Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookCheck Our Feed

الغضب الشعبي العارم ضد ضم عدن قسراٍ إلى اتحاد الجنوب العربي "المزيف"

  تنفيذاٍ للمخطط الاستعماري البريطاني الاستراتيجي لترتيب أوضاع المنطقة من الجنوب اليمني تمهيداٍ لانسحابها منه صنعت بريطانيا اتحاد الجنوب العربي المزيف والمؤلف في البداية من إمارات ومشيخات وسلطنات المحمية الغربية وفي ما بعد انضمام المحمية الشرقية وذلك في ١١ فبراير 1959م ومن قبل المندوب السامي البريطاني مباشرة في عدن والذي قرر أيضاٍ ضم عدن المستعمرة إلى هذا الاتحاد المزيف وقد عارضت القوى الوطنية بشدة هذا الاتحاد المزيف وكذلك ضم عدن إليه قسراٍ ودخلت في مصادمات مباشرة مع القوات والسلطات البريطانية حول هذه المسألة كما هب الشعب في غضبة عارمة ضد ضم عدن للاتحاد المزيف قسراٍ في عدن والذي صنعته بريطانيا الاستعمارية بهدف تمرير مخططاتها وتزييف الإرادة الشعبية في الجنوب اليمني وفي عدن خصوصاٍ واستخدمت القوى كل الوسائل والسبل لمناهضة هكذا مخطط استعماري ولإفشاله من صحافة وإضرابات ومظاهرات ومسيرات ومصادمات وصولاٍ للثورة التحررية المسلحة في ما بعد وانتقال المعركة من الريف إلى المدينة عدن.

 

وفي التصدي لترتيبات الاستعمار البريطاني وتنفيذ مخططه صدرت صحيفة »العمال« بافتتاحيتها قائلة :» الكتاب الأبيض أو الأزرق أو الأسود اللون ليس مهماٍ فالشيء الأهم هو المحتويات أن العدد المنصوص عليها من الالتزامات والتنازلات نتيجة لمحادثات سرية بين أطراف غير متكافئة أحدها واع وقادر ومهيمن وهو الجانب البريطاني والآخر جاهل وفاقد كل شيء في الفهم والمعرفة والتأييد الشعبي وهو جانب من يسمون بوزراء عدن والسلاطين أنها أعطت لبريطانيا كل شيء من حق سحب أي جزء من عدن وضم بريم وكوريا موريا وكمران لصالح نظامها الدفاعي كسبت بريطانيا كل هذا بدون موافقة الشعب أو أي تمثيل شرعي .. والمواطنون يسألون ماهو تاريخ الاستقلال ومتى يتمكن الفلاح في العوذلي ولحج وبيحان والفضلي والعولقي والواحدي وحتى بئر أحمد من ممارسة حقه في تكوين حكم شعبي ديمقراطي ويكون حراٍ في بيع محاصيله أن الأسئلة المثارة من قبل الشعب ترتكز على تجارب أمم أفريقية وآسيوية أخرى التي حضر ممثلوها المحادثات الدستورية في لندن وعادوا بالحرية والكرامة والوحدة الشعبية ياوزراء عدن والاتحاد ما لذي عدتم به ¿! لقد عدتم بقاعدة عسكرية نووية لبريطانيا وعدتم بعد أن أقتسمت الغنائم في ما بينكم ولكن حقاٍ هل كنا نتوقع منكم أي شيء ¿! هل بيكم نيكروما أو سيكوتوري أو كيناتا أو منتوف من حيث المعرفة والشجاعة والايمان بالشعب ¿! إن الفارق بينكم وبين هؤلاء الرجال واضح جداٍ تماماٍ أنهم كانوا يمثلون شعوبهم ولكنكم قد قوطعتم من قبل شعبكم وهذا أفسدكم نفسياٍ لعلكم تدركون هذه الحقيقة وربما كانت هذه الورقة الرابحة بين المفاوضين البريطانيين طيلة المفاوضات إذ ليس عليكم إلاِ تذكر عدد الأصوات التي نلتمونها التي أوصلتكم إلى مقاعدكم« وأستطردت »العمال« إلى القول :»ان الأصوات التي نلتمونها لاتمنح أحداٍ شرف تمثيل الشعب لأن  الشعب حذر بشأن استخدام حقوقه ولذلك أصبح الشعب وجها لوجه أمام بريطانيا  بعد أن سقطت كافة الأقنعة بفضل الكتابين الأبيض والأزرق إن قضية الشعب هي دوماٍ قضية الدستور والقانون والأخــــلاق والشعب يتمسك بحقوقه ووحدته وهي الملاذ الأخير للخلاص باسم شـــــعب عدن والامارات وكامل الجنوب اليمني نرفض كتابكم الأزرق ونعيد تأكيد معارضتنا له جملة وتفصيلا .

