من المطبخ إلى المستشفى.. يوميات اليمنيين في رمضان

الوحدة:

يشهد رمضان -أو يفرض- تغييرا في السلوك الاجتماعي والنشاط الاقتصادي لليمنيين.

ومع ارتباط هذا التغيير بجو روحاني لدى البعض، فإن فحصه لدى الأغلبية يظهر أنه تغير يفرضه سهر الليالي في مجالس القات وغياب النشاطات النوعية لغير المخزنين.

الإنتاج، الأطفال، هم أكثر المتضررين من هذا التغير، للسببين السابقين.. تتمسك بعض المناطق بسلوكيات خاصة برمضان، وتتكون في المستشفيات سجلات خاصة بأمراضه.

“الوحدة” سجلت بعضا من كل ذلك وإليكم الحصيلة:

 يصومون عن كل شي تبعاً لحاجة الكبار..

 الأطفال

في رمضان، يخرج الطفل من حسابات الأسرة تمامًا، ففي حين يستطيع الجميع تقسيم أوقاتهم كما يشاؤون بين العمل والعبادة والترفيه، يُجبر هو على التأقلم مع ما يُطلب منه أو ما يُفرض عليه حتى يستطيع الكبار المضي في ذلك التقسيم.

يمر نهار رمضان عند الأطفال في اليمن طويلًا ومزعجًا، تُسحب منهم جميع الامتيازات من أكل ولعب. لا يرغب أحد في سماع أصواتهم، في حال قرر ربّ الأسرة الخلود إلى النوم، لا بد للطفل المكوث في زنزانة الصمت التام أو تلقي العقوبة.

تقول “جلاء”، أم لأربعة أطفال، إنها تضطر لإرسال أبنائها إلى بيت والدتها حتى يستطيع زوجها النوم بهدوء، وإلا تولدت المشاكل التي هم في غنى عنها في رمضان.

وتقول “صفية”، وهي أم لطفلين: أطفالي أشتري لهم الألعاب ولكن أضطر لإخفائها في رمضان، فمع الصيام لا مجال لتحمل إزعاجهم، ولا بأس من أن يكون شهر رمضان خاليًا من الترفيه.

وتبتكر بعض الأسر وسائل لتجنب ما تعتبره إزعاجًا من الطفل داخل المنزل فتقوم بإرساله إلى الشارع!!

كما تُجبر بعض الأسر أطفالها على الصوم بحجة تعويدهم عليه، وهي الطريقة التي تربّى الكبار عليها.

تؤكد أم أيمن قائلة: “لا بد أن يعتاد الأطفال على الصيام في سن مبكرة، حتى وإن كانوا مرغمين عليه، فهم مأجورون بإذن الله. وعندما يكبرون سيعلمون أننا نقسو عليهم لمصلحتهم”. وتضيف: “أبنائي جميعهم يبدأون الصيام من السابعة، ورغم أنهم يتذمرون ويلجأون إلى الأكل خفية، ولكن إذا أمسكنا بأحدهم وهو يأكل فيُضرب حتى يحرص على الصوم.

بالمقابل لا يعني مجيء المغرب ومعه فسحة الإفطار الإفراج عن الطفل؛ فعند انتهاء العشاء تأخذه أمه إلى المسجد كمرافق. وهناك حين يتصرف بفطرته وطبيعته الطفولية التي تميل إلى اللعب، يكون مصدرًا لإزعاج المصلّيات فيتعرّض للنهر والتوبيخ أو الضرب.

بعدها لن يكون في الوقت متسع، ولا عند الطفل طاقة بعد يوم مليء بفعل ما لا يرغب به. عند العاشرة مساءً يكون الطفل على موعد مع النوم بعد نهار صام فيه الكبار عن المفطرات وصام فيه الطفل عن كل شيء.

 حوادث مرورية.. تلبك معوي وحالات تسمم..

أمراض رمضانية

عسر الهضم والتسمم الغذائي والتقلصات المعوية والمغص الشديد واضطرابات الجهاز الهضمي كما يقول الدكتور محمد الرزاز من قسم الطوارئ في المستشفى الألماني الحديث، هي أكثر الأمراض انتشارا في رمضان.

