إيـران.. صبر استراتيجي مقترن بالقوة والثبات

الوحدة| وكالات:

في لحظة إقليمية ودولية مثقلة بالضغوط والعقوبات والابتزاز السياسي، تدخل طهران ساحة التفاوض من موقع الندّ لا التابع، ومن منطق الحقوق السيادية لا منطق الإملاءات.

ليست إيران من يطلب الاعتراف، بل من يفرضه؛ وليست من تبحث عن تسوية كيفما اتفق، بل عن اتفاق عادل يكرّس حقها المشروع في التكنولوجيا النووية السلمية.

ومن جنيف، تعود الدبلوماسية الإيرانية لتثبت أن الصبر الاستراتيجي، حين يقترن بالقوة والثبات، قادر على انتزاع المكاسب وكسر جدار الحصار.

في أجواء دبلوماسية مشحونة، أعلنت سلطنة عُمان عن جولة مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، تُعقد غد الخميس في جنيف، في محطة توصف بالمفصلية ضمن مسار تفاوضي طويل ومعقّد.

وأكد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، أن الجولة المرتقبة تأتي استكمالًا لجهود الوساطة التي تقودها مسقط، وتهدف إلى تحقيق تقدّم ملموس في الملفات النووية العالقة، وسط مؤشرات إيجابية تعكس جدّية المسار الحالي.

وتأتي جولة جنيف بعد سلسلة محادثات انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط في السادس من فبراير، ثم انتقلت إلى جنيف في جولة ثانية، ما يعكس انتقال التفاوض من مرحلة كسر الجمود إلى مرحلة الاشتباك السياسي والتقني المباشر حول جوهر الخلاف.

وتركّز المفاوضات على القضايا التقنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وفي مقدّمتها التخصيب وضمان الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وهي ملفات تؤكد طهران أنها تدخلها من منطلق حق سيادي غير قابل للمساومة، كفلته القوانين الدولية ومعاهدة حظر الانتشار النووي.

وفي هذا السياق، شدّد عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في مقابلة مع شبكة CBS، على أن طهران تعمل على إعداد عناصر اتفاق محتمل، مؤكدًا وجود إمكانات حقيقية لتسريع صياغة النصوص والتوصّل إلى اتفاق أكثر توازنًا وفاعلية من اتفاق عام 2015، الذي انسحبت منه واشنطن من طرف واحد. وأوضح أن المناقشات الحالية ترتكز على الاعتراف الصريح بحق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، مع بحث آليات شفافة للتعاون وتبادل المعلومات بما يُبقي الملف في إطاره التقني والقانوني ويبدّد الذرائع السياسية.

ويرى مراقبون أن اختيار جنيف ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية تعكس ثقة طهران بموقفها، ورغبتها في العمل ضمن إطار دولي واسع المصداقية، يضع واشنطن أمام اختبار الجدية والالتزام، لا أمام فرصة جديدة للمماطلة أو فرض الشروط.

كما تبرز سلطنة عُمان، بحسب خبراء دبلوماسيين، كوسيط نزيه وفاعل، وفّر منصة تفاوضية متوازنة تحترم حساسيات الأطراف وتمنح إيران مساحة لعرض رؤيتها بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والابتزاز السياسي.

وفي موازاة المسار التفاوضي، بعثت طهران برسالة ردع واضحة، محذّرة من أن أي هجوم أمريكي حتى لو وُصف بـ«المحدود»—سيُعدّ عدوانًا كامل الأركان.

وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إن «لا وجود لضربة محدودة»، وإن أي اعتداء سيُواجَه باعتباره عدوانًا صريحًا.

ويأتي هذا التحذير بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح فيها إلى دراسة توجيه ضربة لطهران في حال عدم التوصل إلى اتفاق، بالتزامن مع الاستعداد لعقد الجولة الثالثة من المباحثات في جنيف بوساطة عُمانية.

وهكذا، ومع اقتراب جولة جنيف، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت واشنطن مستعدة أخيرًا للتعامل مع إيران كقوة إقليمية ذات سيادة كاملة، أم أنها ستواصل سياسة الهروب إلى الأمام. لكن المؤكد، وفق مسار الأحداث، أن طهران دخلت هذه الجولة وهي تمسك بأوراقها بثبات، وتفاوض من موقع من يعرف ماذا يريد… ومتى يوقّع.

Comments are closed.

اهم الاخبار