 

اتفاقية لندن

 

وفي ٤ سبتمبر 1962م جرت هناك في كريتر المدينة الرئيسية في عدن مظاهرة صاخبة للقوى الوطنية وفيما بعد سار المتظاهرون إلى مسجد العسقلاني للشيخ البيحاني الكفيف وهو من  أشد وأكبر المؤيدين لاتحاد الجنوب العربي المزيف وتم مخاطبة الشعب ومن على منبر المسجد من أحد المتظاهرين قائلاٍ :إن المظاهرة دليل على »رفض الشعب لاتفاقيه لندن« غير أنه استطرد إلى القول بأن مثل هذه المظاهرة والزحف على المجلس التشريعي يجب أن تتسم بالهدوء والانضباط وفي البيان العاجل الذي أصدره مؤيد الاتحاد الفيدرالي الشيخ البيحاني احتج باسم الاسلام والقرآن على تصرف المتظاهرين الذين اقتحموا المسجد بأحذيتهم وهم يدخنون السجائر وقال :»لم تبن المساجد لمثل هذه الأغراض« .

 

ولقد بدا أن صداماٍ محتملاٍ بين القوى الوطنية والحزب الوطني الاتحادي وشيك الوقوع في ٥ ستبمبر 1962م ولكن تم تجنبه بفعل قرار الحزب الوطني الاتحادي المؤيد للاتحاد وللدمج وذلك بالغاء مظاهرته في ذلك المساء وكان الحزب الوطني الاتحادي قد قرر التظاهر لتأييد الاتحاد والدمج بالنظر لمظاهرة القوى الوطنية غير المصرح بها في ٤ سبتمبر 1962م وبمثابة التحدي جمعت القوى الوطنية قرابة سته آلاف من العمال والمواطنين في كريتر للخروج بمظاهرة مضادة في نفس الوقت الذي تخرج فيه مظاهرة الحزب الوطني الاتحادي وبناء على طلب البوليس  الغى الحزب الوطني الاتحادي مظاهرته وتفادى صداما كان وشيك الوقوع .

 

ولقد أصدر الحزب الوطني الاتحادي بياناٍ جاء فيه أن أعضاءه وأنصاره مصممون على القيام بمظاهرة ضخمة تأييداٍ للدمج عندما يجتمع المجلس التشريعي وجاء في البيان :»أن حزب الاتحاد الوطني يدرك أن حزباٍ آخر يعارض الدمج وينوي تنظيم مظاهرة في ذات اليوم ولكن من المؤسف أن هذا الحزب ينوي إشراك الفتيات والطلاب في مظاهرته ويطلب من أولياء الأمور بإخلاص ألاِ يسمحوا لبناتهم وأبنائهم يستغلون من قبل أي حزب سياسي أو يشاركوا في أية مظاهرة خشية أنه في حالة الصدام يكون الضحايا من بين هؤلاء الأطفال الأبرياء .

 

وجاء في البيان الصادر عن القوى الوطنية :»إن جماهيرنا البشرية سوف تزحف على المجلس التشريعي عندما ينعقد وهي قادرة على حماية نفسها إن لغة التهديد والوعيد لن تجدي فكل منزل سيكون خالياٍ من أصحابه من رجال ونساء وشباب وشيوخ سيشاركون في الزحف المقدس على المجلس التشريعي إن الذين لم يقوموا على تنظيم مظاهرة واحدة لايستطيعون التهديد بالوقوف في وجه مسيرة الشعب اننا في مسيرتنا السلمية المقدسة سنراعي الهدوء والسلام وسنعتبر الحكومة مسؤولة عن نتائج أي فعل استفزازي من قبلها أو من قبل مؤيديها« غير أن الشيخ باحميش قاضي عدن قد بارك دمج عدن في الاتحاد الفيدالي المزيف في خطبه الجمعة ٨ سبتمبر 1962م  وأعلن عن تأييده له وللدمج وحث الشباب على عدم التدخل في السياسة »وأمور أخرى والتي هي حقيقة ليست من إختصاصكم«.. وأصدرت القوى الوطنية بياناٍ في ٩ سبتمبر1962م  شدد بقوة على أن مسألة ما إذا يجب على عدن الإنضمام إلا الاتحاد أولاٍ ليست بمسألة على الأطلاق لأن على عدن أن تنضم ويجب أن تنضم والمسألة المركزية هنا هي الهوية اليمنية لعدن والامارات هذه في اليمن الجنوبي المحتل وحريتها من الاستعمار.. وقالت افتتاحية صحيفة »العمال« : أن المشكلة الحقيقية هي وجود القاعدة البريطانية على أرض عربية ولذلك يتوجب على كل مواطن أن يدرس كيفية التعامل مع مشكلة القاعدة البريطانية على الأرض العربية لأن في ذلك مفتاح المسألة برمتها.. وفي ذلك الوقت كان الجو السياسي قد ازداد توتراٍ بسبب التدريبات الأمنية من قبل الجــــــيش والبوليس التي تمت في شوارع كريتر وعلى مقربة من مبنى المجلس التشـــــريعي استعداداٍ لمناقــــــشة المجلس يوم 24 سبتمبر 1962م وأصدرت القوى الوطنية بيانات قالت فيه : أن البريطانيــــين لايستطيعــــون خلق الفــــتن بيننا وبين جنودنا اذ أن الجنـــــود العرب هم أشقاؤنا وهم جيــــش الشعب في المستقبل .