يضيف: اغلب الحالات التي تصل الينا في رمضان تتعلق بالجهاز الهضمي من إسهال وتقيؤ والتهابات حادة في المعدة وتسمم غذائي، بسبب عدم الأكل المنظم والإفراط في استخدام البهارات والحوار والحوامض خاصة عند الإفطار.

ووفقا لسجل رمضان الماضي فإن عدد المصابين بالحالات المذكورة ازداد، مقارنة بالشهور الباقية، بنسبة 40في المائة.

 

ويذكر الدكتور الرزاز ان معظم الحالات في رمضان التي تصل إلى أقسام الطوارئ هي حالات التلبك المعوي والحوادث المرورية، حيث تشهد أقسام الطوارئ المختلفة أعلى نسبة من المراجعين مقارنة بالأقسام الأخرى، إذ يهرع الصائمين إلى اكل كل ما لذ وطاب دفعة واحدة مما يؤدي إلى إجهاد المعدة وحدوث مضاعفات يتوجه الصائم على اثرها إلى قسم الطوارئ باحثا عن العلاج.

ويضيف: النوع الثاني، وهو الأخطر، الحوادث المرورية، فقبيل موعد الإفطار، نظرا لاستعجال المواطنين العودة إلى بيوتهم والإفطار في المنزل، ومع السرعة الزائدة تقع الحوادث المؤلمة.

ويختم الدكتور الرزاز حديثه لـ”الوحدة”، بالقول: من بين 20 إلى 30 حالة يوميا تصل للمعاينة إلى القسم خلال شهر رمضان تتعلق بالتهابات الجهاز الهضمي والمجاري التنفسية.

أخطاء شائعة

وفيما يشكو ما يقارب ثلث الصائمين من مشاكل الجهاز الهضمي في رمضان، ويعود ذلك في الغالب إلى التغييرات المفاجئة في مواعيد تناول الطعام وكمياته، فعلى الرغم من أن الصيام يمنح الجهاز الهضمي فرصة للراحة، إلا أن هذه التحولات قد تؤدي إلى الانتفاخ أثناء الصيام أو ارتجاع الأحماض (الحموضة). هذا ما يؤكده الدكتور بندر السامعي أخصائي التغذية الإكلينيكية بمستشفى الثورة بمدينة الحديدة في حديثه لـ “الوحدة”.

مشيراً إلى أن التخطيط المتوازن لوجبتي السحور والإفطار يساعد على الحفاظ على مستويات الطاقة والحد من مشاكل الجهاز الهضمي في رمضان، فاختيار الأطعمة المناسبة في التوقيت الصحيح يلعب دورًا أساسيًا في دعم الهضم السلس طوال فترة الصيام.

وحذّر الطبيب السامعي، من أخطاء شائعة في تناول وجبة الإفطار خلال رمضان، مؤكداً أنها قد تضر بصحة الصائمين حتى الأصحاء منهم. موضحاً أن أبرز هذه الممارسات تتمثل في الإفراط في الأكل، وسوء تنظيم مواعيد الوجبات بين الإفطار والسحور، واتباع عادات غذائية غير صحية. ودعا إلى تناول الطعام بكميات معتدلة وببطء، مع الإكثار من الخضروات الورقية لتجنب اضطرابات الهضم والإمساك.

اعتكاف في المطبخ

إذا كانت المرأة تقضي في المطبخ ما لا يقل عن 4 ساعات في الأيام العادية، فإنها تضطر لقضاء ضعف هذا الوقت خلال أيام شهر رمضان المبارك، وفي كل الأحوال فإنها تعمل في المكان الذي لا يتحدث فيه أحد عن الرجل، الذي يظل ممددا ساقيه، مكتفياً برفع الصوت بحثاً عن الطعام.

ضغط العمل في المطبخ في هذا الشهر يزداد على المرأة، والوقت الذي ينبغي عليها الانتهاء من إعداد الطعام فيه محدود، إذ لا يمكن التأخير بأي حال من الأحوال لما بعد موعد الإفطار.

