د. ربيع شاكر المهدي: الحرب الأمريكية–الإيرانية وتداعياتها الجيو-اقتصادية على العالم
لم تعد الحروب المعاصرة أحداثاً عسكرية محصورة في نطاقها الجغرافي أو الزمني بل تحولت إلى ظواهر بنيوية ذات آثار اقتصادية عابرة للحدود. ففي ظل العولمة الفائقة وتشابك سلاسل الإمداد والأسواق المالية بات لأي صراع بين قوى كبرى قدرة فورية على التأثير في معيشة الأفراد بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو موقف دولهم السياسي.
وفي هذا السياق يمثل احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران نموذجاً كاشفاً لطبيعة الحرب الاقتصادية الشاملة حيث لا يكون المواطن العالمي مجرد متفرج بل طرفاً متضرراً يتحمل كلفة الصراع عبر التضخم وتآكل المدخرات وانخفاض القوة الشرائية.
في الأدبيات الكلاسيكية تُقاس الحروب بعدد الضحايا ومساحات السيطرة أما في النظام الدولي الراهن فإن المؤشر الأكثر حساسية هو الأسواق فاندلاع صراع في منطقة حيوية للطاقة لا يُترجم فقط إلى تحركات عسكرية بل إلى اضطرابات فورية في أسعار السلع والعملات ورؤوس الأموال.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى الحرب المحتملة بين واشنطن وطهران ليس كنزاع إقليمي بل كهزة اقتصادية عالمية تمتد آثارها إلى ميزانيات الأسر وأسعار الغذاء واستقرار الأنظمة المالية.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط والغاز المسال عالمياً أي اضطراب في هذا الشريان لا يعني ارتفاعاً محدوداً في أسعار الطاقة بل صدمة نفطية واسعة النطاق.
ارتفاع أسعار النفط ينعكس بصورة متسلسلة على تكلفة الإنتاج والنقل ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية وفي مقدمتها الغذاء. وبهذا المعنى يصبح التضخم الناتج عن الحرب تضخماً مستورداً يدفع ثمنه المواطن في دول لا علاقة مباشرة لها بالصراع.
تُظهر التجارب التاريخية أن الأسواق المالية شديدة الحساسية لعدم اليقين الجيوسياسي ففي لحظات التوتر العسكري تتجه رؤوس الأموال نحو ما يُعرف بالملاذات الآمنة مثل الذهب والعملات الرئيسية ما يؤدي إلى تراجع قيمة العملات المحلية في العديد من الدول خاصة النامية منها.
بالنسبة للمواطن يترجم هذا التحول إلى انخفاض فعلي في القوة الشرائية حيث تتآكل المدخرات وترتفع كلفة المعيشة بوتيرة تفوق نمو الدخل ما يجعل الاستقرار المالي الفردي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الحرب والتضخم كأداة لإعادة هيكلة النظام المالي
تطرح بعض التحليلات النقدية فرضية مفادها أن الحروب الكبرى تؤدي وظيفة غير معلنة في النظام المالي العالمي تتمثل في تسهيل معالجة مستويات الدين السيادي المرتفعة.
ففي ظل التضخم الجامح تتراجع القيمة الحقيقية للديون الحكومية بينما تتحمل المجتمعات كلفة هذا التراجع عبر انخفاض قيمة مدخراتها.
في هذا الإطار لا يُنظر إلى التضخم بوصفه نتيجة عرضية للحرب فقط بل كآلية لإعادة توزيع الخسائر على حساب الطبقة الوسطى وتحويل الموارد من القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم نحو الإنفاق العسكري والأمني.
تشير مؤشرات عدة إلى أن الصراعات الكبرى غالباً ما تترافق مع سياسات تخزين سيادي للسلع الأساسية ما يؤدي إلى ندرة مصطنعة في الأسواق العالمية ومع تصاعد التوترات قد لا يواجه المواطن الغلاء فقط بل صعوبة الوصول إلى السلع ذاتها وفي هذه الحالة يصبح الأمن الغذائي أداة ضغط استراتيجية ويتحول الجوع من نتيجة غير مقصودة إلى عنصر ضمن معادلة الصراع.
يُظهر تحليل الأبعاد الجيو-اقتصادية للصراع الإيراني الأمريكي المحتمل أن الحرب في النظام الدولي المعاصر لم تعد شأناً عسكرياً بحتاً بل عملية شاملة تُعاد من خلالها صياغة توزيع الأعباء الاقتصادية عالمياً.
إن جيب المواطن بات اليوم إحدى ساحات الصراع الرئيسية حيث تُحسم نتائج الحروب الكبرى عبر التضخم وتقلبات العملات وتآكل القوة الشرائية ومن ثم فإن السعي نحو تجنب التصعيد العسكري لا يمثل خياراً أخلاقياً أو سياسياً فقط بل ضرورة اقتصادية ملحة لحماية الاستقرار الاجتماعي العالمي.
في نهاية المطاف يجب أن ندرك حقيقة أن الحرب الأمريكية الإيرانية إن وقعت لن تُقاس بالمسافات التي تقطعها الصواريخ بل بالسرعة التي ستفرغ بها جيوب الشعوب إننا أمام نموذج جديد من الصراعات حيث السيادة المالية للفرد هي الضحية الأولى وحيث تتحول المدخرات إلى وقود لنار لا تُبقي ولا تذر فقد ولى زمن الحروب المعزولة لأننا اليوم أمام جيو اقتصاد متوحش لا يفرق بين مؤيد ومعارض بل يطحن الجميع تحت تروس التضخم والرقمنة القسرية وإعادة هندسة الثروة العالمية.
إن فهمنا لهذه الأسرار وما يدور خلف الكواليس هو خط الدفاع الأول عن بقائنا المعيشي فإذا كانت المدافع ستصمت يوماً فإن فاتورة الحرب ستبقى معلقة في رقاب الأجيال تُجبى من عرقهم وقوتهم يومياً فالسلام اليوم لم يعد مطلباً إنسانياً فحسب بل هو ضرورة وجودية لحماية ما تبقى في جيب هذا العالم المنهك.
Comments are closed.