Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookCheck Our Feed

الترجمة.. جسر المجاز

عبد السلام بنعبد العالي

عندما نتحدث عن الترجمة، سواء في اللغة العربية أم في بعض اللغات غيرها، فإننا كثيراً ما نستعمل ألفاظاً تحيل على معاني النقل والعبور والمجاز والجسر. سأحاول أن أتوقّف هنا قليلاً عند هذا المجاز استخلاصاً لما يترتب عنه من دلالات ومستلزمات. ومن أجل ذلك لنبدأ أولاً بالوقوف عند المعاني الفلسفية والسميولوجية للجسر. والجسر، كما يعرّفه كثير من القواميس العربية، هو «القنطرة ونحوُه مما يُعبَر عليه». إنه ما يربط، ما يشكل وسيلة للاتصال والتفاهم. ويمتدّ هذا الاتّصال من المعنى الحسي المباشر، إلى المعاني الرمزية التي تدعو جسراً كل ما يربط فيما بين الشعوب والثقافات واللغات، ساعياً إلى أن يوحّدها أو يقارب بينها فيسمح بالوصل والتلاقي. وفي هذا السياق يميّز الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير ما يدعوه المعنى «الصّلب» للجسر، عما ينعته بالمعنى «الناعم».

اتصال.. وانفصال

ولكن، مما يثير شيئاً من الاستغراب كون بعض المعاجم العربية، (وعلى ذكر المعاجم فلا ينبغي أن ننسى أنها هي كذلك جسور)، بدل أن تقتصر على هذا الوجه الاتصالي للجسر، تذهب عكس ذلك، فتحدّد الجسر على أنه «حدّ فاصل بين أرضين». ولاشك في أن استغرابنا سيزداد حدّة عندما نتبيّـن أن هذا الوجه الانفصالي في تحديد الجسر لا يقف عند المعنى اللّغوي للّفظ فحسب، وإنما يجد دعامته أيضاً في الفكر الفلسفي، وعند واحد من أكبر الفلاسفة المعاصرين.

الجسور.. وكينونة الظهور

يذهب مارتن هايدغر إلى أن الجسر، بما يسمح به من قدرة على العبور، لا يكتفي بالربط بين ضفتين، وإنما «يأتي بالضفتين، بما هما كذلك، يأتي بهما إلى الظهور». ويكشف الجسر، قبل كل شيء أن الضفتين اللتين يربط بينهما لا تتقدمان وجوده، وإنهما ترتسمان عند الحاجة مثل خطوط الهروب التي يتحدث عنها جيل دولوز. صحيح أن الضفتين كانتا موجودتين حين لم يكن هناك جسر. ولكن الجسر، رمز الوصل واللقاء، هو الذي يجعلنا نتبيّـن انفصالهما عن بعضهما بعضاً. وهنا يكتب هايدغر: «الجسر يوصل الضفتين إحداهما بالأخرى، ومن ثمة فهو يميّز بينهما. وبفضل الجسر تنفصل الضفة الثانية لتنتصب في مواجهة مع الأولى». وتتمايز الضفتان بعضهما عن بعض بفضل الربط بينهما. فالجسر إذاً أداة وصل وفصل في الآن ذاته. ولا ينبغي أن نفهم الفصل هنا على أنه إبعاد. إنه ضمّ وتوحيد. إلا أنه ليس توحيد المتطابق L’identique وإنما توحيد المتخالف Le même.

المجاز والعبور

والجسر لا يلاقي بين ضفتي نهر فحسب، وإنما يلاقي أيضاً فيما بين النصوص، بين الثقافات وبين اللغات. إنه ينقل أيضاً لغة إلى أخرى. ويشبّه موريس بلانشو عمل الترجمة، وهي تحاول التقريب بين لغتين، بعمل هرقل وهو يحاول التقريب ما بين ضفتي البحر. وهذا العسر، وهذه الصعوبة التي تتطلب قوة جبارة في مثل قوة هرقل، يدلان على أن ذلك التقريب هو، في الوقت ذاته إبعاد، وعلى أن الترجمة، شأن كل جسر، إذ تحاول أن تقرّب فيما بين اللغات، تعمل أيضاً في الوقت ذاته، على خلق الاختلاف بينهما وإذكاء حدته. وعلى هذا النحو فالترجمة لا ترمي هي كذلك إلى إلغاء الاختلاف بين اللغتين، وإنما تسعى إلى توظيفه ورعايته.

