نص المحاضرة الرمضانية الـ 26 للسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 1447هـ
نص المحاضرة الرمضانية السادسة والعشرون، لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 27 رمضان 1447هـ 16 مارس 2026م:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
وصلنا في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، على ضوء الآيات القرآنية المباركة من عِدَّة سورٍ في القرآن الكريم، إلى مشهدٍ مهمٍ في هذه القصة، وهو: ذهابه مع أخيه هارون إلى قصر فرعون؛ لإبلاغ الرسالة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
رسالة موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” هي إلى فرعون في المقدِّمة؛ باعتبار- كما ورد في القرآن الكريم، التأكيد على أنه: {إِنَّهُ طَغَى}[طه:24]- ما هو فيه من طغيان، وسيطرة على الوضع كله في مصر.
فيما يتعلَّق بقومه، وملئه، وأعوانه، هم معه، يتَّجهون معه كل الاتِّجاه، إلى درجة العبادة له، والتأليه له، والخضوع المطلق له.
أمَّا وضعية بني إسرائيل، فكانوا أمة مستضعفةً، مستعبدةً، مضطهدةً، مظلومةً، مقهورةً، مغلوبةً على أمرها، في حالة اضطهاد، واستعباد، وامتهان شديد، ومصادرة لحُرِّيَّاتهم ولقرارهم، ولأي إرادةٍ لهم.
ولذلك اتَّجهت الرسالة في البداية إلى فرعون لمخاطبته؛ لإقامة الحُجَّة عليه، ولكن ستصل هذه الدعوة وهذه الرسالة إلى المجتمع بكله، سواءً مجتمع فرعون، أو بني إسرائيل، كما سيتَّضح لنا من خلال القصص القرآني المبارك.
ذهب موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام” إلى قصر فرعون بمفردهما، ومع موسى عصاه الخشبية التي يتوكأ عليها، وهما ينتميان إلى فئةٍ مستضعفةٍ، مضطهدةٍ، مقهورةٍ، مغلوبةٍ على أمرها، ويذهبان إلى قصر فرعون، بِأُبَّهة سلطانه، في ذروة تسلُّطه، وطغيانه، وإمكاناته، وأُبَّهة ملكه، وما يمتلكه من إمكانات وقدرات، وحوله الملأ: كبار دولته، من: قادة، ووزراء، ووجهاء… وغير ذلك، ولأنهما (موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”) ولأنهما محاطان بالرعاية من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” كما وعدهما الله: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه:46]؛ فقد تمكنا من الدخول، والوصول إلى فرعون، وحين وصلا كان حوله الملأ، كما في الآيات القرآنية، يعني: كبار رجال دولته، في بعض السِّير والتواريخ: أنهم كانوا بقدر خمسمائة شخص، من: القادة، والوزراء، والمسؤولين، والوجهاء، كانوا حاضرين معه في ذلك اللقاء.
حين وصل موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، قاما بإبلاغه بالرسالة، وقد تضمَّنت الرسالة في محتواها الذي بلَّغاه عناوين أساسية، ونركِّز على ما ورد في بعضٍ من السور القرآنية: (سورة طه، وسورة الشعراء، وسورة الأعراف)؛ لأن الآيات القرآنية كثيرة عن هذا الموضوع، ولكن بهدف الاختصار:
– العنوان الأول كان هو: التذكير له بربوبية الله له وللعالمين:
أن الله هو ربُّه وربُّ العالمين جميعاً، وهما مرسلان من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، من ربِّ العالمين، والتذكير لفرعون أنَّه عبدٌ لله، وهما رسولان إليه من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي هو ربُّه؛ ولهذا أتى في التعبير القرآني: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ}[طه:47]، يخاطبانه بهذا الخطاب: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:16]، وفي بعض الآيات: {رَسُولَا}[طه:47]، لكن لأن دورهما واحد، وهما في مهمةٍ واحدة، أحياناً يأتي التعبير بعبارة: (رَسُولُ)، وأحياناً: (رَسُولَا)، {رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:16]؛ ولذلك هما يوضحان له أنهما في رسالةٍ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي هو ربُّ العالمين، وتركيزهما كان على التعبير بمفردة (رب، رب)، تكرَّر هذا كثيراً، وهناك أهميَّة لهذا الموضوع في هذا السياق نفسه:
أولاً: في الربط ما بين الربوبية والألوهية؛ لأن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو ربُّ العالمين، هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، خلق هذا الكون بكله، وبكل ما فيه من كائنات ومخلوقات، وهو “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” المدبِّر لشؤون هذا العالم بكل ما فيه، فهو الرَّبّ، المالك، الخالق، المنعم، الرازق، فهو وحده من يستحق العبادة، وله الكمال المطلق، ما عداه مخلوق ضعيف، مفتقر إلى الله، محتاج إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ليس في مستوى أن يكون إلهاً لغيره من المخلوقات وهو كمثلها: في الافتقار إلى الله، في الحاجة إلى الله، في أنه مملوك لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ ولذلك يذكرانه بهذه الحقيقة.
