نص المحاضرة الرمضانية السادسة للسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 1447هـ

صنعاء – سبأ :
نص المحاضرة الرمضانية السادسة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 6 رمضان 1447هـ 23 فبراير 2026م:

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

في سياق الحديث عن قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في القرآن الكريم، كنَّا تحدَّثنا في المحاضرة السابقة على ضوء الآية القرآنية المباركة: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، وتحدَّثنا أيضاً في محاضرةٍ سابقة عن الإرهاصات والبشارات التي تأتي في سنَّة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في رعايته لأنبيائه ورسله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم”؛ ولذلك نستفيد من هذا فيما يتعلَّق بسيرة رسول الله محمد “صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وفي تصحيح وتصويب بعض المفاهيم الناتجة عن بعض المرويات غير الدقيقة، التي قد يكون في بعضها إمَّا زيادة، أو أخطاء، وبعض الروايات أيضاً غير صحيحة.

فنجد- مثلاً- فيما يتعلَّق بسيرة رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، أنَّه من المؤكَّد سيحظى برعايةٍ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، كما هي سنَّة الله مع رسله وأنبيائه، يواكب مسيرة حياتهم ما قبل وجودهم، وأثناء مرحلة خلقهم وولادتهم، وما بعد ذلك، وفي نشأتهم، يرعاهم برعايةٍ مميزة؛ لمهامهم العظيمة والكبيرة، التي تتطلب ذلك في عدل الله وفي رحمته وفي حكمته، تتطلب أن يكون هناك رعاية لهم؛ لأن مهامهم كبيرة، وعظيمة، وصعبة، وفي ظروف صعبة جداً، وهي- في نفس الوقت- مهام مقدَّسة، يحتاجون فيها إلى رعايةٍ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

ولذلك فما تصوِّره بعض الأخبار التاريخية، عن أنَّ الوحي إلى رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وإبلاغه بمهمته بالرسالة، كان بطريقة مفاجئة وغريبة، وأنَّه فوجئ بهجوم من مَلَك الوحي جبرائيل “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وأنَّه عمل على خنقه، مارس معه أسلوب طريقة الخنق لثلاث مرات، حتَّى كاد أن يموت، وهو يقول: [اقرأ]، وهو يقول: [ما أنا بقارئ]، في مفاجأة له، ثم ما بعد ذلك لم يعرف ما هي القصة، من هو الذي أتاه، ما الذي يراد منه… إلى غير ذلك، ثم يذهب إلى ورقة بن نوفل ليسأله ويستفسر منه، عن ما هذا الذي يحدث؟! وغير ذلك من الأساطير والخرافات، التي هي مدسوسة في السِّير والتواريخ الإسلامية، نجدها بعيدةً عن سنَّة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وحتَّى عن حكمته، وحتَّى عن قدسية مهمة الرسالة الإلهية.

رسل الله وأنبياؤه “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم”، يؤدُّون مهام هي أقدس، وأعظم، وأشرف، وأرقى المهام، في الحركة لتبليغ رسالة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والعمل على هداية الناس بها، وإقامة دين الله “جَلَّ شَأنُهُ”، وهذه المهمة المقدَّسة، كل ما يتعلَّق بها من ترتيبات من قِبَل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بل حتَّى طريقة الوحي إليهم، هي- بالتأكيد- في إطار رعاية الله، وحكمته، ورحمته، وفي إطار قدسية المهمة نفسها.