 

أيضاٍ وفي 15 سبتمبر 1962م هاجمت افتتاحية صحيفة »الحقيقة« زعيماٍ دينياٍ كيف نفسه مع مدح اتفاقية لندن ودمج عدن قسراٍ في الاتحاد الفيدرالي وهاجم القوى الوطنية من منبر مسجد كبير : »إن لعنة الشعب لهذا المتاجر بالدين وطعـــنه للشعب إنما هي امتداد لخلقه السيئ الشاذ الذي يجعله يهاجم المقاتلين من أجل الحرية والشعب لقد استغل المنبر في بيت الله ليؤيد مشاريع عدوانية مشكوك في أمرها أن الصـــلاة وراء هذا الرجــــل غير جائزة ونحن لانعــــتقد أن الله سيــــــقبل صلاة المسلمين إن هم صلوا وراءه« .

 

قصة خيالية

 

كما كانت هناك هجمات من زوايا مختــــلفة على قاضي عدن الشـــــيخ باحميــــش:» الذي عــــلى أي حال هو موظف حكومي ينفــــذ الأوامر عندما تصــــدر ليهاجم وهو قد فعل ذلك«  كما قالت الصحيفة .

 

وشنت الصحيفة هجمة قوية على حسن علي بيومي رئيس الحزب الوطني المؤيد للاتحاد والدمج على الرغم من أنها لم تذكر أسماء ومع ذلك فإن الإيماءة كانت مفهومة للإنسان العادي وقد جاءت في شكل »قصة خياليه.. عنوانها »وسقط سقطة الصنم« وبإيجاز تقول القصة »أن شعب الزهرة طالب بنهاية للحكم الاستعماري لشعب المشتري وقد سمح نفر من الزهرة الذين لهم مصالح ترتبط بشعب المشتري وإدامة الاستعمار المشتري سمحوا لأنفسهم أن يستخدموا أدوات من قبل المستعمرين من المشتري لإصباغ الشرعية على الاحتلال« وتستمر القصة على هذا المنوال تتحدث عن المعاهدة وبعد ذلك تقول : »أن أحد الأطراف يسيطر عليه شخص رغبته في أن يكون كبير الوزراء تجعله يضحي بنفسه في خدمة أسياده من المستعمرين من المشتري وهو يقبض هبات مالية وافرة من أهل المشتري لشراء الأنصار« ويتبع ذلك سرد مظاهرات القوى الوطنية والمظاهرة التي نوى الحزب الوطني الاتحادي القيام بها ولكن بنفس الأسلوب السابق للقصة ثم أن هناك كلاماٍ  مطولاٍ عن »أن ذلك العميل وأخاه الذي قال أن لديه اسراراٍ ليكشفها« وأخيراٍ تنتهي القصة بالقول :»استمر الأخ الأكبر يخدم أسياده من المشتري بحماس أكبر ولكن أسياده شعروا أنه قد لعب دوره ولم تعد هناك حاجة فجلبوا وجها ٍ آخر لايقل رغبة عن الوجه السابق في القيام بالدور الذي يسند له وسقط الوجه السابق سقطة الصنم وطلب من الشعب أن يغفر له خسته أن أظهر الندم ولكن الشعب لم يصدقه وأخيراٍ انتحر هذا ليريح نفسه من الكابوس الذي تملكه« وعلى الفور أمر المندوب السامي البريطاني بسحب ترخيص صحيفة »الحقيقة« وإغلاقها في 15 سبتمبر 1962م.

 

اعتقالات

 

وفي 16 سبتمبر 1962م أصدرت القوى الوطنية بياناٍ نددت فيه بحملة الاعتقالات في صفوف الوطنيين وأن هذه الاعتقالات لن تؤثر بأي شكل من الأشكال على عزم القوى الوطنية على الزحف على المجلس التشريعي عندما ينعقد واستطرد البيان قائلاٍ:» إن إيماننا بأن النصر وشيك يزداد كل يوم وهو الآن أقوى من أي وقت مضى وكلما ازداد الأستعمار عنفاٍ وشدة كلما أصبحنا واثقين أن انتصار شعبنا مقبل بسرعة والذين سجنوا وغرموا واضطهدوا يزدادون اقتناعاٍ بعدالة قضيتهم وتجدد معنوياتهم ويوم انتصار شعبنا لن يكون هناك مكان بيننا للعملاء والخونة وإذا ذهب بعضهم إلى السجن يجب أن نتذكر نكروما وبن بيلا وكنياتا وآخرين كثيرين سجنوا في وقت ما وحتى ترتفع عالياٍ راية الشعب ويكون الشعب سيد نفسه يجب ألا  نبخل بشيء ونضحي بكل ما نملك .

 

وبالرغم من أن حزب لقمان لم يعلن صراحة نيته  الاشتراك في الزحف على المجلس التشريعي فإن موقفه تجاه خطة الدمج كانت بالرغم من كل هذا قد تشدد كثيراٍ خلال الأسبوع الأخير على الأسبوع الأخير على تصويت المجلس التشريعي في 18 سبتمبر 1962م احتوت الصفحة الأخيرة من صحيفة »فتاة الجزيرة« مقالاٍ بعنوان »دروس الديمقراطية البريطانية في الجنوب العربي« بقلم هيرودتس وفحوى المقالة هي :» بريطانيا منحت إدارييها السلطة الكاملة في عدن ليفرضوا على شعب عدن والمحميات نظاماٍ لم يستشر الشعب بشأنه بحيث تتحول عدن إلى قاعدة »أبدية« وإذا كانت بريطانيا تعتقد أن شعب المحميات راضون بالاتحاد فإنها مخطئة أن الأفراد الذين تعتمد عليهم بريطانيا ماهم إلاِ بشر زائلون وأما الشعب فإنه سيبقى إلى الأبد ولن يفيد بريطانيا إحياء مشروع دمجها الكسيح وتسعى لكسب حب الشعب بدلاٍ من كرههم وبغضهم وبعد ذلك انتقدت القاعدة العسكرية واختتمت بالقول :»هذا الاتحاد الذي سيربطنا بعجلة الاستعمار والدكتاتورية مرفوض بكل الحزم والعزم الذي نملكه« .

 

وفي مقال آخر بعنوان »رأي في الدمج« بقلم »عربي من الجنوب« قال الكاتب أن الأغلبية في كل من المجلس الاتحادي والمجلس التشريعي موالية للحكومة وممن الممكن أن الاتفاقية سيصادق عليها وسأل الكاتب :»ولكن هل سيستمر السلام بعد ذلك ¿ وبريطانيا سيكون لها بعد ذلك صداقة أفراد قليلين هم الحكام والذين يتشبثون بالكراسي  الوزارية ولكنها ستخسر صداقة مليون عربي في الجنوب العربي.. كما أن صحيفة »فتاة الجزيرة« وجهت نداٍء إلى أعضاء المجلس التشريعي الثمانية المنتخبين والذين ليسوا أعضاء المجلس التنفيذي قالت فيه : ان أعين الشعب العربي في عدن والبلدان العربية الأخرى موجهه نحوهم ووجه ذات النداء إلى الأعضاء العرب المعينين وقالت الصحيفة :»ان التعيين لا يعني أن الأعضاء المعينين يجب أن يؤيدوا الحكومة ومن الممكن أن عضواٍ معيناٍ أفضل بألف مرة من العضو المنتخب«.

 

مؤتمر عدن

 

وفي أثناء ذلك واصلت الحكومة تدريباتها العسكرية ونشرت بلاغات بشأن المتظاهرين غير المصرح لهم بالتظاهر وأما الحزب الوطني الاتحادي للبيومي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك وبصلافة أعلن عن خلق مؤتمر عدن الحر للنقابات الخيالي وخلق المؤتمر الجديد أعلن من قبل النقابات المعنية في ساحة الحزب الوطني الاتحادي كما قالت صحيفة الحزب في 23 سبتمبر 1962م عاد لقمان من بعثته إلى الأمم المتحدة حيث استطاع بالرغم من الاعتراض البريطاني التحدث إلى لجنة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار وكرر آراءه المعتادة بشأن المطالبة بالسيادة لعدن وإلغاء المعاهدة مع الاتحاد الفيدرالي والدمج في كيان واحد تفضيلاٍ على الاتحاد وذكر أنه قال:»باستثناء بعض المرتزقة في المستعمرة والامارات فإن الشعب كله يعارض المحاولات البريطانية لخلق اتحاد لايهدف إلاِ لإدامة وجود القاعدة إلى يوم القيامة وفي طريق عودته عقد مؤتمراٍ صحفياٍ في لندن حيث أعلن أنه »لن يكون هناك إعتدال بعد اليوم« وكان سياسياٍ عدنيا قد قال بذكاء عشية 24 سبتمبر 1962م أنه بما أن :» عدن قد حولت إلى معسكر بريطاني عندما تجرى التدريبات العسكرية فيه فإن الشعب في عدن يشعر أن البركان الهامد في المدينة على وشك الاستيقاظ من نومه الطويل ليلقي بالحمم في كل مكان.