وأيضاً مِمَّا يذكر في السِّير والتواريخ: أنَّ فرعون كان قد اتَّخذ قراراً بمنع أيِّ ذكرٍ لله باسمه، يعني: منع ذكر اسم (الله)، (الله) هناك حظر ومنع، في مستوى طغيان فرعون، وكفره، وإلحاده، وشركه، وصل إلى هذه الدرجة من الطغيان: ادَّعى لنفسه الألوهية والربوبية، ومنع حتَّى من الذكر لاسم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، فتركيزهما على عنوان (ربّ)، هو مِمَّا يفيد فيما يتعلَّق بالآخرين، بالذين سيؤمنون وسيتَّجهون معهما في إطار الدعوة، في إطار الاتِّباع للرسالة الإلهية، وسيأتي لنا أيضاً الإشارة إلى مرَّة واحدة ذُكِر فيها اسم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” بلفظ الجلالة (الله)، في هذا السياق نفسه.
على العموم، هما ركَّزا على هذا العنوان: (عنوان الربوبية)؛ لأنه- كما ذكرنا أيضاً- أساس في موضوع الألوهية، أنَّ الرَّبَّ وحده ربُّ العالمين، ربّ هذا العالم بكله، وفرعون لا يستطيع أن يدَّعي لنفسه أنَّه ربُّ العالمين؛ لأنه حتَّى على مستوى سلطته كانت مقتصرة على مصر، بحدودها الجغرافية آنذاك، ربما كانت تمتد إلى بعض المناطق أيضاً في جهات خارجة عنها في هذا العصر، لكن حتَّى سلطته ونفوذه وسيطرته كانت محدودة، على مستوى منطقة معيَّنة.
كذلك لا يستطيع أن يدَّعي لنفسه أنَّه الذي يخلق، أو يرزق، أو يدبِّر شؤون السماوات وأرض، أو يحرِّك الشمس والقمر، أو يدير شؤون النجوم… أو أيِّ شيء، ولا يستطيع حتَّى أن يدَّعي لنفسه أنَّه خلق نفسه، أو أجد نفسه، أو منح نفسه ما أعطاه الله من الحواس، أنَّه الذي أعطى لنفسه حاسة السمع، أو البصر… أو أي شيء.
لذلك الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي هو ربُّ العالمين، الذي خلق، ووهب هذه المخلوقات ما وهبها من خصائص، من مدارك، من حواس، من إمكانات، وهو “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي يدير حركة هذا الكون بنجومه، وبشمسه، بقمره… بكل ما فيه؛ فهو ربُّ العالمين، هو وحده الذي له الكمال المطلق، وهو وحده المالك لكلِّ شيء، الخالق لكلِّ شيءٍ من المخلوقات، فهو الجدير وحده بالعبادة له، هو وحده الإله الحق.
فهما يذكرانه بهذه الحقيقة، ويبينان له أنهما لا يقدِّمان ما يقدِّمان له من تلقاء نفسيهما، يعني: موسى- مثلاً- يتكلم من تلقاء نفسه، أو بصفته الشخصية، فهما في مهمة رسالية من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي هو الرَّبُّ والإله.
