الآلاف ينتظرون الحرية.. معاناة الأسرى تتفاقم وتعنت المرتزقة يعرقل التبادل
الوحدة:
يُعدّ ملف الأسرى والمعتقلين من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدا في الأزمة اليمنية، إذ يختزل في تفاصيله جانبا عميقا من معاناة العدوان والحرب المستمرة منذ مارس 2015م.
الآلاف من الأسرى لا يزالون يقبعون في السجون، دون أن تلوح في الأفق حلول شاملة تُنهي هذا الملف أو تخفف من آثاره الإنسانية.
وعلى الرغم من تعدد المبادرات والاتفاقات، لا تزال الجهود الرامية إلى تنفيذ صفقات تبادل واسعة تصطدم بعراقيل مستمرة، تحول دون ترجمتها إلى واقع ملموس باستثناء صفقتي تبادل فقط لا يشكل المفرج عنهم 10% من أعداد الأسرى.. وإزاء هذا التعثر برزت مبادرات أحادية من جانب صنعاء، أفرجت بموجبها عن مئات الأسرى، دون أن تلقى استجابة مماثلة من الطرف الآخر، وهو الأمر الذي اعتبر مؤشرا على جدية صنعاء وحرصها على المضي في معالجة هذا الملف الإنساني.
أمل تلاشى
في الثالث والعشرين من ديسمبر من العام الماضي، تجدد الأمل لدى آلاف الأسر اليمنية، عقب الإعلان عن اتفاق في العاصمة العمانية مسقط، رعته الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، قضي بتبادل نحو 2900 أسير ومعتقل، بينهم سعوديون وسودانيون، وبحسب بنود الاتفاق، كان من المقرر أن تفرج صنعاء عن 1200 محتجز، بينهم 7 سعوديين و20 سودانيا، مقابل إفراج الطرف الآخر عن 1700 محتجز.
غير أن هذا الاتفاق، الذي مثّل بارقة أمل لعائلات الأسرى، سرعان ما واجه التعثر، إذ مضى إلى آلان أكثر من شهرين على الموعد المفترض لاستكمال الترتيبات النهائية دون تنفيذ فعلي، رغم النص في الاتفاق على تبادل الكشوفات وتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة أماكن الاحتجاز خلال شهر من توقيع الاتفاق، وهو ما أعاد الملف إلى دائرة الجمود من جديد.
جولة جديدة.. هل تنجح؟
لكن ملف الأسرى الآن عاد من جديد إلى واجهة المشهد مع انطلاق جولة جديدة، تأتي ضمن سلسلة مفاوضات بدأت في مسقط أواخر ديسمبر، ثم انتقلت إلى عمّان مطلع فبراير، قبل أن تستأنف مرة اخرى في أواخر مارس في العاصمة الأردنية عمان.
ورغم استمرار هذه المفاوضات، إلا أنها وفق مصادر لا تزال عالقة بين التقدم الجزئي والتعثر، حيث تم تحقيق اختراقات محدودة في بعض الملفات، خصوصا ما يتعلق بتبادل الأسماء، مقابل استمرار الخلاف حول قضايا رئيسية تعيق التوصل إلى اتفاق شامل.
مفاوضات الأسرى تتواصل في عّمان دون اختراق حاسم
وتشير المعطيات إلى أن هذه الجولة تفتقر إلى سقف زمني واضح، وعدم وجود قرار واحد بين الأطراف الموالية لتحالف العدوان وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، منها تحقيق تقدم محدود، أو ترحيل الملفات العالقة إلى جولات لاحقة، كما حدث في مرات سابقة.
الطرف المعرقل
يعزو مراقبون تعثر ملف الأسرى إلى تداخل التعقيدات السياسية وتعدد الأطراف المعنية، فضلاً عن غياب ضمانات دولية ملزمة لتنفيذ التوافقات المبرمة. وفي هذا الصدد، حمّل رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، عبد القادر المرتضى، الطرف الآخر مسؤولية المماطلة في تنفيذ الالتزامات، مؤكداً أن الجانب الوطني استكمل تجهيز كشوفات الأسرى منذ جولة مفاوضات مسقط، فيما لا يزال التأخير في تقديم القوائم المقابلة يشكل العائق الأبرز أمام إحداث خرق حقيقي في هذا الملف.

يقول المرتضى: “تأخير قوائم الأسرى ليس من قبلنا، فكشوفنا كانت جاهزة منذ جولة مسقط الأخيرة، والطرف الآخر هو من تأخر في تقديم قوائم الأسرى خلال الموعد المحدد.”
ويضيف “هناك اختلاف بين الأطراف التابعة للسعودية حول تنفيذ صفقة تبادل الأسرى، فبعض الأطراف تريد تنفيذ الصفقة، بينما أطراف أخرى لا تريد تنفيذها حاليًا لحسابات سياسية واختلافات بينهم.”
ويشير إلى أن هذه الانقسامات تُعدّ من أبرز أسباب تعطيل الاتفاقات، خصوصًا في ظل غياب طرف موحد يمكن التفاهم معه بشكل نهائي، كما يؤكد المرتضى الى ان “تبادل القوائم هو المرحلة الأصعب في كل الاتفاقيات السابقة، ويأخذ وقتا طويلا، خصوصا مع إشكاليات الطرف الآخر.”
ويضيف: “الطرف الآخر ليس طرفًا واحدًا، بل عدة أطراف، وكل طرف يحتفظ بمجموعة من الأسرى، ما يجعل عملية التبادل أكثر تعقيدًا.”
ورغم هذه التحديات، يبدي المرتضى تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم ويؤكد “نحن جاهزون لتنفيذ الاتفاق، ومستعدون للتعامل بإيجابية ومصداقية من أجل تنفيذ الاتفاق.”
ويشدد المرتضى”أبرمنا الاتفاق على أساس أن يُنفذ كاملاً وليس تنفيذًا جزئيًا، وهذا ما نسعى إليه خلال الفترة المقبلة.”
صفقتي تبادل فقط
وشهدت السنوات الماضية عدة صفقات لتبادل الأسرى، إلا أنها بقيت محدودة مقارنة بحجم الملف.
في أبريل 2023، تم تنفيذ صفقة تبادل أُطلق بموجبها نحو 900 أسير ومحتجز من الجانبين، بينهم سعوديون وسودانيون، بعد مفاوضات جرت في سويسرا برعاية الأمم المتحدة.
وفي أكتوبر 2020، نُفذت أكبر صفقة تبادل منذ بدء العدوان، حيث تم الإفراج عن 1056 أسيرا، في عملية رعتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كما شهدت السنوات الماضية عمليات تبادل محدودة جدا بوساطات محلية، لكنها لم تشمل أعدادا كبيرة، وظلت دون مستوى الطموحات، في ظل استمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عن جميع المحتجزين.
ويعود الأساس القانوني لهذا الملف إلى اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018، الذي نص على تبادل نحو 15 ألف أسير ومعتقل، إلى جانب ترتيبات أخرى، إلا أن تنفيذ هذا الاتفاق ظل متعثرًا حتى اليوم.
انتهاكات مستمرة ومعاناة متفاقمة
وفي ظل تعثر صفقات التبادل، تتواصل معاناة الأسرى داخل سجون المرتزقة، وسط اتهامات تطلقها لجنة شؤون الاسرى بارتكاب انتهاكات جسيمة بحقهم، تشمل التعذيب والإهمال الصحي.
وتؤكد اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى امتلاكها وثائق تثبت وقوع مثل هذه الانتهاكات، وفي المقابل، ينفي تعرض الأسرى لدى صنعاء لأي انتهاكات، مشيرا إلى دعوات متكررة للأمم المتحدة لزيارة السجون.
كما انتقد ضعف دور الأمم المتحدة في هذا الجانب، مؤكدًا عدم وجود تحرك جاد للكشف عن الانتهاكات، ومطالبًا المنظمات الدولية بالتحرك الفوري وزيارة أماكن الاحتجاز.
أبرز صور الانتهاكات
ويوضح تقرير أصدرته وزارة العدل وحقوق الإنسان ممثلة بالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أوجز تفاصيل عن حالة آلاف المختطفين والمعتقلين في سجون دول تحالف العدوان ومرتزقته، خاصة في سجون السعودية والإمارات، وفي دولـة إثيوبيـا، وكذلك في سجون مارب وعدن وحضرموت، التي تُديرها جماعات مسلحة تتبع حزب الإصلاح وحكومة المرتزقة، وجميعها موالية ومدعومة من دول تحالف العدوان على بلادنا اليمن.
حيث يشير التقرير إلى وجود أنماط متعددة من الانتهاكات، من بينها الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتنقل القسري بين السجون، إضافة إلى احتجاز مدنيين لا علاقة لهم بالنزاع.
وتشمل هذه الحالات اعتقال مسافرين، وطلاب، وأكاديميين، وعمال، بل وحتى جرحى تم احتجازهم أثناء تلقيهم العلاج، أو أشخاص تم توقيفهم بسبب أسمائهم أو الاشتباه بانتماءاتهم.
كما تشير الشهادات إلى تعرض المعتقلين لمعاملة قاسية، وسوء في التغذية، وإهمال طبي، إلى جانب التعذيب الجسدي والنفسي، الذي أدى في بعض الحالات إلى الوفاة أو الإصابة بإعاقات دائمة، وتؤكد هذه الممارسات، وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وقوع انتهاكات جسيمة تستوجب المساءلة.
مفاوضات الأسرى تتواصل في عّمان دون اختراق حاسم
تقرير حقوقي يوثق احتجاز 625 مدنياً في مارب
ويبرز التقرير قصصا لتعرض مئات المعتقلين من الرجال والنساء للتعذيب الممنهج، وبأساليب مختلفة وفي جميع الأوقات من قبل دول تحالف العدوان ومرتزقتها وأدت إلى وفاة وقتل العديد منهم، وإصابة الكثير منهم بشلل كليّ وآخرين بشلل نصفي، بينما هناك آخرون تم بتر أحد أطرافهم بشكل بشع ولا إنساني.
شهادة مفتوحة
يكشف مانع سليمان وهو احد المعتقلين في سجون الأمن السياسي بمارب عن تفاصيل صادمة لما تعرض له خلال فترة اعتقاله
وأكد سليمان في منشور له على “الفيسبوك” أنه تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى أساليب تهديد وابتزاز طالت كرامته وأسرته.
وقال سليمان إن اعتقاله جاء بعد اختطافه من الطريق اثناء سفره، مشيرًا إلى أن استقباله في السجن كان بحفلة تعذيب شديدة، حيث تم ضربه بالكيبل على ظهره وهو محاط بعدد من المحققين، بينهم شخص يدعى أحمد حنشل، والذي قال إنه كان يشاركه شخصيًا في تعذيبه، متهماً إياه بالوقوف وراء كافة الانتهاكات التي تعرض لها.
وأكد أنه قضى أكثر من عشرة أشهر في زنزانة انفرادية، تخللها ابتزاز نفسي شديد، بينها محاولة لتقليد صوت زوجته بغرض الضغط عليه، في أسلوب وصفه بـ”اللاإنساني والمنحط”.
وأوضح أن أصعب اللحظات كانت عندما أوهمه المحققون أن زوجته قيد التحقيق في الغرفة المجاورة، وطلبوا منه الحديث معها هاتفياً تحت التهديد.
كما أشار إلى أن التعذيب كان يتركز على مناطق حساسة في جسده كي لا يتمكن من إظهار آثار الضرب لاحقاً، مضيفاً أنه قضى أياماً طويلة عاجزاً عن النوم بسبب الآلام الشديدة.
وأكد مانع سليمان أن وجعه لم ينتهِ بخروجه من السجن، بل تفاقم بعد وصوله إلى منزله، حيث صُدم من الأثر النفسي العميق على أسرته، وسخرية بعض المقربين منه من معاناة زوجته، مشيراً إلى تعرضها لرسائل تهديد من الجهة ذاتها.
وفي ختام منشوره، أكد سليمان أن كرامته “أُهينت بشدة”، وأنه رغم الألم الكبير يمتنع عن الانتقام، لكنه أطلق ما سماه “نكزة” كإنذار.
إحصائيات صادمة!
ولا يقتصر ملف الأسرى على من أُسروا في الجبهات فقط، إذ تؤكد اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى أنه” يشمل كل يمني تم اعتقاله بسبب انتمائه أو تعاونه معنا أو أي مواطن جرى اعتقاله في الطرقات وتم إبلاغ اللجنة رسميًا من الجهات المختصة للمطالبة بالإفراج عنه”.
وفي ما يتعلق بأعداد وإحصائيات الأسرى في اليمن لا تتوفر أرقام دقيقة لعدد الأسرى، إلا أن التقديرات تشير إلى أعداد كبيرة، إذا أخذ في الاعتبار حملات الاعتقالات التي تطال الأبرياء والمدنيين من قبل المرتزقة.
في مشاورات ستوكهولم 2018، قُدمت قوائم بأكثر من 15 ألف أسير، بينما تشير مصادر حقوقية إلى أن العدد قد يصل إلى 20 ألفًا.

وتفيد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بأنها حصلت على معلومات عن أسماء أكثر من 1983 معتقلاً ومختطفاً في سجون دول تحالف العدوان ومرتزقتها بمحافظة مارب، مع أنّ العدد أكثر من ذلك، وهناك العديد منهم تم بيعهم للسعودية، واختطاف واعتقال أكثـر من2,700 مواطن في سجون سرية في محافظة تعز ، بالإضافة إلى مئات المخفيـيـن قسراً الذين لم يُعرف مصيرهم حتى اليـوم، واختطاف واعتقال آلاف المواطنين في سجون سرية في محافظتي عدن وحضرموت . وقد قامت الوزارة بجمع معلومات مفصلة عن مختطفين ومعتقلين في محافظة مأرب عمّا يقارب من 625 مواطناً مدنياً ، البعض ما زالـــــوا موجودين في سجون دول تحالف العدوان، مع العلم أنّ العدد أكبر بكثير مما تم ذكره بحسب ما جاء في التقرير، وهم في وضع سيئ.
دور محدود
ورغم رعاية الأمم المتحدة لمعظم جولات التفاوض، إلا أن دورها ظل محدودًا وضعيفا في ضمان تنفيذ الاتفاقات، ومنها اتفاق مسقط الاخير حيث تكتفي غالبا بتقريب وجهات النظر دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على الطرف المعرقل للتنفيذ، وهذا الواقع ساهم في تكرار تعثر الاتفاقات، وأضعف الثقة بقدرة المجتمع الدولي على إنهاء هذا الملف، ما جعل معاناة الأسرى مستمرة، ومرهونة بحسابات سياسية أكثر من كونها قضية إنسانية ملحة.
Comments are closed.