سامي عطا: الهندسة العسكرية للهيمنة، لماذا لن تسمح موسكو وبكين بسقوط طهران؟
في خضم الضجيج الساخر على منصات التواصل الاجتماعي، الذي يستهجن ويشكك في واقعية تحالف الصين وروسيا مع إيران، يغيب عن الكثيرين التحليل العميق لحسابات القوى العظمى. هذا الموقف ليس مجرد دعم عابراً، بل هو حتمية استراتيجية تنبع من فهم عميق لميكانيزمات الصراع الدولي ومبدأ ” الدومينو الجيوسياسي “. فسقوط النظام الإيراني الحالي، واستبداله بنظام موالٍ للغرب، ليس مجرد تغيير في الداخل الإيراني، بل هو إعادة رسم جذرية لخريطة القوى الإقليمية والعالمية لصالح واشنطن، مما يضع موسكو وبكين أمام تحد وجودي.
أولاً / نظرية الدومينو الجيوسياسي، من طهران إلى حدود سيبيريا.
تدرك القيادتان الروسية والصينية أن السياسة الأمريكية لن تتوقف عند حدود دولة واحدة. كما قال الدبلوماسي والاستراتيجي الأمريكي الشهير جورج كينان في سياق مختلف، ” القوة السوفيتية لا تستجيب إلا للقوة “. اليوم، إذا استبدلنا ” موسكو وبكين ” بدلا عن ” سوفيتية ” في مقابل ” أمريكية ” في هذه المعادلة. فالاستراتيجية الغربية، وفق رؤيتهما، تسعى لاحتوائهما وتطويقهما عبر حلقات متتالية. سقوط إيران، الحلقة الأقوى في محور المقاومة وأحد أبرز حصون السيادة المعادية للهيمنة الغربية، سيفتح الباب أمام تسونامي من الضغوط. ستتحول إيران من حاجز إلى منصة متقدمة، كما حدث مع دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. المؤرخ العسكري إدوارد لوتواك يؤكد أن ” الاستراتيجية هي فن استخدام الزمن والمكان لصالحك “، والمكان الإيراني هو جوهر الصراع.
ثانياً / التكلفة الاستراتيجية، انحسار فضاء الأمن القومي.
إيران ليست مجرد جار؛ إنها بُعد حيوي في الفضاء الأمني القومي لكل من روسيا والصين. فمن الناحية الروسية، تمثل إيران عمقاً جنوبياً يحمي البوابة القوقازية ويسيطر على الحوض الشمالي للخليج العربي، مما يحافظ على توازن القوى ضد تمدد الناتو. هنري كيسنجر كتب: ” القوة هي المنشط الأعظم للدبلوماسية “. ففقدان إيران يعني انحساراً مباشراً لنفوذ روسيا وتراجعاً لردعها.
أما للصين، فإيران هي محور رئيسي في مبادرة ” الحزام والطريق ” ومزود طاقي واستراتيجي، وحارس للعبور من مضيق هرمز. سقوط نظام طهران الموالي لأمريكا يعني خنقاً محتملاً لأهم شريان تجاري وطاقي للصين، وتطويقاً كاملاً لها من الشرق ( الحلفاء التقليديون لواشنطن ) والغرب ( من خلال إيران الجديدة ). المفكر الاستراتيجي الأمريكي زبيغنيو بريجينسكي حذر في كتابه ” رقعة الشطرنج الكبرى ” من أن السيطرة على ” قلب أوراسيا ” هي مفتاح الهيمنة العالمية. وإيران هي جزء حيوي من هذا القلب.
ثالثاً / منطق التحالف المضاد للهيمنة، إيران كـ” خط دفاع متقدم “.
في عالم متعدد الأقطاب يتشكل بصعوبة، يدفع منطق ” العدو المشترك ” و” توازن القوى ” روسيا والصين إلى تبني استراتيجية الدفاع عن التعددية القطبية بكل ثمن. الدعم لإيران يأتي بكل الوسائل، بدءاً بالدبلوماسية في الأمم المتحدة، ومروراً بالعسكرية عبر المناورات والمبيعات، وإنتهاءاً بالاقتصادية عبر استثناءات وعقود طويلة الأمد. إنها ليست علاقة حب، بل زواج مصلحة.
وكما قال ريشارد نيكسون، ” الحقيقة الأكثر أهمية في السياسة العالمية هي تقسيم العالم بين القوى الثائرة والقوى الراضية “. تضع موسكو وبكين وطهران أنفسهم في معسكر ” الثائرين ” على النظام المهيمن، رغم اختلاف أيديولوجياتهم.
الخلاصة، السخرية من واقع الاستراتيجيا.
التهكم من هذا الدعم يغفل حقيقة أن التاريخ الجيوسياسي لا يحكمه العاطفة أو التوافق الأخلاقي، بل قانون البقاء والمصلحة الوطنية العليا. ما يراه البعض مستحيلاً أو هزلياً، هو في واقع الأمر إحدى أقدم قواعد اللعبة الدولية، ” عدو عدوي صديقي “. سقوط طهران ليس خسارة لإيران فقط، بل هو بداية لانهيار المشروع الاستراتيجي لموسكو وبكين في بناء عالم لا تهيمن عليه قوة واحدة. لذلك، فإن دعمها ليس خياراً بين عدة خيارات، بل هو ضرورة استراتيجية لحفظ التوازن ومنع انفراد طرف واحد بمصير العالم. السخرية هنا هي من فشل في إدراك أن العالم لا يدور حول الأيديولوجيات وحدها، بل حول الموقع الجغرافي والإرادة والقدرة على الدفاع عن منطقة النفوذ.
Comments are closed.