التذكير له بهذه الحقائق فيها أيضاً دعوةٌ له إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، إلى العبادة لله، إلى التَّوَجُّه وفق الحقائق الثابتة، في أنَّه مجرَّد عبد مخلوق لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي خلقه، والذي وهبه ما وهبه من قدرات، ومدارك، وحواس، وأنعم عليه بما أنعم عليه من غذاء وغيره، كغيره من المخلوقين، فهي دعوةٌ له إلى الله، كما في الآية القرآنية في (سورة النازعات)، {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات:18-19]، هذه أيضاً دعوةٌ له إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
هذا كان هو العنوان الأول فيما قدماه له، في الرسالة إليه: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ}[طه:47]، {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:16].
– العنوان الثاني في الرسالة هو: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الشعراء:17]، إنقاذ الأُمَّة المستضعفة المضطهدة، التي كان يستضعفها ويستعبدها:
يعني: كان يُرغِم بني إسرائيل- في ظل استضعافهم- إلى أن يعترفوا بأنهم عبيدٌ له، ثم يمتهنهم أسوأ الامتهان، يعني: يشغِّلهم في الأعمال الشاقة كعبيد، كعبيد، في أشق الأعمال، وفي المهن المسترذلة، وفي أشكال الخدمة التي يعتبرهم فيها كعبيد، ويرغمهم على الاعتراف بذلك، وأن يؤلِّهوه، أن يؤلِّهوه، وأن يعترفوا به كإله، ويضطهدهم أشد الاضطهاد، الممارسة معهم بكلها ليس فيها أي شيء من العدل، كلها قائمة على الظلم، على التَّعَسُّف، على الإذلال، على القهر، على الاضطهاد بكل أشكاله.
ولهذا في الآية الأخرى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ}[طه:47]؛ لأنه كان يمارس معهم التعذيب، يستعبدهم مع احتقار وعداء، هو يعاديهم ويكرههم، مثلما يسعى له الآن من يقومون بدور فرعون في الطغيان: (اليهود الصهاينة)، هم الآن في هذا المقام الذي فيه فرعون في مستوى الطغيان، والتَّكَبُّر، والإجرام، هم يريدون أن يستعبدوا أُمَّتنا الإسلامية، مع الحقد عليها، والاحتقار لها، والعداوة الشديدة لها، والحالة هذه حالة خطيرة جداً، فهذا أمرٌ من الله لخلاص أولئك المستضعفين، تلك الأُمَّة المستضعفة.
وأبلغاه بأنَّ معهما آية من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ}[طه:47]، آية تدل على صدقهما، وعلى الحق، {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}[طه:47]، وهذه بشارة؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والإنذار، فهم يبينون له أنَّه إذا اتَّبع الهدى فسيحظى بالسلامة والأمن، وكذلك يرفق مع ذلك الإنذار له، والتحذير من عاقبة التكذيب: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[طه:48]، وهذا الإنذار، في رسالة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” بشارة لمن يؤمن، لمن يقبل بالحق الواضح، بالهدى الذي ينبغي للإنسان أن يقبله؛ لأن فيه الخير له، هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو خير، هو نور، هو كرامة للإنسان، ليس لدى الإنسان ما يبرِّر له تكذيبه بهدى الله، وبآيات الله، وبالحق الذي من عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لأن الحق والهدى أصلاً هو لكرامة الإنسان، للخير للإنسان، لفلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، فذلك إنذارٌ أيضاً: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[طه:48].
لغير العادة استمع لهما فرعون، وأصغى لهما، حتَّى أكملا، أكملا كلامهما، وهذا أيضاً من مظاهر الرعاية الإلهية، وما أعطاهما الله من الرعاية والحماية، في مقابل ما كان عليه فرعون من طغيان، وتكبُّر، وغطرسة، وإجرام، هذا الكلام من أكبر ما يمكن أن يستفزَّه، يعني: كان من المتوقَّع لو كانت الأمور بدون رعاية من الله، ولا حماية من الله، أنَّه أول ما سمع بمجيء موسى، وأُبْلِغ بأنه خارج القصر يريد أن يدخل إليه، أن يأمر بقتله على الفور؛ لأنهم كانوا في الأساس يريدون قتله، وأن يجعلوا من الحادثة التي حصلت سابقاً مبرِّراً لقتله، وهم حاقدون عليه، وفيما هم عليه من طغيان لا يبالون بشيء، ولا يتحرَّجون من مثل ذلك، ثم عندما دخل موسى وهارون بمفردهما، تلك الوضعية التي هما فيها، كان من الممكن ألَّا يصغي لهما فرعون أصلاً، لكن الله أحاطهما برعايته، وحفظه، وحمايته.
فرعون بعد أن سمع كلامهما، اتَّجه إلى التعامل بسخرية وتمنُّن، ويريد أن يقول أنَّه من المستحيل أن يكون موسى رسولاً، وفي هذا المستوى من المقام، ليأتي ليوجِّه مثل هذه الدعوة، ويقدِّم مثل هذه الرسالة، ويخاطب بمثل هذا الكلام فرعون، فرعون الذي يعتبر نفسه ليس فقط ملكاً؛ وإنما إلهاً؛ ولذلك كيف كان ردُّه على موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”؟
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}[الشعراء:18]، يعني: كيف تقدِّم نفسك بأنك رسول، وأنت ذلك الإنسان الذي كان حتَّى في طفولته بدون أسرةٍ تؤويه وتربِّيه؛ وإنما نحن من قمنا بتربيتك، ونحن نعرفك إنسان عادي، مسكين، قمنا بتربيته؛ لأنه لم يكن له من يربِّيه، وهو بهذا أيضاً يتمنَّن من جهة، ويحاول أن يقدِّم شخصية موسى شخصية مسكينة، مستضعفة، حاله حال أي إنسان مستضعف، ليس في مستوى أن يكون له هذا الدور، وأن يأتي ليخاطب فرعون بهذا الخطاب، يعني: كما لو يقول القائل: [من أنت يعني حتَّى تكلِّمني بهذا الكلام، وحتَّى تخاطبني بمثل هذا الخطاب].
{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[الشعراء:19]، يعني: ولم يكفك أنَّك كنت مجرَّد إنسان قمنا بتربيته، وأحسنَّا إليه بهذا الإحسان، حتَّى كفرت بذلك الإحسان إليك، والنعمة عليك، بما فعلته، {فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ}[الشعراء:19]، وهو يشير إلى حادثة القتل، التي لم تكن مقصودة، في القصة السابقة التي تحدثنا عنها في محاضرة ماضية.
وهنا يظهر كيف كان موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” محاطاً برعاية الله؛ لأن فرعون هنا يذكر تلك الحادثة، ويشير إليها بهذا التعبير: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ}[الشعراء:19]، وهو يقصد حادثة القتل، وهي حادثة كان من الممكن أن تُستغل لقتله على الفور، ولكنَّه كان محفوظاً من الله، وإلَّا فرعون قد تذكَّر الحادثة وانتبه لها؛ وإنما هنا يوبِّخ موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” على أنَّه بما فعل كفر النعمة، ولم يشكر نعمة فرعون، مثلما يتصوَّر فرعون أنه أنعم عليه بتربيته، وهذا أيضاً مِمَّا يعتبره قادحاً، قادحاً في أن يكون موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في مستوى من يأتي ليدل فرعون على الهدى والحق، ويخاطبه بالرسالة الإلهية، يقول له: [أنت صاحب مشكلة، وقضية، وحادثة جنائية، ومطلوب بها، ولم تقدِّر الجميل والإحسان إليك]، يعني: أنت مستوى أقل من أن تكون مؤهَّلاً لمثل هذا الدور، تأتي لتنصح وترشد، وباسم الرسالة الإلهية.
فهذا كان من خبث فرعون، يحاول حتَّى في مقابل الملأ المحيط به والمستمعين لما يجري من نقاش، أن يصنع حاجزاً بينهم وبين التَّقَبُّل من موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، يريد منهم أن ينظروا إلى موسى هذه النظرة: أنَّه بهذه الشخصية، التي هي شخصية ليس بيدها شيء، لا تمتلك شيئاً، أتت من واقع استضعاف؛ وإنما حظي بالتربية عند فرعون، ثم شخصية أيضاً أساءت إلى ذلك الجميل، ولها قضية جنائية، ولها هذا التَّصَرُّف في التَّنَكُّر للإحسان، يعني: ليس بمستوى أن يكون من يقدِّم مثل هذا النصح، وهذا الهدى، وهذا الحق، وباسم الرسالة، فهو يريد أن تكون النظرة أيضاً من الملأ ومن الآخرين إلى موسى بهذه النظرة: إلى أنَّه شخصية بعيدة عن أن تكون في مستوى هذا المقام، وهذا الدور.
نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” ردَّ عليه: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء:20-21]، أجاب أولاً عن قضية الحادثة: (حادثة القتل)، وأنَّها حادثة ليست عائقاً، ولا مانعاً، ولا محسوبةً على موضوع الرسالة؛ لأنَّها حادثة حصلت بالخطأ، في زمنٍ ماض، وموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في تلك المرحلة لم يكن لديه مشروع عملي متكامل، كان يواجه حالة المظالم والجرائم التي يرتكبها الفراعنة كحوادث: حادثة هنا، مشكلة هنا، قضية هناك، لم يكن لديه البرنامج والمشروع الجامع، الذي يعالج المشكلة من جذورها، ويواجه القضية بشكلٍ عام؛ ولذلك يقول: أنا في تلك المرحلة لم يكن لدي مشروع أتحرَّك فيه، وهي قضية حصلت بالخطأ، ونتج عنها متاعب لي أنا شخصياً، اضطررت إلى الفرار منكم، والخروج من البلاد بكلها، والتَّشَرُّد، والغربة لفترة طويلة، ولكن أنا الآن أتيت في إطار مشروع عظيم من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي وهب لي حكماً، أعطاني الحق والهدى، الذي فيه الخير والخلاص بكله، وفعلاً فيه الخير والخلاص لكل ذلك المجتمع لو آمنوا، حتَّى لفرعون لو آمن.
{فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء:21]، فهو يؤدِّي مهمته باعتباره رسولاً من عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ فلذلك ليس هناك مبرِّر في أن تحسب تلك الحادثة التي حصلت في زمنٍ ماض، بطريقة الخطأ، وفي إطار وضع كان قائماً، وكان وضعاً أيضاً ناتجاً عن طغيان فرعون، فرعون وقومه، فهو يقول: أنَّه لا مبرِّر لهم في أن يحسبوا تلك المشكلة على موضوع الرسالة، التي يُبَلِّغهم بها في تلك اللحظة.
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الشعراء:22]، وهذا جواب عن تمنُّنه بالتربية له، يقول: ما حصل هو كان نتاجاً لظلمك ولاستعبادك لبني إسرائيل، هذا هو ما اضطر أم موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” إلى أن تلقيه، تقذفه في التابوت، ثم تقذفه في اليم، ثم وصل إلى فرعون، هذا كان بسبب ما يمارسه من ظلم وطغيان ضد بني إسرائيل، إلى درجة الاستعباد الكامل لهم، والذبح لأبنائهم، فهي مغمورة بالظلم والعدوان الذي هو سببها، يعني: أنَّ السبب في ما حدث كان هو ظلم فرعون، وطغيان فرعون، وإجرام فرعون، لم يكن جميلاً أسداه من باب خيرٍ ومعروف، بل في ظل وضعٍ مأسويٍّ، مليءٍ بالظلم والإجرام من صُنْعِه، من صنع فرعون.
وهنا أُفْحِم فرعون، وتلقى الجواب الكافي على محاولة أن يثير قضايا هنا وهناك؛ للقدح في رسالة موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”؛ فانتقل إلى المواضيع الرئيسية، التي وردت في إبلاغهما له بالرسالة؛ ليثير حولها الجدل والنقاش:
العنوان الأول: عنوان الربوبية، واستخدم فرعون أسلوب (الاستفهام والتساؤل)، {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى}[طه:49]، هذا التساؤل بهذه الطريقة، هو يعرف- بالنسبة له- أنهما عندما تحدثا هما يتحدثان عن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ولكنَّه يتعمَّد أن يجعل الموضوع موضوع تساؤل، وجدل، ونقاش.
{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ}[طه:50]، وهو وجَّه الكلام إلى موسى؛ لأنه يعرف أنَّ دور موسى هو الأساس، وأنَّ هارون معاون لموسى “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، فأجاب عليه موسى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه:50]، يعني: الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو الذي خلق كل المخلوقات، وأعطاها في خلقه لها ما زوَّدها به من: جوارح، وأعضاء، وحواس، وطاقات، وقدرات، ومشاعر، وما يميِّز كلاً منها على كثرتها، وما يخصه، وصورها، وأشكالها، مع الهداية لها في أسباب معيشتها، ومصالحها، ومنافعها، ومضارِّها، بأنواع الهداية، من غرائز، من فطرة، من مدارك، من إلهام، إضافةً إلى أنَّه بالنسبة للبشر أعطاهم أيضاً الهداية التشريعية، والهداية أيضاً بالتعليمات، مضافةً إلى كل ذلك، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو الرَّبُّ، الخالق، المنعم، المربِّي، الرازق، المالك، فهو من له الكمال المطلق؛ أمَّا كل المخلوقات فهي مفتقرة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، مفتقرة إلى ما يعطيها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والله وحده هو الجدير بالعبادة، وله الحق وحده في العبادة له، هو الذي يستحق العبادة وحده، وله في خلقه وعباده حق التَّصَرُّف، وفي البشر والكائنات التي يكلِّفها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” حق الأمر والنهي.
هناك أيضاً في نفس التساؤلات، سؤال آخر: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:23]، يعني: ما هي حقيقتهم؟ هناك: من هو ربكما؟ وهنا: ما هي حقيقتهم؟ ما أصله؟
وأجاب عليه موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، قال له موسى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}[الشعراء:24]، فالسماوات والأرض- لأن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ليس له ماهيَّة كالموجودات، المخلوقات، المصنوعات، يعرَّف بها، ماهيَّة شكل، أو ماهيَّة صورة، أو أي ماهيَّة مِمَّا تختص بها المخلوقات من دلائل الخلق فيها، ولكنه يعرف بآياته، وهذه آياته الكبرى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}[الشعراء:24]- فالسماوات والأرض وما بينهما، هذا الكون بكل ما فيه، هو خلقه، وتحت ربوبيته، وتدبيره، والله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” بهذا هو وحده الذي تحق له العبادة.
وفرعون يعرف هذه الحقيقة، يعني: يعرف أنَّه ليس له ربوبية على السماوات والأرض، هو فقط يسيطر بالغلبة، والقهر، والسلطة، والحكم، على منطقة واحدة، والساكنين فيها، هي مصر آنذاك؛ ولذلك هنا في احتجاج موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، احتجُّوا عليه بأنَّ موضوع الربوبية والألوهية هو ليس موزَّعاً، مفرَّقاً، بين من لهم سلطة على منطقة هنا أو هناك؛ إنما هو لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي هو ربُّ السماوات والأرض بكلها، ربُّ العالمين، ربُّ هذا الكون بأجمعه، هو وحده الذي تحق له العبادة، ليست المسألة بهذه اللعبة، أن توزَّع الألوهية والربوبية لأصحاب السلطات، فهذا ربّ في تلك المنطقة، وهذا ربّ في تلك المنطقة؛ لأن كل المخلوقات هي مربوبة، مملوكة لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي هو ربُّ العالمين أجمعين، وربُّ السماوات والأرض وما فيهما، فهذا دليل واضح ومقنع.
فرعون أيضاً كان سأل موسى عن المعاد، يعني: عن الآخرة، وقال: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى}[طه:51]، يعني: الأمم الكثيرة التي قد بادت وهلكت على كثرتها، كيف يمكن أن يبعثها الله ويحاسبها؟
وأجاب عليه موسى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}[طه:52]، يعني: لا يغيب عن علمه شيء، ولا يشتبه عليه شيء، ولا ينسى أحداً من البعث، ولا في الحساب على الأعمال.
فرعون بعد هذه التساؤلات حول الربوبية والألوهية، وبعد الإجابات القوية، بالبراهين الواضحة، والدلائل البيِّنة، أنَّ أمر الربوبية والألوهية هو لربِّ السماوات والأرض، ربِّ الخلائق أجمعين، الذي يدبِّر شؤون هذا الكون بكله، ما عداه مخلوق ضعيف، مربوب، مملوك، مقهور، وُجِد، ويفنى، ويعدم، محتاج إلى الله فيما يعطيه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لكن فرعون اتَّجه بأسلوب آخر، بدلاً عن النقاش في هذا الموضوع، اتَّجه إلى السخرية والاستهزاء من كلام موسى عن الربوبية: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ}[الشعراء:25]، الملأ الذين قد أحاطوا به، {أَلَا تَسْتَمِعُونَ}[الشعراء:25]، يعني: يتظاهر بالاستهزاء والسخرية، وكأن ما يقوله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” كلام سخيف، كلام غير منطقي، كلام غير مفهوم.
ولكن موسى واصل دعوته وتبيينه واحتجاجه: {قَالَ رَبُّكُمْ}[الشعراء:26]، يعني: هو الذي خلقكم، وأحياكم، وهو المالك لكم، وهم يعرفون هذه الحقيقة؛ لأنهم يعرفون أنَّ فرعون ليس هو الذي خلقهم، ولا هو الذي منحهم ما فيهم من حياة، من حواس، من مدارك، من جوارح، من أعضاء، وليس هو المربِّي لهم، وليس هذا العالم عالمه ولا أرضه؛ إنما الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو الذي خلق كل ذلك، وهو الذي خلق فرعون، فرعون بنفسه يعرف هذه الحقيقة تجاه نفسه، ليس هو الذي خلق نفسه، ولا زوَّدها بشيءٍ من حواسها.
{قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}[الشعراء:26]، يعني: هو الذي خلقهم، ورزقهم، وأحياهم، هو المالك لهم، والأولى بهم، {آبَائِكُمُ}[الشعراء:26]، الذين أنتم منهم وأنتم نسلهم، وهذه أيضاً من الحقائق الواضحة، الدامغة، البيِّنة، البديهية، التي يعرفها الإنسان بالضرورة.
{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}[الشعراء:27]، اتَّجه إلى الدعاية بالسخرية، والاستهزاء، والاتِّهام بتهمة الجنون، يعني: [هذا يهذي، هذا مجنون، ويهذي بهذا الكلام، لا تصدقوه، أي رسول هذا؟! هذا يهذي بكلام لا قيمة له].
وموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” استمر في الاحتجاج بهذه البراهين والدلائل الواضحة، دلائل كبرى، ودلائل واضحة، ودلائل بديهية، يعني: ليست أدلَّة معقَّدة وغامضة لا يستطيع أن يفهمها إلَّا الفلاسفة، يفهمها الإنسان بكل بساطة من دون عناء، وهي- في نفس الوقت- دلائل كاملة، دلائل تامَّة في حُجِّيَّتِها وبرهنتها على الحق.
{قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]، يعني: المدبِّر لحركة الشمس، في شروقها، وغروبها، ومنازلها المنتظمة، وفرعون يعرف أنه ليس له أي علاقة بهذا الموضوع، يعني: لا يستطيع فرعون أن يدَّعي لنفسه أنَّه من يدير حركة الشمس: في شروقها، في غروبها، في منازلها… إلى غير ذلك؛ فإذاً هو مخلوق في هذه الأرض كغيره من البشر، كسائر الناس، مثل أي واحد منهم، خلقه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” عبد مخلوق ضعيف، لا يستطيع أن يتدخَّل في تدبير شؤون هذا الكون وأمور هذا العالم، حتَّى يدَّعي لنفسه الألوهية والربوبية.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]، يعني: فالله وحده هو الرَّبُّ المدبِّر، المنعم، الخالق، المالك، الجدير وحده بالعبادة والألوهية، الذي له الكمال المطلق، وبيده ملكوت كل شيء.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]، يعني: هذه دلائل واضحة، إذاً فمن الذي يهذي كهذيان المجنون:
– من هو إنسان كغيره من الناس، وُلِد في زمن معيَّن، ونشأ كغيره من المخلوقات، كغيره من البشر، إنسان ضعيف، ثم في مرحلة معيَّنة، لأنه ملك مسيطر على منطقة معيَّنة؛ يدَّعي لنفسه الربوبية والألوهية، ويريد أن يتحكَّم في الناس ويمنعهم حتَّى من عبادة الله، ويريد من الناس أن يؤلِّهوه، وأن يطيعوه في كل شيء: في الباطل، والضلال، والطغيان، والإجرام؟
– أو من يأتي ليقول: أنت عبدٌ مخلوق، والذي هو جديرٌ بالألوهية هو الله مدبِّر شؤون هذا الكون بكله، الذي خلقك، وخلق كل الناس، خلق كل هذا العالم، خلق هذه الأرض، خلق هذه السماوات، الذي يدبِّر شؤون هذا الكون، الذي يحرِّك هذه الشمس في منازلها، في شروقها، في غروبها، هذه الأرض في دورانها، في حركتها، كل هذا العالم بكل ما فيه؟
من الواضح عندما قال: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]، يعني: أنها دلائل بديهية واضحة؛ ولذلك من يهذي هذيان المجنون هو فرعون، المتغطرس، بقيَّة المخلوقات هي تعتمد على الله في وجودها، في حياتها، على نعمه، فموسى يدعوهم إلى الله الخالق، المدبِّر لشؤون السماوات والأرض.
أُفْحِمَ فرعون، واتَّجه لمنطقٍ آخر: انتقل إلى لغة الطغيان، لغة التهديد والوعيد، {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}[الشعراء:29]، يعني: ليست هذه المسألة مِمَّا يخضع للنقاش، ولا للاختيار، المسألة إجبارية، ليست مسألة مبنية على الحُجَّة والبرهان، وهل هو بالفعل يستحق الألوهية أو لا يستحقها؟ هو قد قرَّر ذلك، وألزم الناس بذلك، ومن يخالف يسجن، فالموضوع لا يتعلَّق لا بالحُجَّة، ولا بالبرهان، ولا بالحق، بل بالقرار والطغيان الذي يمارسه، {لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}[الشعراء:29]، فهو كان إمَّا يُعْدِم، أو يسجن، من يتَّخذ إلهاً غيره، كان يمنع حتَّى من ذكر اسم الله.
لذلك نجد- مثلاً- في سياق النقاش في ذلك المقام، ورد في آية واحدة الحديث: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}[الأعراف:104-105]، وما بعدها ركَّز على عبارة (ربِّ).
بعد هذا التهديد من فرعون، واجه موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” تهديده بالمعجزة، الآية العجيبة، {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ}[الشعراء:30]، وهذا الأسلوب ألجأ فرعون إلى طلب ذلك، وهذا من مظاهر: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21]، أن يتيح الفرصة، أن يتَّجه ليطالب، ليقول: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}[الشعراء:31]، يعني: (شَيْء مُبِين): يبيِّن لك الحقيقة، ويثبت صدق هذه الدعوى، وهذه الحقائق.
اتَّجه فرعون إلى أن يطالب موسى أن يأتي بهذه الآية التي معه، بهذا الشيء الذي يبيِّن ويثبت هذا الحق، وهذه الدعوة، {فَأَلْقَى عَصَاهُ}[الشعراء:32]، وهنا كانت المفاجأة، العصا الخشبية التي في يده، فرعون لا يتوقَّع أصلاً، لم يكن قد عرف بما قد حصل لموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، كانت مفاجأة كبرى لفرعون ولملئه، وأثارت الرعب والفزع في قلوبهم، {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ}[الشعراء:32]؛ لأنه فور أن ألقاها جعلها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ثعباناً، يعني: أفعى، أفعى عظيمة، كبيرة، (ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) بشكل واضح؛ لأن الله جعلها كذلك، أحياها لتكون ثعباناً عظيماً.
ثم ما بعد هذه الآية، وما أثارته فيهم من الرعب والفزع، وبالتأكيد بعد أن أخذها موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، فأعادها الله إلى سيرتها الأولى (عصاً خشبية)، أضاف إلى ذلك أراه الآية الثانية: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}[الشعراء:33]، يعني: جميلة المنظر في بياضها الناصع النوراني.
هنا نجد أنَّ موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” أقام الحُجَّة في الاستدلال، والبراهين، والدلائل، ثم مع ذلك بالمعجزات، ولكن طغيان فرعون، وتعنته، واستكباره، كان سبباً لخذلانه؛ فلم يقبل بالحق، واتَّجه إلى العناد والتكذيب رغم ذلك، واختلق دعايةً باطلة: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}[الشعراء:34]، يعني: لديه علم كبير بالسحر، وخبرة كبيرة به.
نكتفي بهذا المقدار.
وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
Comments are closed.