أنس القاضي: تحولات الهيمنة في النظام الدولي

يشهد النظام الدولي مرحلة تحوّل عميق لا يمكن فهمها من خلال قياسٍ كميّ لحجم القوة فحسب، بل عبر تحليل نمط الهيمنة ذاته، فموقع الولايات المتحدة اليوم لا يتحدد بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية المباشرة فقط، بل بمدى قدرتها على صياغة القواعد التي تنظّم الاقتصاد العالمي، وتحدد معايير التكنولوجيا، وتضبط الترتيبات الأمنية(مكافحة الشيوعية،, مكافحة الإرهاب)

على مستوى القوة المادية، لا تزال الولايات المتحدة-كدولة منفردة- تمثل الدولة الأكثر تكاملاً من حيث عناصر القوة الشاملة، اقتصاد ضخم عالي الابتكار، عملة احتياط عالمية، تفوق عسكري نوعي، وشبكة تحالفات ممتدة عبر أوروبا وآسيا، هذه المرتكزات تمنحها موقعاً مركزياً في البنية الدولية يصعب تجاوزه في المدى المنظور.

لكن طبيعة الهيمنة الأمريكية تتغير، فمرحلة ما بعد الحرب الباردة اتسمت بهيمنة أحادية القطبية، حيث تزامن التفوق العسكري مع غياب منافس مكافئ، أما اليوم فتواجه واشنطن بيئة دولية أكثر تعقيداً، صعود الصين كمنافس اقتصادي وتكنولوجي واسع النطاق، تزايد استقلالية القوى الإقليمية، واحتدام التنافس في مجالات حيوية كأشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد  الاستراتيجية من المواد الخام ومدخلات الصناعة والسلع الجاهزة.

هذا التحول لا يعني انحساراً بنيوياً في القوة، بل انتقالاً إلى نمط من الهيمنة المتنازع عليها، حيث تبقى الولايات المتحدة الفاعل الأبرز، لكن ضمن بيئة لا تسمح بالتحكم المنفرد أو بإسيكرة تدفع كلفتها يسيرة  في النظام الدولي، فالدولار ما يزال يحتفظ بمكانته المركزية، والمؤسسات التي نشأت في ظل القيادة الأمريكية لا تزال تعمل ضمن الإطار الذي صاغته واشنطن، غير أن هامش المناورة أمام القوى الأخرى يتسع تدريجياً.

 

التحولات الداخلية في السياسة الأمريكية- كما يجسدها ترامب واستراتيجية الأمن القومي والاستراتيجية الدفاعية- تعكس هذا السياق الدولي المتغير، فالنقاش الدائر حول أولويات الانخراط الخارجي، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وحماية القاعدة الصناعية الوطنية، يرتبط مباشرة بإعادة تحديد شروط القيادة العالمية، لم يعد السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقود، بل كيف ستقود، وبأي أدوات، وضمن أي توازنات.

بذلك يمكن توصيف المرحلة الراهنة باعتبارها طوراً انتقالياً في بنية النظام الدولي، من أحادية قطبية مستقرة نسبياً إلى بيئة تنافسية كثيفة، تتطلب من القوة المهيمنة إعادة ضبط استراتيجياتها، وتحويل تفوقها المادي إلى قدرة مستدامة على صياغة القواعد، لا مجرد إدارة الأزمات وصعب على امريكا فعل ذلك اليوم وهي تستعدي حتى الحلفاء والناتو، إنها لحظة إعادة تموضع لا لحظة أفول، يتحدد مآلها بقدرة واشنطن على التكيف مع واقع عالمي أكثر تعدديةً وأعلى كلفةً في إدارة التوازنات، وهي فترة عصبية، وعامل الوقت يخدم خصوم الولايات المتحدة ، لهذا نجد ترامب يسعى لحسم ملفات بصفقات وحروب محدودة وبإدارة شخصية كشخصية شعبوية وهذا صعب.

Comments are closed.

اهم الاخبار