الشهيد الرئيس صالح الصماد.. من موقع المسؤولية إلى مقام الشهادة
صنعاء -سبأ: تقرير : جميل القشم
في ظروف بالغة التعقيد، ومع عدوان جعل سماء اليمن ساحة مفتوحة للغارات، تولى الشهيد الرئيس صالح علي الصماد ادارة شؤون الدولة وهو يرى المعركة على حقيقتها؛ معركة صمود يحرس القرار، وكرامة تحفظ الهوية، وموقف يواجه التحديات ويصون الثوابت والسيادة.
كان اليمن يومها في اختبار وجودي حاسم، وكانت القيادة في هذه اللحظة المفصلية مطالبة بأن تمسك زمام المرحلة كاملة، وان تجمع الداخل على كلمة واحدة، وأن تحول الصمود إلى عمل يومي يوازي حجم التحديات ويتجاوز القيود والضغوط.
وفي تلك اللحظة تجلى الصماد عنوانا لرجل المرحلة والمسؤولية، ومرجعية للموقف، وقائدا يستلهم الوعي والبصيرة، ويستند الى ارادة شعب قرر الثبات، ويقود الدولة بثقة متماسكة، وبعزم لا يلين، يصنع من الشدة قوة ومن التحدي دافعا.
دخل الصماد ساحة المسؤولية واليمن محاصر في غذائه ودوائه واقتصاده، ومستهدف في بنيته التحتية ومساكن شعبه ومؤسساته وقياداته، فيما كانت قوى العدوان تراهن على انهاك الداخل وكسر الارادة وافراغ الدولة من معناها ودورها.
قاد الشهيد الرئيس المرحلة وهو يعمل تحت النار ويتحرك في قلب العاصفة، حاملا مشروعا وطنيا يواجه العدوان بترسيخ قيم الصمود، ويبني الدولة بما هو متاح، فتجلت الامانة في حضوره اليومي، وفي متابعته المتواصلة، وفي صلابة موقفه، حتى ارتقى شهيدا في مقام العظماء وهو في قلب الميدان.
حضور ميداني :
ارتبط اسم الشهيد الصماد بحضور ميداني يلامس جوهر المعركة، حيث جعل من متابعة الجبهات جزءا من إدارة الدولة، ومن رفع المعنويات ركنا من أركان الصمود، ومن التواصل مع المرابطين والجلوس معهم رسالة عملية بأن القيادة تسير في قلب الطريق ذاته الذي يسير فيه رجال الله في الميدان.
عكست جهوده في الظروف الاستثنائية روح القائد الذي يدير المعركة بعين على الميدان وأخرى على استقرار الداخل، فيوازن بين مقتضيات المواجهة وضرورات الحياة، ويحول الإحساس بالخطر إلى طاقة تنظيم وعمل، ويستثمر الزمن لصالح مواجهة العدو وتفويت الفرص على مخططات ضرب اليمن من الداخل.
ومن خلال هذا النهج، برزت صورة قائد استثنائي يصنع من المستحيل معجزات بما يرسخ مكانة الدولة ويعزز قدرتها على الاستمرار، فكان القرار في عهده متماسكا في اتجاهه، محسوبا في توقيته، عميقا في دلالاته، ويستند إلى وعي بأن صلابة الموقف تفتح أبواب الصمود وتغلق منافذ الابتزاز.
الوعي القرآني :
شكل الوعي القرآني أحد أبرز ملامح شخصية الشهيد الصماد، حيث انطلق في رؤيته السياسية من فهم إيماني عميق يقوم على التمييز الواضح بين مساري الحق والباطل، وعلى إدراك أن الإنسان يتحرك في مواقفه وقراراته ضمن منظومة قيم تحكم سلوكه وتحدد اتجاهه في الحياة وفي ميدان المسؤولية.
وانعكس هذا الوعي القرآني بوضوح في خطاب الشهيد الصماد، وفي أسلوبه في إدارة شؤون الدولة، وفي تحمله لأعباء المرحلة بروح إيمانية حاضرة، جعلت من القيم القرآنية مرجعا عمليا في التعامل مع التحديات، وفي اتخاذ القرار، وفي الثبات على الموقف.
وقد أشار السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي إلى هذا البعد في شخصية الصماد، معتبراً إيمانه ووعيه القرآني وروحه الجهادية من أبرز سمات تجربته القيادية ومصادر حضوره وتأثيره.
