بريطانيا تدشن مخططاً استعمارياً جديداً لليمن

نجيب علي العصار

جاء الاستقلال المجيد في 30 نوفمبر 1967م، تتويجاً لمسار نضالي وطني طويل وشاق خاضه أبناء الشعب اليمني ضد المستعمر البريطاني، لم يخضع شعبنا ولم يستكن في أيّ وقت من الأوقات، بل قاوم ببسالة الاحتلال البريطاني منذ أول وهلة.

بالأمس، احتلت بريطانيا عدن رسميا في 19 يناير 1839، عندما رست مفرزة من مشاة البحرية الملكية البريطانية على سواحل عدن وفرضت السيطرة. هذا الاحتلال جاء جزئيًا بدعوى حماية الممرات البحرية لمصالح بريطانيا، خاصة بعد حادثة جنوح السفينة “داريا دولت” بالقرب من الساحل. ومع ذلك، رحل البريطاني، ورحل ظلمه وجبروته. تنكست الأعلام المعادية، وارتفعت رايات الثورة والحرية.

واليوم، وفيما الذكرى الـ 58 للاستقلال الوطني لجلاء آخر جندي بريطاني من عدن تقترب، عقب احتلال دام لأكثر من قرن وربع، عادت لندن لتُعزز وجودها في المشهد جنوب اليمن، عبر زيارة هي الأولى من نوعها منذ سبع سنوات، شملت لقاءات مع مسؤولين موالين لتحالف العدوان على اليمن.

توجه استعماري

ولقراءة الأجندة “الاستعمارية الجديدة” التي تقف وراء الزيارة البريطانية إلى عدن، لأرفع مسؤول بريطاني هو وزير الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، “هيمش فولكنر”، منذ زيارة وزير الخارجية الأسبق جيريمي هنت في عام 2019.

يرى الكاتب والباحث أنس القاضي، أن هذه الزيارة تمثّل تحولاً نوعياً في تموضع القوى الإمبريالية داخل الساحة اليمنية، مشيراً إلى أنها تأتي في إطار مسار صعود واضح للدور البريطاني في الملف اليمني، دور بات منذ سبتمبر وحتى نوفمبر يقترب في شدته وفاعليته من الدور الأميركي التقليدي.

وبحسب القاضي، فإن الوزير البريطاني أكد للعليمي خلال لقائه به:” استمرار دعم بلاده للمرتزقة”، فيما قدم العليمي “إشادة كاملة بالأنشطة البريطانية”.

القاضي: تحول نوعي للدور البريطاني في الملف اليمني

ويوضح القاضي أن هذه الأنشطة تمثل “جوهر التوجه الاستعماري الجديد القائم على ضبط الاقتصاد، والتحكم بالأمن البحري، وإعادة صياغة أدوات التبعية”، مشيراً إلى أنها تشمل “الدعم المالي لخطة الاستجابة الإنسانية بوصفه أداة لشراء النفوذ وإدارة مسار “الاقتصاد الإغاثي” و”برامج تأهيل خفر سواحل المرتزقة التي تمثل المنفذ البريطاني للسيطرة على البحر الأحمر”.

ويلفت الباحث إلى أن “العليمي طلب من بريطانيا تزكية المرتزقة لدى البنك الدولي وصندوق النقد، في خطوة تعيد دمج اقتصاد المرتزقة في دائرة القروض والارتهان المالي”.

إعادة انتاج الهيمنة

ويحلل القاضي هذا الدور البريطاني بأنه “ليس تحركاً منفصلاً، بل في إطار عملية تقاسم أدوار ممنهجة بين لندن وواشنطن”، موضحاً أن بريطانيا تمسك بملف قرارات مجلس الأمن، وإدارة الأمن البحري في البحر الأحمر، والإشراف على مشاريع خفر السواحل”، بينما تتولى الولايات المتحدة إدارة العقوبات، الضغط المالي، وتنسيق البنية العسكرية.

ويشير إلى أن تولي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط لهذا الملف، وهو المنصب الذي ورث عملياً وظائف “وزارة المستعمرات” القديمة، يلفت إلى أن لندن تحاول تعويض تراجع نفوذها الدولي عبر الاستثمار في ملفات تعتبرها قابلة للإدارة والسيطرة”.

وخلص إلى القول إن “تصاعد الدور البريطاني ليس مجرد سياسة خارجية، بل تجسيد لمنطق البنية الإمبريالية العالمية في إعادة إنتاج الهيمنة، مؤكداً أن هذه التحركات تأتي في لحظة تشتد فيها حاجة الغرب إلى إعادة السيطرة على البحر الأحمر وممرات التجارة.

أهداف خفية

وفي تفاصيل الزيارة، التقى وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، “هيمش فولكنر”، في عدن بالعليمي الموالي للتحالف، حيث أكد دعم بلاده لما يُعرف بـ “قوات خفر السواحل التابعة لحكومة المرتزقة” بهدف حماية المصالح البريطانية والغربية، بعد أن فرضت صنعاء واقعاً جديداً خلال معركتها الإسنادية لغزة.

وكانت بريطانيا قد دعمت في مؤتمر “الأمن البحري الذي انعقد في سبتمبر 2025م، بمبلغ 4 ملايين دولار إضافية لخفر سواحل مرتزقة العدوان ،وشمل ذلك قوارب جديدة ومجددة.

في المقابل، يرى مراقبون “أن التحركات البريطانية المُكثفة ليست معزولة عن السياق الإقليمي والدولي، بل جاءت الزيارة بعد أيام فقط من فشل مشروع قرار بريطاني في مجلس الأمن يستهدف مضاعفة الحصار على صنعاء، في خطوة اعتبرها المراقبون أنها تأتي رداً على موقف صنعاء المساند لغزة وحصارها للملاحة الإسرائيلية في البحرين الأحمر والعربي، خصوصاً بعد أن فشلت لندن في كسر الحصار للقوات المسلحة اليمنية في صنعاء بالتدخل العسكري المباشر.

علاوةً على ذلك، يرى مراقبون أن “مؤتمر الأمن البحري” بشكل أو بآخر هو أحد التدابير التي تسعى إليها بريطانيا والحلفاء، ومن ضمنهم حلفاء الداخل ومن ورائهم الكيان الصهيوني، لمواجهة الحظر البحري الذي تنفذه القوات المسلحة اليمنية في صنعاء، بعد أن أخفقت العمليات البحرية العنيفة التي انخرطت فيها أيضاً بريطانيا”.

تحركات عدوانية

وفي ذات السياق، يؤكد الكاتب والباحث عبد الرحمن الأهنومي، أن التحركات البريطانية العدوانية تجاه اليمن بلغت مرحلة الوقاحة المعلنة التي عبرت عنها جولة وزير الدولة البريطاني في عدن، والتي أتت بعدما نجحت بريطانيا في تمرير مشروع قرارها العدواني عبر مجلس الأمن الدولي.

الأهنومي: التحركات البريطانيةالعدوانية تجاه اليمن بلغت مرحلة الوقاحة

ويشير الأهنومي الذي يرأس المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون ، في تغريدة له بمنصة “أكس” تابعتها “الوحدة” أن بريطانيا تقوم بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وسياسية وأمنية وعسكرية ، لتحشيد أطراف عدة لشن عدوان على اليمن ، بهدف حماية الكيان الإسرائيلي من جبهة اليمن المساند لغزة من جهة ، فيما تقوم بالتنسيق لترتيب اوضاع المرتزقة على الأرض من جهة أخرى، لكنها يرى أن العلاج سبق وأن أشار إليه قائد الثورة السيد القائد  عبدالملك بدر الدين الحوثي ، ويكمن في الصواريخ الباليستية والمسيرات”  التي شاهد العالم لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية “سفنا بريطانية تحترق ، وأخرى تغرق في البحر الأحمر”.

ما بين الأمس واليوم

عند مقارنة الاحتلال البريطاني القديم وما يجري حاليا في المحافظات الجنوبية والشرقية نجد تطابقا كبيرا مع بعض الاختلافات وخاصة على صعيد الوسائل والتكتيكات والأدوات..

المستعمر الجديد يستخدم وكلاء وعملاء محليين بدرجة رئيسية وخاصة من قبل المحتل الأمريكي، باعتباره الوريث للاستعمار البريطاني، والذي لا يحبذ الدخول المباشر لبسط نفوذه من خلال قواته، وإنما يعتمد – كما يرى المراقبون – سياسة الدفع بعملاء إقليميين ومرتزقة محليين لاحتلال الجزر والمنافذ البحرية وإنشاء قواعد عسكرية ومدن وانشاءات سكنية وبنيوية تحت شعارات مختلفة على غرار ما تقوم به القوات الإماراتية في جزيرة ميون بمضيق باب المندب وفي مناطق عديدة بأرخبيل سقطرى ، فهذه القوات لا تمتلك المقومات للبقاء طويلا في هذه المناطق ولكن دورها المرسوم بعناية يقتصر على التمهيد فقط لتسليمها في وقت لاحق إلى الأمريكي والبريطاني، هذا ما أكده المحلل السياسي عادل الحسني.

وحذر الكاتب الحسني، من تكرار “صورة الظلم والقمع” التي شهدتها عدن تحت الحكم ” البريطاني”، مشيراً إلى أن المدينة تمر بحالة مماثلة اليوم، لكن هذه المرة عبر “أيادٍ يمنية متكبّلة بقيود الخيانة”.

“بقايا الاحتلال”

ووصف الحسني القوى الحالية التي تحمل أعلام الإمارات بأنها “وليدة الأمس” وبقايا فاسدة خلّفها الاحتلال القديم، مؤكداً أن التاريخ لن يرحب بها كما رفض بريطانيا سابقاً.

وشدد الحسني في منشور له بمنصة “أكس” تعليقا على زيارة وزير الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، “هيمش فولكنر” لعدن، أن الفرق الرئيسي بين الأمس واليوم للاحتلال، هو أن اليد التي كانت تقتل اليمني ليست منه، بينما “اليوم لا تقتل اليمني إلا يد يمنية”، مشيراً إلى أن هذا التكرار يتم “بحلة جديدة”، حيث يُصوَّب السلاح الذي يحمل أعلام الإمارات على صدور يمنية بمجرد “أن أرادت أن تحيا بكرامة”.

وساق مقارنة قاسية بين حقبة الاحتلال البريطاني وما وصفه بالوضع الراهن في المحافظات الجنوبية المحتلة، موضحاً أن عدن في الماضي كانت “رازحة تحت وطأة الحكم الأجنبي عشرات السنوات ذاقت فيها الويلات”، حيث كان اليمني “مستعبداً على أرضه”. وأضاف أن بريطانيا كانت تفرض قبضة من حديد، وكانت السجون “تمتلئ بكل متكلم ومناهض”.

الحسني: بقايا الاحتلال البريطاني خرجت مجدداً بأسماء جديدة  الحسني

وذكر الحسني “بالثورة التي أدت إلى رحيل البريطاني ورفع رايات الحرية بعد مسار طويل “مر على الجماجم والدماء”، لكنه عاد ليؤكد أن الاحتلال الطويل يترك دائماً “بقايا فاسدة تخلخل الصف وتخرق البناء”، مشيراً إلى أن هذه البقايا هي التي خرجت مجدداً بأسماء جديدة”.

واختتم الحسني منشوره برسالة واضحة، أكد فيها أن أرض اليمن التي “نفضت بريطانيا لن ترحب بوليدة الأمس”، ولن تُغني “الإمارات بضاعتها الكاسدة” أو “الأيادي الخائنة” أمانيها بالحكم بقوة السلاح المستورد، مبينا أن اليمنيين “رؤوسهم صخور صماء” ودروبهم لا تحمل إلا “صدقاً لمن صادق، وناراً لمن عادى وتمادى”.

يعود اهتمام الاستعمار البريطاني باليمن إلى القرن السابع عشر الميلادي عندما حاول احتلال جزيرة ميون الواقعة في مدخل باب المندب، ودافعه الموقع الاستراتيجي لليمن، وتحديداً عدن وسقطرى وباب المندب، وتحكم اليمن في طريق الملاحة البحرية بين الشرق والغرب، ناهيك عن الأهمية الجيوسياسية، المتيحة للاستعمار البريطاني، التحكم بمستعمراته في شرق وجنوب أفريقيا وغرب وجنوب آسيا انطلاقاً من عدن، أضف لذلك الأطماع البريطانية في الثروات التي تزخر بها بلاد اليمن.

“فرق تسد”

وفي التاسع عشر من يناير1839 تمكن الاحتلال البريطاني عملياً من وضع اللبنة الأولى لمخططاته باحتلال مدينة عدن، وعلى الرغم من المقاومة اليمنية الباسلة للغزاة، فقد تمكنت بريطانيا مع مرور السنين من تكبيل العديد من السلطنات المجاورة لعدن، باتفاقات مختلفة وتسميات عدة، هدفت من ورائها إلى إحكام القبضة على كامل المناطق الجنوبية والشرقية في اليمن، وفي 1 أبريل 1937 كبل الاستعمار الانجليزي المحميات الشرقية ومستعمرة عدن، بعد فصلها عن بومباي وإلحاقها بوزارة المستعمرات البريطانية.

المتغيرات العالمية التي استجدت ما بين الحربين العالميتين وبداية انهيار النظام الاستعماري فيما بعد الحرب العالمية الثانية وظهور المنظومة الاشتراكية وتعاظم مد حركة التحرر الوطني وجلاء القواعد العسكرية البريطانية من أكثر البلدان المستعمرة؛ جعل أنظار البريطانيين ترنو إلى عدن كمركز مستقبلي، لقيادات قواتهم المسلحة المختلفة في المشرق العربي ولحماية مصالحهم في المنطقة عامة، فشرعوا بإدخال بعض التطورات التي من شأنها مواكبة هذه المتطلبات، من قبيل تشجيع نمو “برجوازية كمبرادورية” طفيلية مرتبطة بالمصالح البريطانية، وإقامة عدد من المشاريع الاقتصادية الهامشية، فشجعت زراعة القطن في أبين 1947 ولحج في 1954 وزراعة الفواكه الأوروبية، وبناء مصفاة عدن في عام 1954 وقيام شبكة واسعة من مشاريع البناء، لتلبية احتياجات القوات البريطانية في عدن، وفتح أبواب الهجرة الأجنبية إليها، ومحاربة العنصر الوطني، بغرض التهيئة لهندسة مشاريع سياسية مستقبلية للمنطقة مرتبطة بالاستعمار البريطاني، مثل: الحكم الذاتي لعدن، اتحاد الجنوب العربي، الحكومة الانتقالية.

حرصت السياسة الانجليزية في المناطق اليمنية المحتلة في طابعها العام على تمزيق الوحدة اليمنية والنسيج اليمني، وتعميق اليأس في أوساط أبناء الشعب اليمني من عودة التحام جسدهم الواحد، في وقت تجزأ فيه اليمن إلى ثلاثة أجزاء هي الانجليز والأدارسة والإمامة؛ في حين كانت عناوين السياسة الاستعمارية واحدة في معانيها ومبانيها منذ عام 1839 بدءاً بسياسة “فرق تسد” ومروراً بسياسة معاهدات واتفاقيات الحماية وانتهاءً بسياسة التقدم نحو الأمام وإعمال نظام الانتداب والاستشارة، تبعاً لمقتضيات التجزئة ومتطلبات كبح جماح نمو الوعي الوطني الواصلة ذروتها في 1959 بإنشاء اتحاد الجنوب العربي، بدعم وتواطؤ رابطة أبناء الجنوب والجمعية العدنية، أملاً في تمديد سيطرة الاستعمار السياسية والعسكرية على المنطقة أكبر مدة ممكنة.

وتكمن خطورة ذلك في توجه الاستعمار منذ بداية عام 1934 إلى سلخ هوية الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن، عن هويتها التاريخية والجغرافية، عبر تغليب الثقافات والهويات المحلية وتغذية النزعات الانفصالية وتعميق هوة الخلافات والصراعات البينية، لضمان طمس الثقافة والهوية الوطنية اليمنية وتكبيل ووأد أي هبة شعبية تحررية.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار