أسواق الحراج ملاذ الفقراء لكسوة العيد

نجيب علي العصار

بين فرحة العيد ومرارة الواقع، تبرز أزمة أسعار الملابس لتعمق جراح الأسر؛ فواجهات المحلات التجارية التي كانت تزدحم بالزبائن باتت اليوم مقصداً للنظرات الحزينة فقط.

ومع ارتفاع أسعار الملابس تضطر الكثير من الأسر للذهاب إلى أسواق “الحراج” كخيار وحيد لمواجهة العوز وعدم توفر السيولة المالية الكافية لإدخال الفرحة على قلوب صغارهم بملابس جديدة.

تقول أم صلاح إنها، وتحت ضغط الظروف، لجأت لشراء ملابس لأطفالها الثلاثة من حراج نشوان الكائن بحي الصافية بأمانة العاصمة صنعاء، مشيرة إلى أن مبلغ 20 ألف ريال يكفي لكساء أطفالها الثلاثة من الحراج، في حين أن المبلغ نفسه لا يكفي لكسوة طفل واحد لو قررت شراء ملابس جديدة.

وتضيف بحسرة: “لم نقدر على كساء أولادنا من المعارض كسوة العيد، لذلك لجأنا إلى الحراج الذي وجدناه رخيصاً، نلبس عيالنا مستخدم، ونقضي حاجتنا على قدر حالنا”، في إشارة منها إلى أن هذه الملابس تمثل كسوة عيد الفطر لأولادها بقدر حالها.

أسعار معقولة

وفي ذات السياق، تنتقي (سلوى) من بين ركام الملابس كسوة طفليها من ذات الحراج، محاولة توفير حاجتها بقدر ما تملك من مال ليستقبل الأطفال عيدهم بلباس مستخدم (تنزيلات).

وتقول والدة الطفلين لـ”الوحدة” إنها وجدت الملابس غالية الثمن بشكل جنوني، ولم تستطع شراء حاجتها وأطفالها من الملابس في المعارض التجارية بصنعاء.

وتوضح سلوى أن هذا الحراج يبيع ملابس نظيفة وبأسعار معقولة تتراوح ما بين (2000 – 3000) ألف ريال للقطعة الواحدة، وهو ما يتناسب مع حالة أسرتها المادية، وتضيف الأم: “نعثر من هنا على ملابس نظيفة نلبسهم رغم قدمها، لكنها تبدو أفضل حالاً من لا شيء”.

وتختتم حديثها بالتأكيد أن أسواق الحراج أصبحت مهمة جداً بالنسبة لها ولأمثالها من الفقراء، لأنه -على حد قولها- “لن يجد الفقراء غير الحراج لشراء ملابس وغيرها، ففي المعارض الملابس أسعارها مرتفعة جداً في العيد أو غير العيد، ولن يكفي حالهم إلا الحراج”.

حمى الأسعار

وفيما تشهد الأسواق المحلية قفزة غير مسبوقة في أسعار الملابس الجاهزة، يجمع مواطنون على أن الأسعار تضاعفت بشكل لا يتناسب إطلاقاً مع مستويات الدخل أو الرواتب. يقول المواطن بشير مثنى، وهو أب لأربعة أطفال يسكن في مدينة صنعاء: “راتبي لا يكاد يغطي قيمة طقمين لولدين فقط، فكيف بأسرة كاملة؟ الغلاء هذا العام لم يترك لنا خياراً سوى الاستغناء عن فكرة الملابس الجديدة تماماً”.

ويرجع تجار الملابس هذا الارتفاع إلى تكاليف الاستيراد، وارتفاع أجور النقل، وتذبذب أسعار الصرف، وهي مبررات يجدها المواطن البسيط “قاسية” أمام متطلبات أطفاله الذين لا يدركون تعقيدات الاقتصاد.

 

 

غلاء الملابس يدفع الأسر إلى الحراج والزكاة تدشن معرض الشهيد الصماد لكسوة العيد لـ 75 ألف مستفيد

مبادرات خيرية

وأمام هذه الحالة من العوز، وأيضاً الظروف الاقتصادية التي تعيشها اليمن بفعل الحرب والحصار، تبرز المبادرات الخيرية والمجتمعية كبارقة أمل. ففي خطوة تهدف إلى كسر حدة الغلاء وتخفيف الأعباء عن كاهل الأسر الفقيرة مع قرب عيد الفطر، دشنت الهيئة العامة للزكاة في أمانة العاصمة “معرض الشهيد الصماد الثامن لكسوة العيد”.

وتأتي هذه المبادرة الإنسانية تحت شعار “فرحتهم تكتمل بكسوتهم”، لتشكل طوق نجاة لآلاف الأسر في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار الملابس بالأسواق المحلية.

وخلال التدشين، أكد القائم بأعمال رئيس الوزراء، العلامة محمد مفتاح، أن هذا المشروع هو حق واجب للمحتاجين على الميسورين، مبيناً أن المعرض يستهدف توفير ملابس العيد لـ 75 ألف مستفيد من الأسر الفقيرة والمحتاجة، بتكلفة إجمالية بلغت 475 مليون ريال، مشيداً بجودة المعروضات التي تعكس قدرة المعامل الوطنية على المضي نحو الاكتفاء الذاتي في قطاع الملابس والنسيج.

وأشار العلامة مفتاح إلى أن محتويات المعرض هي “منتجات وطنية” خالصة، أُنتجت بأيدي أسر منتجة ومعامل محلية، مما يعني أن أموال الزكاة دورت العجلة الاقتصادية ووفرت فرص عمل لآلاف الخياطين والخياطات.

وإلى جانب المعارض المركزية، أشار العلامة مفتاح إلى استمرار مشاريع الكسوة النقدية في المحافظات، مما يضمن وصول الدعم إلى أبعد القرى والعزل، مؤكداً أن “فرحة العيد” لا تكتمل إلا بالتكافل، وأن “السيادة” تبدأ من خيط الإبرة وصناعة الملبس، وصولاً إلى بناء مجتمع متماسك ومنتج.

من جانبه، أوضح رئيس الهيئة العامة للزكاة، الشيخ شمسان أبو نشطان، أن المعرض في موسمه الثامن يمثل صورة حية للتراحم الإسلامي، مؤكداً أن الهيئة تمتلك قاعدة بيانات دقيقة تضمن وصول الكسوة لمستحقيها الفعليين، مع التركيز على مشاريع “التمكين الاقتصادي” لتحويل الأسر من الاحتياج إلى الإنتاج.

ويأتي هذا التحرك الرسمي ليسد فجوة عجز الكثير من الأسر عن ارتياد الأسواق التجارية التي شهدت قفزات سعرية كبيرة، حيث يتيح المعرض للمستفيدين الحصول على كسوة العيد بكرامة، مكرساً مبدأ التكافل الاجتماعي في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

Comments are closed.

اهم الاخبار