 

إن القلق السابق هذا شاركت فيه صحيفة باشراحيل وموقف باشراحيل من مشروع الاتحاد والدمج كان قد تغير درامياٍ فقد كانت بالمطلق تقف مع اتحاد الجنوب العربي المزيف وضم عدن قسراٍ اليه ولكن وتحت الضغط والغضب الشعبي العارم في عدن غير باشراحيل فجأة موقفه وإن كان بتحفظ وبنوع من المسايرة ولكن ليس مواكباٍ للقوى الوطنية والإرادة الشعبية وننقلها فقط من باب الأمانة التاريخية والحيادية وإن كان زمام المبادرة بيد القوى الوطنية والشعب ولأن باشراحيل وصحيفته يريد تجنب ما حدث لصحف البيومي وحزبه الوطني الإتحادي حيث اتضح لاحقاٍ بأنه لا برقيات الحزب الوطني الأتحادي إلى يوثانت المطالبة بعدم السماح للقمان بالتحدث أمام لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة ولاقراراته الخاصة بتنظيم مظاهرة ضخمة تأييداٍ للدمج عندما يجتمع المجلس التشريعي في 24 سبتمبر 1962م كان لها أن تتحقق على العكس من ذلك فإن مطبعة الكفاح ستحرق والمركز الرئيسي للحزب الوطني الاتحادي يهاجم والسيارات الواقفة في ساحته تحرق والأواني النحاسية الكبيرة المحتوية على الطعام لمئات من ضيوف الحزب وبما فيهم السلاطين والوزراء والمسؤولين الحكوميين ستقلب من قبل جماهير الشعب الغاضبة ويبعثر الطعام المعد للغداء في كل قطن في الساحة وحتى صحيفة جرجرة »اليقظة« بالكاد نجت من الاحراق في ذلك اليوم .

 

وفي الافتتاحية التي كتبها باشراحيل عشية 24 سبتمبر والزحف على المجلس التشريعي ومناقشه الدمج تحت عنوان :» هل يكون يوم غدُ يومآ قائماٍ في تاريخ عدن« أشار الباشراحيل إلى إجتماع المجلس التشريعي لمناقشة معاهدة لندن التي :» استثارت معارضة شعبية واسعة النطاق«  ثم أضاف :»في مثل هذا الجو المتوتر أصدرت الحكومة بلاغاٍ تحذر المشاركين في أية مظاهرة بأنهم يعرضون أنفسهم لعقوبات صارمة وقام البوليس والجيش بتدريبات أمنية لمواجهة الموقف أن كل هذا يبين أن المجلس التشريع سيجتمع ويناقش المعاهدة في ظل حماية الجيش و إذا تمت المصادقة على المعاهدة فإن مثل هذه المصادقة إنما حصلت على أسنة الرماح – بل وأكثر من هذا وهذا مانخشاه – حصلت على جثث الضحايا ودم الأبرياء إن مثل هذا الفعل لايشرف أنصار المعاهدة الذين ستطاردهم نظرات الغضب والتنديد من الأجيال القادمة لأنهم كانوا أداة في خلق مأتم سيذكره التاريخ بتراجيديا سوداء .. إننا ندرك أن وزراء عدن متحمسون للمعاهدة ومهما كان حماسهم وتقييمهم للحاضر والمستقبل فإنه ليس بالإمكان تجاهل إرادة الشعب الذي يرفض أن يكون خاضعاٍ لسياسة الفرض ولذلك نحن لانرى من بديل لانهاء التوتر القائم إلا بارجاء المناقشة بشأن انضمام عدن إلى الاتحاد إلى حين تنصيب حكومة وطنية منتخبة التي عليها بعد ذلك دراسة المعاهدة وتقرر انضمام عدن على ضوء العمل الذي حققته.. كما نواصل اقتطاف افتتاحية باشراحيل والتي جاء فيها :»المجلس التشريعي ينعقد غداٍ لمناقشة إتفاقية لندن حول انضمام عدن إلى الاتحاد الفيدرالي وإجراء تغييرات دستورية لعدن الاتفاقية التي وقعها وزراء عدن وسلاطين المحميات بالاشتراك مع وزير المستعمرات لقد أثارت الاتفاقية منذ أذاعتها الحكومة في وثيقة بيضاء وكتاب أزرق أثارت معارضة شديدة في الأوساط الشعبية مما أدى إلى قيام مظاهرات ودخول عدد من الأشخاص السجن لقيامهم بها في الوقت الذي يوجد فيه قانون يحرم المواكب والمظاهرات كما اشتركت المرأة العدنية في المظاهرات التي قامت في كل من عدن والتواهي والمعلا والشيخ عثمان.

 

تظاهرات

 

إن حالة التوتر ترتفع يوماٍ بعد يوم مع اقتراب الموعد لمناقشة الاتفاقية وإصرار الأوساط الشعبية على القيام بزحف إلى المجلس التشريعي من بحث تفاصيل التقدم الدستوري لوحده في الوقت الحاضر بغية قيام حكومة وطنية تالية من نفس المجلس يتحدد بقاؤها لفترة عام واحد فقط تقوم خلاله بإعداد اللوائح الانتخابية وتحديد حق الانتخاب العدني وحده وإحراء الانتخابات في موعد أقصاه ديسمبر 1963م حتى إذا ما أنتخبت الحكومة الوطنية عندئذ يوكل اليها أمر دراسة دخول عدن إلى الاتحاد على أساس يكفل للشعب في عدن وفي ولايات الاتحاد حقوق تمكنه من ممارسة حقه المشروع في الحياة.

 

بالرغم من الحظر على المظاهرات كان الاضراب العام ناجحاٍ تماماٍ ..ففي 24سبتمبر 1962م صباحاٍ بدأت جماعات كبيرة من الجماهير تزحف على طرق شتى نحو المجلس التشريعي القابع على قمة تل ويمكن الدفاع عنه بكل يسر من قبل الجيش والبوليس .

 

عندما بلغ المتظاهروين سفح التل أطلق الجيش والبوليس النار فجأة عليهم وقذفوا في وسطهم القنابل المسيلة للدموع وقد قتل عدد من المتظاهرين وجرح آخرون .. ان الاستخدام المكثف للقنابل المسيلة للدموع دفع المتظاهرين إلى التراجع إلى الشوارع الخلفية في كريتر بحثاٍ عن الماء للتخفيف من الألم في عيونهم المحترقة . وفي سبيل ذلك أنتزعوا أنابيب المياه وأغرقوا الشوارع بالماء.. وبينما كان النقاش في المجلس مستمراٍ استمر الاضطراب واسعاٍ لدرجة جعل السلطات تنشر المزيد  من فرق الجيش البريطاني لتعزيز البوليس المسلح وقامت الجماهير الغاضبة بحرق مطبعة (الكفاح) وهاجمت ودمرت السيارات الواقفة في ساحة المقر الرئيسي للحزب الوطني الاتحادي. واستمر النقاش داخل المجلس التشريعي يوم 25سبتمبر 1962م وكان أشد هجوم تعرض له المشروع في المجلس هو من الأعضاء المنتمين لحزب لقمان – المؤتمر الدستوري – وقال علي -ابنه الأكبر – ان الشعب يريد الوحدة الحقيقية لليمن . ولكنه لا يريد وحدة تفرض عليه من قبل بريطانيا واستطرد قائلاٍ :(انه خيار هوبسن)وكانت هذه الاشاره ذكية للورنس هوبسن مستشار الوالي الذي كان قد انتدبه من جانبه للعمل في أوساط وزارية في أسواق عدن. لم تصدر أي صحف يوم 25سبتمبر 1962م وفي 26سبتمبر 1962م حملت صحيفة (فتاة الجزيرة) بروازاٍ تعبيراٍ عن الحزن ومعه المانشيتات التالية (الشعب يعرب عن السخط العام إزاء خطة الدمج) و(استخدام الرصاص والقنابل المسيلة للدموع لتفريق الجماهير) .

 

وتحت عنوان (بصراحة) قال التعليق: (إن مظاهرة الشعب السلمية جوبهت بالغاز المســـيل للدموع والرصاص) واستطردت إلى القـــول : (ان الجرم الوحــــيد الذي اقترفه الشعب هو أنه طالب بحـــريته وكرامته وليـــــس هناك من شــك أن المراســـلين الأجـــانب قد رأوا كيف أن بريطانيا ســـطرت صفحة ســـــوداء أخــــرى لن ينـــساها التاريخ ان الجميع قد رأى كيف خرج العدنيـــــون للتعـــبير عن رفضهــم الجـــماعي فتحـــية لهذا الشعب.

 

وفي صباح الخميس 27سبتمبر 1962م وبعد أقل من 24ساعة من تمرير الخطة من قبل الحكومة وبأغلبية صوت واحد فقط أعلنت إذاعة صنعاء عن تفجر الثورة وقيام الجمهورية والحقيقة التاريخية بأن مصير الاتحاد والوجود البريطاني في الجنوب اليمني قد تحدد يومي 24و26سبتمبر 1962م في عدن وصنعاء على التوالي .

 

بعد زحف التحدي الناجح على المجلس التشريعي يوم الاثنين 24سبتمبر 1962م ثم بعد يومين من الثورة والجمهورية 26 ستبمبر 1962م في صنعاء فإن باقي صحف عدن كان عليها (طواعية أو عن خوف) الالتزام بخط القوى الوطنية وبرنامجها الوحدوي. ولم يتجرأ أحد على تحدي هذا المبدأ القوي بعد اليومين (الخالدين) في تاريخ اليمن المعاصر.

 

مواجهات دامية

 

لقد كان للدعوة للزحف على المجلس التشريعي في يوم الاثنين 24سبتمبر 1962م صداه في صحافة عدن حيث كتبت الصحف بالتفصيل عن زحف الشعب على المجلس التشريعي والمواجهات الدامية بين الشعب وقوات الاحتلال البريطاني والمناقشات الحامية  الوطيس التي دارت في المجلس التشريعي. وأكثر الصحف كتبت عن هذا بالتفصيل هي صحيفة (فتاة الجزيرة) حيث جاء فيها :(قدر المراقبون ان عدد الذين اشتركوا في معركة الحرية والشرف يوم الاثنين الماضي نيف عن العشرين ألفاٍ. وكان معظم الذين خرجوا في جماعات متفرقة للتظاهر أمام مبنى المجلس التشريعي من رجال عدن ونسائها ولم يكن بينهم من غير العدنيين غير من كان يسير في الطريق العام ولم يكن عدد هؤلاء كبيراٍ على أي حال. وقد أبدى مراسلو الصحف والوكالات الأجنبية دهشتهم من إصرار العدنيين على الزحف رغم الغازات المسيلة للدموع ورغم الأسلحة النارية التي كانت توجه إلى صدورهم وهم يتقدمون نحو مبنى المجلس القائم على ربوة تطل على مفترق الطرق وقد حددت البلاغات الرسمية الإصابات بقتيل واحد وستة جرحى ورفضت سلطات المستشفى الإدلاء بأية معلومات إلى المراسلين مباشرة.

 

وشوهدت سيارة أحد الوزراء مسرعة وسط زحمة من المتظاهرين فدهست اثنين منهم ملحقة بهما إصابات قيل عنها انها لم تكن قاتلة وقالت البلاغات الرسمية أن ضابط بوليس عربيا أضطر إلى إطلاق النار من مسدسه على جماعات كانت تزحف نحوهفأصاب منها اثنين (دفاعاٍ عن النفس ) كما قال البلاغ الرسمي وشوهد بعض المتظاهرين يسيرون وراء حمار يرمزون به إلى كل من قبل أن يضع نفسه تحت خدمة الاستعمار ورفرفت أعلام سوداء على المنازل وواجهات السيارات (حداداٍ على الحرية الذبيحة) واشتعلت النيران في دار الحزب الذي يرأسه السيد البيومي فأحرقت سيارتان كما احترقت دار صحيفة (الكفاح) التي يمتلكها أخوه . وأعتقلت السلطات عدداٍ من العدنيين قدرتهم بلاغات رسمية بحوالي150بين عدني ويمني كما هدد ستة من الاحرار العدنيين في صف المعارضة بالانسحاب من المجلس التشريعي إذا صممت على إجازة المشروع الرامي إلى دمج عدن باتحاد الجنوب العربي المؤلف من ١١ إمارة في محمية عدن . وجاء هذا التهديد عقب  تأييد الأعضاء  الستة لتعديل تقدم به ممثل دائرة التواهي السيد سعيد محمد حسن لمشروع قرار كان وزير العمل والحكومة المحلية حسن علي بيومي قد قدمه لموافقة المجلس على إجازة المشروع وقد أشار البيومي في بيانه إلى أن السيادة البريطانية ضرورية لاستقرار أحوال عدن وأضاف البيومي قائلاٍ : إن المطالبة بإستقلال عدن سوف تجعلنا مجرد أضحوكة في انظار العالم فإن عدن لاتملك مقومات الاستقلال واقترح البيومي استمرار عدن تحت السيادة البريطانية حتى يكون في مقدورها أن تحصل على استقلالها كولاية في دولة الجنوب العربي وطالب تعديل السيد سعيد محمد حسن بحل المجلس آخر هذه السنة كما هو مقرر في دستور عام 1959م وإجراء إنتخابات حرة لتأسيس  مجلس جديد يطلق عليه مجلس الأمة بيده وحده تأليف وزارة قومية من حقها إجراء مفاوضات مباشرة مع حكام الامارات بشأن الاتحاد وطالب التعديل أيضاٍ بتحويل سلطات الحكم البريطاني إلى رئيس الوزراء العدني كما طالب بريطانيا بتقديم منح سنوية لعدن والاتحاد الحالي لاتقل عن ثلاثة ملايين من الجنيهات لكل منهما قابلة للزيادة إلى حين الاستقلال التام وأيد التعديل عن المعارضة السيد علي علوان ملهي كما أيد اقتراح الحكومة الذي قدمه البيومي السيد محمد سعيد الحصيني ولاحظ الصحفيون استشهاد السيد محمد حسن بالآيات القرآنية كما لاحظوا إستشهاد السيد عبدالله إبراهيم الصعيدي بالشعر العربي الفصيح للتدليل على الإباء العربي ومعروف عن السيد الصعيدي أنه كان أول من اشعل نار المعارضة حين رفض التوقيع على اتفاق سري بالمشروع بدار الحكومة في مايو الماضي .

 

رفض المشروع

 

وحال النائب الشاعر والسياسي الصحفي علي محمد لقمان وصال حين وقف مستعرضاٍ كفاح العرب من الخليج الثائر إلى المحيط الهادئ في سبيل الوحدة العربية وبعد أن بين سعي العدنيين إلى الوحدة وحرصهم على تحقيقها قال »الشعب العربي في عدن يرفض مشروعاٍ للاتحاد بين عدن والامارات يعرضه هوبسن« وهذا تعبير بالانجليزية معناه أن العرض لايترك أي خيار أي أنه يقوم على أساس واحد هو يعجبك ما يعجبك هذا هو الحاصل.. وتساءل الصحفي السياسي الذي يقود حركة (المؤتمر الشعبي) القائمة على المبادئ الديمقراطية الدستورية :(كيف يصح أن نتنكر للنظم الدستورية الديمقراطية التي تزهو بريطانيا بتعليمها لنا) عندما عرض لبعض مقترحات الكتاب الأبيض والوثيقة الزرقاء التي نصت على اختيار المجلس التشريعي أربعة أعضاء يحلون محل الأربعة المعينين في المجلس التنفيذي بحكم مناصبهم »كيف يجوز لنا في هذا المجلس أن ننتخب أربعة أعضاء جدد فيكون لنا صوتان وليس لأبناء الشعب خارج المجلس غير صوت واحد« وبذلك يرفض لقمان مبدأ الانتخابات غير المباشرة بالطرق الدستورية المألوفة وكان كل من السادة علي ملهي وعبد القوي مكاوي وعبدالله صعيدي وعلي سالم علي وراء تعديل المعارضة حزم النواب المؤمنين بقضية الحرية قضية الشعب واستمر المجلس منعقداٍ وحتى الثامنة مساء الثلاثاء.. وعلى اثر هذه المناقشات في المجلس التشريعي والمظاهرات الصاخبة وأحداث العنف والزحف على المجلس التشريعي والسخط والرفض الشعبي لمعاهدة ضم عدن إلى الاتحاد الفيدرالي فقد انسحب سبعة نواب عارضوا مشروع الاتحاد من المجلس التشريعي ظهر الأربعاء 26 سبتمبر 1962م بعد مصادقة الجانب الحكومي على اقتراح حسن علي بيومي« كما أن هؤلاء السبعة المنسحبين قد أعلنوا أنهم سوف يقدمون استقالاتهم في حالة المصادقة على الاتفاقية في البرلمان البريطاني كما جاء ذلك »رفع أعضاء المجلس التشريعي المعارضون السبعة الذين انسحبوا في جلسة المجلس يوم الأربعاء رفعوا برقية إلى وزير المستعمرات البريطاني وأعلموه مواقف انسحابهم من المجلس احتجاحاٍ على اتفاقية لندن وطلب الأعضاء المعارضون السبعة رفض البرلمان البريطاني للاتفاقية لأنها لاتتماشى  مع آمال الشعــــب ورغــــباته وقال أحد الأعضاء بأن البرلمان البريطاني سينظر في أمر الاتفاقية في شهر أكتوبر القادم وأنه في حـــــالة موافقة البرلمان على الاتفاقيــــة فإن الســبعة الأعضاء المعارضين سيقدمون استقالاتهم من المجلس نهائياٍ.
 

 

مؤرخ وأكاديمي وله ٨١ مؤلفاٍ علمياٍ وأكاديمياٍ وأحد مناضلي حرب التحرير وأحد مناضلي حرب الاستقلال وأحد مناضلي الوحدة اليمنية الأوائل

 

 

 

Share

التصنيفات: حــوارات

Share