أنس القاضي: لا بديل عن الدولة المركزية الموحدة
هناك انحسار أمريكي من المنطقة نحو النصف الغربي من الكرة الأرضية والصين، وهو ما يُفجر منافسة اقليمية، وجغرافيا اليمن جزء من مناطق الاحتكاك والتنافس، لا اقصد بالانحسار الأمريكي مغادرة المنطقة، بل تخفيف الحضور الذي كان قائماً إبان الحرب الباردة والذي جاء بعد أحداث 11 سبتمبر.
تخفف أمريكا هذا الحضور المباشر مع بقاء المصالح والاعتماد على وكلاء اقليميين وفي مقدمة ذلك تقوية مركز اسرائيل ودمجها في المنطقة، على هذا الانحسار الأمريكي يتشكل معسكر “اسرائيلي إماراتي اثيوبي مغربي” واضح، ويتشكل حالياً اصطفاف مصري تركي سعودي، ونقطة التماس الرئيسية القرن الإفريقي واليمن وملفات كالسودان وليبيا وغيرها.
هذه المنافسات ليست قائمة على اساس أخلاقي في محاربة إسرائيل، بل على اساس جيوسياسي فإسرائيل تريد ان تكون هي المركز الأقوى في المنطقة لذا تفتت الدول وتريد دول المنطقة ضعيفة ملحقة بها، ولا تريد دولا كبيرة جغرافية واقتصاداً وكثافة سكانية كالسودان او مصر او حتى السعودية وكذلك اليمن الجزائر، إيران…الخ، ولا تريد ان تكون تركيا هي القوة الأولى رغم انهما في ذات المعسكر الغربي، وكذلك إيران ذاتها مهددة من الكيان والموقف السعودي التركي المصري الراهن ضد العدوان عليها.
هذا التحرك الاسرائيلي على وقع الانحسار الأمريكي يُثير مخاوف دول المنطقة فتتشكل اصطفافات جديدة، في ظل هذه الاصطفافات الجديدة فإن الحسابات القديمة التي اندلعت الحرب في اليمن في ظلها عام 2015م، هذه الحسابات والاصطفافات اختلفت اليوم جذرياً، لهذا اليمن بحاجة لتجاوز الانقسام إلى حكومتين في صنعاء وعدن، والسعودية ايضاً تحتاج ان تتجاوز مسالة “عودة الشرعية”، هذه الحرب بدأت في ظل خريطة جيوسياسية قديمة والاستمرار فيها يضر اليمن ذاتها ويضر دول المنطقة، فهل لدى السعودية ما يكفي من الاستقلالية والتركيز على أولوياتها وبالتالي تتجه إلى السلام والاعمار ودعم يمن موحد، أم الاستمرار في معركة الإسرائيلي الذي هو مهدد ومنافس لها، والاستمرار في معركة الأمريكي الذي هو في طور الانحسار أصلاً.
وكذلك النخب اليمنية هل هي مُستعدة لتجاوز الإنقسامات القائمة من العام 2011م والتي تعمقت في العام 2015م، ففي ظل اشتعال معركة جيوسياسية لابد من يمن موحد يلتقي مع أي طرف اقليمي انطلاقا من مصلحته الوطنية والمُشتركات مع الأخرين بوصفه فاعلاً مستقلا، إذا لم يحدث ذلك سوف تكون اليمن المجزئة جزءً من الجغرافيا التي تحتويها الدول الاقليمية دفاعا عن نفسها والتي تهيمن عليها لتقوية مركزها وحظوظها في أن تكون في الصدارة،
وكلما تجزأت اليمن وضعفت من الداخل كلما اختلت موازين علاقاتها مع دول الاقليم لتصبح في موقع التابع، لهذا فإن دولة يمنية موحدة مركزية هي التي سوف يكتب لها الحياة، وأي نوع من التقسيم لمعالجة قضايا محلية سيرهن الاجزاء اليمنية المتناثرة للدول الاقليمية لتخسر “اليمنات” كلها.
Comments are closed.