عبر دعوته للإبلاغ عن المخازن السرية، يعكس جدية السلطات في تجفيف منابع الخطر، فالأمر لم يعد مجرد “مخالفة تجارية”، بل بات يمس السلامة العامة والنسيج العمراني للعاصمة صنعاء.

إنذار أخير

وكانت مصلحة الدفاع المدني قد وجهت، في سلسلة منشورات بصفحتها على “فيسبوك” تابعتها “الوحدة”، رسالة للتجار تحثهم على “الإخلاء الطوعي والآمن، أو المواجهة القانونية والمصادرة”، في خطوة تهدف إلى تأمين العاصمة قبل مواسم الازدحام والأعياد التي يزداد فيها الطلب على هذه المواد الخطرة.

وفاة طفل تشعل التحذيرات والدفاع المدني يطلق الإنذار الأخير لإخلاء مخازن المفرقعات من أحياء صنعاء القديمة

تساؤل مرير!

أمام هذا المشهد المتكرر، يتساءل المواطنون، وبالرغم من تحذيرات الدفاع المدني: هل تعجز حكومة البناء والتغيير عن حماية السكينة العامة ومنع استيراد الطماش والمفرقعات والألعاب النارية، كما هو معمول به في كثير من دول العالم؟ وهل سيظل هذا العجز امتداداً لفشل الحكومات السابقة في الحد من استيراد هذه المواد ومعاقبة من يبيعها أو يستخدمها؟ وهل تستطيع الأجهزة الأمنية القضاء عليها والاستجابة لشكاوى المواطنين؟.

ضبط المخالفات

وفي سياق الرد العملي على هذه الهواجس المجتمعية، قال المقدم محمد الفائق مدير تحرير موقع الإعلام الأمني، التابع لوزارة الداخلية، إن الأجهزة الأمنية في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة تضطلع بمسؤولية وطنية وقانونية في مواجهة انتشار الألعاب النارية، مشيراً إلى أن الجهود الأمنية تتركز على مسارات مدروسة تبدأ بتشديد الرقابة الجمركية في المنافذ لمنع دخول هذه المواد غير القانونية التي يتم تهريبها بطرق تفتقر لأدنى معايير السلامة.

الفائق: الأجهزة الأمنية تكثف جهودها لمكافحة انتشار الألعاب النارية

وأوضح في حديثه لـ “الوحدة”، أن الفرق الأمنية الميدانية تنفذ، بالتنسيق مع عقال الحارات والجهات ذات العلاقة، حملات تفتيش دورية لضبط المخالفات والحد من انتشار هذه الظاهرة التي تهدد سلامة المجتمع.

وأكد الفائق أن وزارة الداخلية تولي أهمية قصوى للاستجابة السريعة لبلاغات المواطنين بشأن المخازن العشوائية للألعاب النارية، لما تشكله من خطر باندلاع الحرائق في الأحياء السكنية المكتظة، لافتاً إلى أن الجهات المختصة تعمل على تطبيق الإجراءات القانونية الرادعة بحق المخالفين والمروجين لضمان عدم تكرار مثل هذه التجاوزات التي تنغص السكينة العامة.

وأضاف:” أن القيادة الأمنية تؤمن بأن تكامل الجهد الأمني مع الوعي الأسري والمجتمعي يمثل السبيل الأمثل لتهيئة أجواء عيد آمنة ومستقرة، بعيداً عن الحوادث والإصابات التي يمكن تلافيها بالالتزام الصارم بالأنظمة والتعليمات الأمنية الصادرة”.

الأسرة والمجتمع

ويجمع الأخصائيون الاجتماعيون على أن “الوعي الأسري” هو خط الدفاع الأول؛ فالسماح للطفل بشراء هذه المواد بـ “عسيب العيد” (العيدية) هو بمثابة تقديم وسيلة إيذاء له ولغيره.

إصابات وتشوهات

ويقول أحد الأطباء في قسم الطوارئ بمستشفى الجمهوري بصنعاء لـ “الوحدة”: “نستقبل كل عيد عشرات الحالات التي كان يمكن تفاديها لو امتنع الآباء عن شراء هذه الألعاب لأطفالهم. الإصابة لا تستغرق سوى ثانية واحدة، لكن أثرها قد يدوم مدى الحياة”.

وفي ذات السياق، يحذر الأطباء وخبراء السلامة من أن الألعاب النارية ليست مجرد أدوات ترفيهية بسيطة، بل هي مواد تحتوي على مركبات قابلة للاشتعال والانفجار، وقد تؤدي إلى إصابات خطيرة في حال استخدامها بشكل غير آمن.

ومن أبرز الإصابات المرتبطة بالألعاب النارية الحروق الشديدة، وإصابات العين مثل جروح القرنية أو تمزق الشبكية، وقد يصل الأمر إلى فقدان البصر جزئياً أو كلياً، بالإضافة إلى بتر الأصابع أو اليد وتشوهات دائمة في الوجه والجلد.

كما تشير تقارير طبية إلى أن بعض الإصابات قد تؤدي إلى عاهات مستديمة أو حتى الوفاة في الحالات الشديدة، خاصة عندما يستخدم الأطفال أنواعاً قوية من المفرقعات دون معرفة بطريقة التعامل معها.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار