د. ربيع شاكر المهدي: حكايتنا مع الاختلاف.. كيف نخسر أنفسنا حين نرفض الآخر؟
هل شعرت يوماً أن العالم يضيق بك رغم اتساعه؟ وهل أحسست بتلك الغصة التي تخنق صدرك حين تجد نفسك عاجزاً عن فهم من تحب أو حين ترى في الاختلاف عدواً يتربص بهويتك؟
العجز عن التعايش ليس مجرد مصطلح اجتماعي بل وجع إنساني صامت إنه تلك اللحظة التي تقرر فيها أن تغلق قلبك قبل عقلك فتلوذ بشرنقة من الأفكار التي تشبهك لتكتشف بعد حين أنك لا تعيش بسلام بل تقيم في سجن اختياري جدرانه من مرايا لا تعكس إلا وجهك أنت وأصعب أنواع العجز هو ذاك الذي يولد من تضخم الأنا حين نتوهم أننا نملك الحقيقة المطلقة ويتحول كل اختلاف إلى طعنة وكل رأي مغاير إلى هجوم شخصي.
في تلك اللحظة لا نعود نرى في الآخر إنساناً بل تهديداً ويسرق منا الخوف من المجهول أجمل ما فينا الفضول فبدلاً من أن نفتح نوافذنا لنرى ألواناً جديدة نغلق الستائر خوفاً من الضوء ونغرق في عتمة التشابه التي لا تورث إلا الملل والاكتئاب وهذا العجز ليس فكرياً فقط بل نزيف وجداني.
في داخلك تشعر بالاغتراب كأنك غريب حتى عن نفسك لأنك ترفض كل ما لا يشبهك وفي علاقاتك تذبل الصداقات وتموت البيوت لأننا نريد نسخاً منا لا شركاء لنا وفي مجتمعك يسود البرود والترقب ونعيش في حالة تأهب دائم للهجوم مما ينهك الأرواح ويسلبها سكينتها.
يبدأ هذا العجز من جذور نفسية عميقة فحين نعتقد أن رؤيتنا للعالم هي الحقيقة الوحيدة يتحول كل اختلاف إلى تهديد فننغلق دفاعاً عن أنفسنا ونفقد دون أن نشعر فرصة التعلم والنمو.
وللعجز عن التعايش مستويات متعددة:
على المستوى الذاتي يظهر كصراع داخلي واغتراب يقود إلى العزلة.
وعلى مستوى العلاقات يظهر كعجز عن استيعاب الشريك أو الصديق المختلف، فيؤدي إلى تفكك الروابط.
أما مجتمعياً فيتجلى في الاستقطاب ورفض التعددية مما يغذي النزاعات والتطرف.
والأخطر أن هذا الانغلاق لا يؤذي الآخرين فقط بل يرهق صاحبه؛
فغياب الاختلاف يعني غياب النقد وغياب النقد يعني توقف النمو والعيش الدائم في حالة ترقب واستنفار يستهلك الأعصاب ويستنزف العمر فكيف نكسر هذا الطوق؟
التعايش مهارة تُكتسب لا صفة نولد بها وهو يتطلب شجاعة لمواجهة انحيازاتنا وتنمية مرونة نفسية تسمح لنا بأن نرى في الاختلاف فرصة للفهم لا تهديداً للهوية.
فمحاولة فهم لماذا يفكر الآخر هكذا أهم من الانشغال بالحكم على خطئه.
والتعرض للأفكار والثقافات المختلفة يكسر الحواجز التي يبنيها الجهل.
في النهاية يظل العجز عن التعايش معركة صامتة يخسرها الإنسان ضد نفسه قبل أن يخسرها ضد العالم.
فكلما أوصدنا الأبواب في وجه الاختلاف ضاقت أرواحنا وأصبحنا سجناء في زنزانة الأنا المتضخمة.
العجز عن التعايش هو ضريبة قاسية ندفعها من أعصابنا ومن أعمارنا.
Comments are closed.