تأخذ (المرأة) التي تقاسم بعض الإجراءات والتكتيكات التي من شأنها توفير بعض الوقت والجهد مثل تجهيز مسبق لأنواع وأصناف المأكولات القابلة للحفظ في الثلاجة قبل أسبوع أو أسبوعين من رمضان، كالسمبوسة على سبيل المثال، كما تقول ام جميل ربة بيت، في حديثها لـ “الوحدة”.

ولأنه من الصعب الجمع بين الأعمال المنزلية وغيرها في رمضان، تضطر المرأة الموظفة إلى أخذ إجازة من جهة العمل في هذا الشهر لتتفرغ لأعمال بيتها ومطبخها كما تقول أحلام عبد الله – موظفة.

فالجهد الذي تبذله أحلام في المطبخ خلال رمضان أكثر من الأيام الأخرى، وأنواع وأصناف الطعام التي ينبغي ألا تخلو منها المائدة في هذا الشهر كثيرة، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من العصائر والحلويات، وهذا يجعل من الصعب عليها – وغيرها من الموظفات الجمع بين وظيفتهن المكتبية والطبخ في رمضان. صحيح أن هناك وجبتين أساسيتين فقط في رمضان، الفطور والسحور، لكن وجبة الفطور وجبة إضافية مهمة، وهي كما تقول أم أحمد – ربة بيت – مرتبطة بالأشخاص المخزنين، وتعاطي القات يتطلب ملء البطون، وهذا الأمر يشكل عبئا إضافيا على النساء.

أما في مطبخ أم عصام، فتتجلى تجربة رمضانية مغايرة؛ حيث تحول هذه الأستاذة والأم لثلاث بنات إعداد مائدة الإفطار من عبء يومي إلى عمل جماعي ممتع.

وبحسب حديثها لـ”الوحدة”، فالبنات اللاتي اعتدن مشاركة والدتهن تفاصيل المطبخ، يتوزعن المهام بدقة وحب؛ فمنهن من تتولى تجهيز الأواني، وأخرى تُعدّ الأطباق التقليدية التي تشتهيها العائلة كـالشفوت، والشوربة، وبنت الصحن، والسلتة. وفيما تنشغل إحداهن بتقطيع الخضر وتجهيز الفواكه، تتشارك الأخريات في إعداد الحلويات كالمحلبية والبسبوسة، وصولاً إلى تحضير العصائر والشاي، ليتحول المطبخ إلى خلية نحل تفيض بروح التعاون العائلي.

مكسبه يتضاعف مرات عدة..

 الشراب

تشهد الشوارع في نهار رمضان تكدسا ببائعي العصائر والمشروبات والتي يفضلها اليمنيون منها عصير البرتقال والرمان والتوت والفيمتو والليمون، والتي يستقطب بيعها العديد من الأيدي العاملة.

وتعكس هذه الظاهرة، وفق متابعين، روح المبادرة لدى الشباب، الذين لا ينتظرون فرص العمل التقليدية، بل يخلقون لأنفسهم مصادر رزق موسمية تتناسب مع طبيعة الشهر واحتياجات الناس.

يقول محمد القرماني بائع عصائر إنه ينتظر قدوم رمضان بفارغ الصبر ليفتح له محلاً متنقلاً على الرصيف لبيع العصائر والمشروبات والحلويات.

بدوره، يؤكد عبده الوصابي صاحب مطعم في شارع تعز، في حديثه لـ”الوحدة”،  أنه يفتح (بسطة) أمام مطعمه لبيع العصائر والحلويات حيث تلقى رواجاً كبيراً في رمضان، وبينما ينتشر بائعو العصائر بأوعيتهم التي تختلف بصنوفه المختلفة في كل شارع تقريبا.. يقف بجانبهم أيضا بائعو الحلويات والرواني والكنافة والقطايف والبسبوسة، والشعوبية والبقلاوة وغيرها من صنوف الحلوى في انتظار زبائنهم.

ويقول أحد بائعي السمبوسة والحلويات أنه لا يملك محلا ولكنه اعتاد الوقوف ببضاعته في ميدان التحرير منذ سنوات وخصوصا في شهر رمضان ويؤكد أن مكسبه من الحلويات يضاعف مرات ومرات خلال الشهر المبارك.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار