في سوق الملح بصنعاء القديمة.. حين عاد المعروف إلى صاحبه
علي السنيدار
في صباحِ يومٍ باردٍ من شتاء صنعاء كانت الأزقة الضيقة في صنعاء القديمة تضجّ بأصوات الباعة وتمتزج رائحة القهوة المطحونة بدخان الحطب المتصاعد من الدكاكين العتيقة.
هناك قرب دكانٍ متهالكٍ أكل عليه الدهر جلس رجلٌ مسنٌّ يبيع خردواتٍ صدئة وأدواتٍ مستعملة يلفّ كتفيه بشالٍ باهتٍ نال منه الزمن.
قبل ثلاثين عامًا اي في عام 1995م في الحيّ ذاته كان سعيد… طفلًا يتيمًا. فقد والده في سنٍّ مبكرة بسبب مرض الكوليرا وعاش مع أمه المسنّة في غرفةٍ طينية لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف. كانت أمه بالكاد تستطيع إعداد الخبز لتؤمّن لقمة العيش لهما من الطحين الذي كان سعيد يجلبه بالكيلو.
كان سعيد يدرس نهارًا ويعمل مساءً في حمل أغراض المتسوّقين داخل سوق الملح التجاري بصنعاء القديمة إلى مواقف السيارات وفرزات الباصات. كان سعيد يحلم بكتابٍ جديد وحذاءٍ غير ممزّق وكان يخشى نزول المطر لأن حذاءه كان يتآكل مع كل خطوة.
في تلك الأيام كان الحاج عبد الرحمن من تجّار السوق المعروفين. لم يكن صوته عاليًا، ولم يرزقه الله بالأولاد، لذلك كان يمرّ على الصغار يسأل عن أحوالهم ويعطي بصمت وكان يساعد المحتاجين دون أن يطلب ثناءً من أحد.
وفي إحدى الأمسيات الماطرة التي لم يحضر متسوقين ولم يستطيع سعيد ان يحصل على مصاريف يومه لاحظ التاجر عبد الرحمن أن سعيدًا يتردد عند باب دكانه سأله عن اسمه وعن والده وعن حاله. وحين علم أنه يتيم رقّ قلبه فمدّ له كيس دقيق وبعض الاحتياجات وقال بهدوءٍ أبويٍّ لا يُنسى:
«اهتم بدراستك… والرزق على الله.»
لم تكن تلك المرة الوحيدة ولا الأخيرة. فقد تكفّل الحاج عبدالرحمن برسوم دراسة سعيد ووفّر له الكتب والدفاتر وعلّمه كيف يثق بنفسه وكيف يقف بشجاعة في مواجهة الحياة دون أب. وأوصاه ألّا يخبر أحدًا بمساعدته سوى والدته المسنّة ولم ينتظر منهم شكرًا.
تمضي السنوات… يكبر سعيد ويشدّ الرحال إلى مدينة تعز مع أحد أصدقائه من أبناء المدينة حيث أكمل دراسته الجامعية إلى جانب عمله في أحد متاجر المدينة. ثم بعد زمن عاد إلى صنعاء تاجرًا صغيرًا. يتعلّم السوق بالصبر يخسر مرة ويكسب أخرى حتى صار له اسمٌ يُذكر باحترام.
وأصبح سعيد الوصابي … تاجرًا معروفًا حكيم المعاملة نظيف السيرة لديه تجارة متنوعة.
مع مرور السنوات كان ناسيًا للتاجر عبدالرحمن تمامًا.
أمّا الحاج التاجر عبد الرحمن فقد كبر سنّه وتقلبت ظروفه والسوق لم يرحمه. فقد تقلبت الأحوال وأثقلت الحرب كاهل الجميع. ضعف الطلب على بضاعة الحاج عبدالرحمن ولم يُرزق بأولاد ثم توفيت زوجته، فتكسّرت روحه قبل تجارته. خسر كل ما يملك وتفرّق عنه من كانوا يحيطون به. صار يجلس في زاويةٍ من سوق الملح يبيع على عربةٍ صغيرة بعض الخردة لا يسأله أحد كيف أصبحت يا حاج؟
في صباح ذلك اليوم الشتوي البارد مرّ سعيد في سوق الملح ليذكّر الزمن الذي مرّ عليه حين كان هناك محاطًا بمجموعة من عمّاله وسائقه. وتوقّف فجأة… شدّه صوتٌ مألوفٌ من ذاكرته أكثر مما شدّه وجهٌ غيّره الزمن.
اقترب خطوة ثم أخرى حتى وقف أمام الرجل المسنّ.
قال بصوتٍ خافت — الحاج عبدالرحمن؟
رفع الرجل رأسه ببطء وحدّق طويلًا ثم قال
— نعم… أنا الحاج عبدالرحمن. من أنت يا بني؟ وهل تعرفني؟
انحنى سعيد وأمسك يد الرجل بكلتا يديه وقال بصوتٍ متهدّج
— أنا سعيد… الطفل الذي قلتَ له يومًا اهتم بدراستك… والرزق على الله.
ساد صمتٌ ثقيل. ارتجفت يد الحاج عبد الرحمن واغرورقت عيناه بالدمع حاول أن يسحب يده لكن سعيد شدّها برفق وكأنه يعيد إليها دفء ثلاثين عامًا.
أمر عمّاله أن يغطّوا العربة الصغيرة وأخذ بيد الحاج عبدالرحمن وتجولا في سوق الملح واشتري بعض الأغراض من البنّ والزبيب واللوز وأخذ الرجل إلى سيارته ثم إلى بيته القريب من باب اليمن – في شارع تعز لتناول طعام الغداء وتبادل أطراف الحديث والعودة إلى الذكريات.
وفي اليوم التالي عاد الحاج عبدالرحمن إلى السوق…
لكن لا ليبيع.
عاد مرفوع الرأس مسرورًا مبتهجًا. وكأن الله قد رزقه ولدًا يقوم على رعايته والاهتمام به آخر عمره. وقد تكفّل سعيد بعلاجه ومعيشته وخصّص له راتبًا كريمًا دون إعلان او ضجيج امام الآخرين. وقد حاول الحاج عبدالرحمن الاعتذار حرجًا لأنه اعتاد أن يعطي لا أن يأخذ فقال له سعيد بكل هدوء
«اعتبرني ولدك… وهذا مسكنك قرب الجامع.»
ثم أضاف سعيد بابتسامة جعلت الحاج يبتسم ثم قال للحاج عبدالرحمن
«خليك في المسجد… والرزق على الرزّاق.»
خلاصة القصة
الجميل لا يُردّ بالكلام… يُردّ بالفعل.
الخاتمة
الصورة حقيقية بعد أخذ موافقة الحاج عبد الرحمن لإيصال رسالة للآخرين لتكن ملهمة لهم كما قال وأضاف قول التالي
كما في أسواقنا يحدث في حياتنا تتبدّل الأدوار ويبقى المعروف دينًا لا يسقط بالتقادم. من أحسن يومآ سيجد إحسانه واقفاً على بابه …
Comments are closed.