غــــــــــــزة تحــت المقصلة
في غزة، لا تُقاس الكارثة بعدد الأيام بل بعدد الضربات، ولا تُروى الحكاية بالماء بل بالدم. بينما يزداد هدير المدافع وتغرق الخيام في الوحل، يخرج تقرير أممي ليكشف ما تحاول آلة الحرب إخفاءه: تسارع غير مسبوق في العمليات العسكرية، خنق ممنهج للخدمات الأساسية، وتوسّع رقعة الموت من غزة إلى الضفة. إنه مشهد إبادة بطيئة، تُدار ببرود، وتُنفَّذ على مرأى العالم.
أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بتسجيل تصعيد لافت في وتيرة النشاط العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة في وقتٍ تلقت فيه إشعارات رسمية بقطع الكهرباء والمياه عن مرافقها في القدس الشرقية المحتلة. وجاء ذلك ضمن تقرير أممي يرصد مستجدات الأزمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال الفترة من 7 إلى 18يناير.
وبحسب التقرير، تركزت العمليات العسكرية في المناطق المحاذية لما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، وهو خط غير محدد ميدانيًا، لكن نتائجه واضحة: منع شبه كامل للوصول إلى المرافق الإنسانية والبنية التحتية العامة والأراضي الزراعية. وأكدت الأونروا تضرر عدة منشآت تابعة لها جراء العمليات الإسرائيلية في خان يونس ومدينة غزة.
ومع مطلع يناير، أنهت فرق الوكالة أعمال ترميم منشأة مياه رئيسية في جباليا، ما وسّع نطاق توفير المياه النظيفة شمال القطاع، غير أن فيضانات أواخر ديسمبر وبداية يناير عرّضت آلاف العائلات لدرجات حرارة قاسية ومياه ملوثة. ورغم ذلك، لا تزال مستلزمات الإيواء شحيحة إلى حدّ خطير، إذ يقدَّر عدد المحتاجين لمساعدات إيواء عاجلة بنحو مليون شخص.
وفي الضفة الغربية، سجّل التقرير اقتحام القوات الإسرائيلية مركز القدس الصحي التابع للأونروا وإغلاقه لمدة 30 يومًا، بالتزامن مع إشعارات بقطع الكهرباء والمياه عن مرافق الوكالة في القدس الشرقية، استنادًا إلى تعديلات تشريعية أقرها الكنيست تستهدف عمل الأونروا.
وعلى صعيد الخسائر البشرية، وثّقت الأونروا استشهاد 382 من العاملين والداعمين لها منذ بدء الحرب على غزة، بينهم 309 من موظفيها. كما أفادت بيانات أممية باستشهاد 1059 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، بينهم 228 طفلًا. وفي غزة، تجاوز عدد الشهداء 71 ألفًا، والجرحى 171 ألفًا، مع دمار طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، وتقديرات أممية تشير إلى كلفة إعادة إعمار تقارب 70 مليار دولار.
الصحة والتهجير القسري
أما القطاع الصحي، فلا يعمل فيه سوى نصف المستشفيات وبأقل من نصف طاقتها، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، وانتشار واسع لأمراض الإسهال المائي الحاد والتهابات الجهاز التنفسي. وفي التعليم، دفعت الأضرار الجسيمة بالمدارس إلى الاعتماد على مساحات تعلم مؤقتة، حيث لا تصل الخدمات التعليمية سوى إلى نحو 34% من الأطفال في سن الدراسة.
ويواصل النزوح إعادة رسم خريطة الحياة في غزة، إذ يعيش عشرات الآلاف في ملاجئ طارئة، بينما تقع عشرات مرافق الأونروا داخل مناطق عسكرية مغلقة لا يُسمح بالوصول إليها إلا بتنسيق إسرائيلي. وفي الضفة، تصاعد عنف المستوطنين والتهجير القسري، مع إخلاءات وهدم منازل ومخيمات باتت خالية تمامًا من سكانها.
ورغم استمرار نحو 11,500 موظف فلسطيني في الأونروا بتقديم الخدمات، تؤكد الوكالة أن جميع موظفيها الدوليين مُنعوا من دخول الأراضي الفلسطينية منذ مطلع 2025، وأن السلطات الإسرائيلية تواصل عرقلة إدخال المساعدات إلى غزة، رغم توفر إمدادات جاهزة تكفي مئات الآلاف.
إنه تقرير لا يكتفي برصد الأرقام، بل يكشف ملامح سياسة متكاملة: تصعيد عسكري، خنق إنساني، وتجفيف ممنهج لمصادر الحياة، في حربٍ لا تستهدف الأرض وحدها، بل الإنسان نفسه
Comments are closed.