وحدة الداخل :
أولى الشهيد الصماد اهتماما كبيرا بوحدة الجبهة الداخلية، فعمل على تعزيز الاصطفاف الوطني، وترسيخ مناخ الشراكة مع كل المكونات الوطنية، ورفع منسوب الثقة داخل المجتمع، انطلاقا من إدراكه أن تماسك الداخل يمثل خط الدفاع الأوسع عن القرار الوطني.
وقدم في هذا المسار نموذجا في إدارة التباينات بروح وطنية، تركز على القواسم المشتركة، وتمنح الأولوية لمعركة السيادة والتصدي للعدو، وتضع مسؤولية المرحلة فوق كل اعتبار، فتجسدت في نهجه لغة تجمع وتبني وتشد من أزر المجتمع.
وكانت وحدة الداخل في رؤيته رافعة للصمود ومفتاحا للاستقرار، فارتبطت بمسارات التعبئة العامة، ودعم الجبهات، وحماية النسيج الاجتماعي، وتحويل التحديات إلى مساحة تلاحم تتجدد فيها روح التضحية والوعي.
يد تحمي :
شهدت المؤسسة العسكرية في عهد الشهيد الرئيس صالح الصماد نقلة نوعية، تمثلت في تطوير القدرات الدفاعية، والتوجه المنظم نحو التصنيع الحربي، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمنظومات الباليستية المتنوعة، وهو ما أسهم في إحداث تحول واضح في معادلات معركة المواجهة مع تحالف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن.
وجاء هذا التحول ثمرة رؤية ثاقبة واعية، ترى في امتلاك القوة الذاتية ضرورة لحماية البلاد والقرار الوطني وصون الكرامة، وتجعل من الدفاع عن الوطن مسؤولية جامعة ترتبط بالسيادة والاستقلال وتحصين الداخل.
وشكلت هذه النقلة إحدى أبرز بصمات الشهيد الصماد في معركة التصدي للغزاة المعتدين، حيث رسخت معادلة الردع، وأسهمت في تعزيز ثقة الشعب بقدرته على الصمود، وصناعة التوازن، وحماية مكتسباته الوطنية.
يد تبني :
بالتوازي مع مسار الحماية، أطلق الشهيد الصماد مشروع ” يد تحمي.. ويد تبني” باعتباره رؤية متكاملة لبناء الدولة في قلب تداعيات وتحديات العدوان والحصار، تجمع بين الثبات والبناء، وتربط الدفاع بالتنمية ضمن مسار وطني واحد.
ركز المشروع على تعزيز الاعتماد على الذات، وتطوير أداء المؤسسات، وترسيخ الشراكة الوطنية في إدارة شؤون الدولة، بما يجعل الجبهة التنموية رافداً مكملاً للجبهة العسكرية في معركة الصمود.
وجسد هذا المشروع رسالة واضحة بأن اليمن، رغم ظروف العدوان والحصار، ماض في طريق البناء، وأن الصمود الحقيقي يتجسد في العمل والإنتاج بقدر ما يتجسد في الميدان، وفي تثبيت معادلة الدولة الحاضرة والفاعلة مهما كانت التحديات.
مقام الشهادة :
لقد مضى الصماد من موقع المسؤولية إلى مقام الشهادة، تاركاً إرثاً من المواقف والمبادئ، ومؤكداً أن اليمن يمضي نحو المجد حين يقوده رجال أوفياء، يصنعون من التحديات قوة، ومن التضحيات طريقاً للعزة والسيادة.
وفي ذكرى استشهاده، تتجدد معاني الوفاء لهذا القائد الذي حمل همّ الوطن في أصعب الظروف، وجعل من الصمود نهجاً ومن البناء مساراً، فحضر في الميدان كما حضر في إدارة الدولة، وترك في الوجدان الوطني سيرة قائد يرتقي بالموقف إلى مستوى الرسالة.
وتبقى ذكراه محطة استلهام تعزز الثبات وتعمق الشعور بالمسؤولية، وتؤكد أن دماء الشهداء تصنع للأوطان بوصلة الطريق، وأن مشروع ” يد تحمي.. ويد تبني ” يظل عنوان مرحلة وإرادة شعب، تمضي بثقة نحو مستقبل يصونه القرار الحر وتبنيه السواعد المؤمنة والقادة العظماء.
Comments are closed.