Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookCheck Our Feed

“كليلة ودمنة”.. طيور وحيوانات تنطق بخلاصة الحكمة الإنسانية

منى أبوالنصر

لم يبلغ كتاب في تراث الحكي والحكمة التي تجري على لسان الحيوان والطير، ما بلغه كتاب “كليلة ودمنة” من شهرة، الكتاب الذي أرّخ لمؤلفه الحكيم الهندي “بيدبا”، صاحب هذا المؤلف التراثي الضخم، الذي جاوز أثره الإنساني بلاد الهند التي خرج منها، خصوصا مع الترجمة الخالدة لعبدالله بن المقفع التي وضعها للكتاب في القرن الثاني الهجري.
استطاعت رمزية الحكايات التي تزخر بها “كليلة ودمنة” أن تجعله واحدا من نفائس التراث العالمي، فرموز الحكايات يمكن قراءتها بما يتجاوز المكان والزمان، فعلى الرغم من أن الكتاب يعود زمن كتابته حسب المؤرخين للقرن الرابع الميلادي، تتجدد قراءته إلى اليوم لفرادة حِكمه النابعة من رحم الأسطورة.
تعود قصة الكتاب إلى “بيدبا” الحكيم الهندي الذي ألّف الكتاب لملك الهند آنذاك “دبشليم” الذي طلب منه أن يكتب له كتابًا في الحكمة بطابع حكائي مُسلٍّ، وفيه برع “بيدبا” الفيلسوف في تجسيد حيوانات الغابة في مواقف مختلفة، وجعل لهم مناصب في الغابة، لتدور بينهم مواقف رمزية للعلاقات داخل الدولة، فهناك تجد الأسد، والثور، والطيور، فضلا عن “كليلة” و”دمنة” وهما اثنان من حيوانات “ابن آوى”.
تدور حكايات الكتاب على شكل “أبواب”، يدخل القارئ من كل باب لعالم حكاية خرافية جديدة، وأحيانا تتداخل الحكايات التي تنفتح على الغرابة والطرافة أيضا، حيث يتعدد الرواة وتتواصل جولاتهم في مواقف قيمية، تمُر على مفاهيم كالشجاعة، والكذب، والتعاون، والعدالة، والصراع، وذلك في ساحة تجتمع فيها أفكار إصلاحية وأخلاقية بلسان العظة تارة، والحيلة الماكرة تارة أخرى.
من أبرز أبواب الكتاب باب “الأسد والثور” وباب “الأسد وابن آوى” وباب “الحمامة والثعلب”، وباب “الجرز” وغيرها، إلا أن ترجمة عبدالله بن المقفع للنسخة الفارسية التي نُقلت عن الكتاب الهندي الأصلي، كانت بمثابة “العين الثانية” التي أضافت للنص الأصلي الكثير، بداية من منح الكتاب ذيوعا أوسع، حتى إن العديد من اللغات الأجنبية اعتمدت على ترجمة ابن المقفع كأنه بمثابة النص الأصلي للكتاب.
من ناحية أخرى فقد وجد ابن المقفع في “كليلة ودمنة” الذي عكس الحياة السياسية والاجتماعية للحكيم الهندي بيدبا مع الملك دبشليم الهندي، تقاربًا مع عصره الذي كان يتولى فيه الخليفة المنصور، ووجد أن هذا الكتاب قد يكون بمثابة النُصح غير المباشر له، خصوصا أنه عُرف بغضبه على من يخالفه ويعارضه، فتماهى ابن المقفع في ترجمته بهدف نُصح المنصور بشكل غير مباشر، بل أضاف له قصصا من تأليفه، ووضع فيها بصمته وأسلوبه النثري الخاص، وأضاف بابًا أطلق عليه “الفحص عن أمر دمنة”، ما
يجعل النسخة التي تركها ابن المقفع تزيد على النسختين الهندية والفارسية اللتين ذابتا مع الزمن في مقابل خلود النسخة العربية لابن المقفع.
وتوالى نشر “كليلة ودمنة” على مدار السنوات، ولعل من أشهر طبعاتها طبعة دار المعارف المصرية التي أصدرت طبعة خاصة لكتاب “كليلة ودمنة” عام 1941 بتحقيق الدكتور طه حسين والدكتور عبدالوهاب عزام، بمناسبة العيد الذهبي للدار.

Share

التصنيفات: ثقافــة,عاجل

Share