خلق القرابة وتكريس الغرابة

ومن هذه الزاوية لا ينبغي أن يُنظر إلى المجاز والعبور من لغة إلى أخرى أساساً كعملية لخلق القرابة، وإنما أيضاً كفعالية لتكريس الغرابة. فالترجمة ليست هي النص الذي كان سيكتبه المؤلف لو أنه تكلم لغة المترجم. إنها لا تهدف إلى أن تكون الآخرَ ذاتَه، وإنما تسعى إلى إذكاء حدة الاختلاف حتى بين ما بدا متطابقاً. فالمسافة بين الذات والآخر لا يمكن أن تُلغى إلغاءً تاماً. والأمر هنا هو على نحو ما قلناه عن ضفتي النهر. فالنص المترجَم ما يفتأ يَعْلَق بترجمته ككل ضفتين يربطهما جسر، ولكن الترجمة تظل شفافة لا تستبعد النص المترجَم ولا تصبح بديلاً عنه.

أداة لتمكين اللغة

الترجمة أداة لتمكين اللغة من أن تمتحن ذاتها على ضوء الآخر، إنها وسيلة لتعريض الذات لمحنة وامتحان تتلقى فيهما دفعاً عنيفاً يأتيها مما هو أجنبي. وهذا الدفع هو الذي يجعلها تشعر بالغربة، ليس أمام الآخر فحسب، بل أمام ذاتها كذلك. وبهذا تغدو الترجمة انفصالاً للثقافة عن نفسها وللّغة عن ذاتها، وللنصّ عن نفسه. لقد كتب بلانشو: «يحاكي النصّ المترجَم عملية الإبداع التي تحاول، انطلاقاً من اللغة المألوفة، تلك التي نحيا فيها وبها، ونكون غارقين فيها، تحاول أن تعطي الحياة للُغة أخرى يبدو ظاهرياً أنها اللغة ذاتها، ولكنها تشكل ما هو غائب عنها، مخالف لها اختلافاً لا ينفكّ يحصل، ولا ينفكّ يختفي».

الترجمة.. مأوى البعيد

الترجمة عبور وحركة انتقال لا تنفك بين «أصل» ونسخة. إنها لا ترمي إلى أن تجرّ ضفة إلى أخرى، لا تريد أن تجر لغة نحو أخرى، وإنما تسعى لأن تقيم جسراً وتخلق لغة ثالثة تلاقي بين لغتين، بين نصّين وثقافتين.

وعلى هذا النحو، فإن الجسر سواء أكان «صلباً» أم «ناعماً»، فإنه لا يقضي على الاختلاف، ولا يصهر الطرفين في وحدة مطلقة، بل يربط أحدهما بالآخر فيحوّل «القرب والبعد بين الأشياء والإنسان إلى مجرد مسافات Distances» على حدّ تعبير هايدغر. وهي مسافات يمكن قهرها بمجرد قطعها. الجسر فضاء يحوِّل الانفصال بين ضفتي النهر إلى مجرد بُعد مكاني فيجعل الإنسان يشعر بأنه «يقيم بالقرب من الأشياء»، وأنه يقطنها وأنها «موطنه»، فتتحول علائق البعد والغربة، بما تحملانه من حمولة نفسية، بلهٌ وجودية، إلى مجرد أبعاد هندسية. ألا تفعل الترجمة الفعل نفسه؟ ونحن، بالمناسبة، نحتفي بيومها العالمي الموافق 30 سبتمبر من كل عام. أليست هي، في نهاية الأمر، انفتاحاً على الآخر واستضافة له، أليست هي ما يجعل الغريب ضيفاً على الدّار، أليست، كما كتب أحدهم «مأوى البعيد»؟

Share

التصنيفات: ثقافــة,عاجل

Share