فهنا نجد أنَّ البشارة لأمِّ موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”- في مرحلة مبكِّرة، يعني: بعد ولادة موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”- البشارة لها بأن الله سيجعله من المرسلين: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}[القصص:7]، وكانت هذه بشارة عظيمة لها كأم تشفق على ابنها، تخاف عليه، وتحرص على أن تتولى هي تربية ابنها وتنشئته، وفي نفس الوقت البشارة الكبرى والمهمة والعظيمة: {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، فأتت لها البشارة في تلك المرحلة المبكِّرة، يعني: هي في نهاية المطاف كانت تعرف من خلال هذه البشارة بأن ابنها هو من المرسلين، وأنَّه صاحب ذلك الدور والمهمة المؤمَّلة في إنقاذ أولئك المستضعفين، في إطار مهمته الرسالية الشاملة، لكن عنوانٌ من أهم عناوينها، وجزءٌ من مهامها الرئيسية، هو: العمل على خلاص أولئك المستضعفين.

وتحدَّثنا على ضوء الآية المباركة، كيف نفَّذت أم موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” مهمتها بالتَّوكُّل على الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بالرغم من أنها مهمة صعبة عليها كأم، أن تضع ابنها الطفل الرضيع الصغير في تابوتٍ خشبي، وأن تلقيه في البحر، تتقاذفه أمواج البحر، وفي نهاية المطاف ليصل إلى الساحل، وليأخذه عدو الله وعدوه، طاغية، جبَّار، ظالم، مستكبر، هو فرعون، يعني: سيصل إلى العدو الذي يسعى لقتله بكل طريقة، ولكن أتت من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” البشارة والطمأنة لأم موسى، بأنَّ رعاية الله ستحفظ هذا الطفل وهو على أمواج البحر، وتحفظه بعد الوصول إلى الساحل في أحضان الفراعنة، وأنَّ الله سيتولى حمايته بما يقيه من كل المخاطر: من مخاطر الغرق، من مخاطر الذبح والقتل، من مخاطر الضياع… وغير ذلك.

وفعلاً وصل التابوت إلى الساحل، وكان من التقطه هناك آل فرعون، كما في الآيات القرآنية المباركة: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}[القصص:8]، كانوا هم من شاهدوا التابوت، التابوت بعد هذا المشهد العجيب والملفت، تابوتٌ تتقاذفه الأمواج، ويصل إلى الساحل، وفيه طفلٌ رضيعٌ صغير.

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}[القصص:8]، آل فرعون الذين عبَّأوا كل قواهم من أجل قتله، وشغَّلوا جهازهم الاستخباراتي لذلك، وارتكبوا أبشع الجرائم والفظائع لتحقيق ذلك الهدف، في نهاية المطاف يتربى في أحضانهم كأعزِّ أبنائهم، هذا من المصاديق الواضحة لقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21]، لهذه الحقيقة، الحقيقة المهمة، التي مصاديقها في كلِّ عصرٍ وزمان.

ومع أنَّ المشهد عجيب، يعني: يثير التساؤل: [كيف أتى هذا الطفل؟ ومن أين؟ ومن هو هذا الطفل؟]، وغير ذلك، لكن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وفَّر له الحماية العجيبة، وإلَّا كان من المتوقع أول ما شاهدوا الطفل- وهم يذبحون الأطفال باستمرار- أن يأمروا بذبحه وقتله، وبالتأكيد كان هذا هو الخيار المتبادر إلى أذهانهم، والمطروح ابتداءً، يعني: أول ما يمكن أن يدور الحديث عنه بعد المشاهدة لذلك الطفل في التابوت، هو: أن يذبح ويقتل كحال غيره من الأطفال، ولكن الله ألقى عليه محبةً عجيبة، كما قال “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}[طه:39]، فمن شاهده منهم أحبه حباً شديداً، هذه العاطفة وهذه المحبة توفِّر له الحماية حتَّى من التَّسَرُّع إلى قتله، وترفع عنه أيدي الذبح، وسكاكين الذبح، وخطر الإقدام السريع وفق ما هو أمر سائد، وقرار عام بذبح الأطفال، كل ذلك وفَّر له حمايةً عجيبةً من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، رعاية عجيبة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

الله هنا يقول: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}[القصص:8]، هذه اللام تسمَّى لام العاقبة، يعني: ليست العلة الحقيقية بالنسبة لهم في هدفهم من التقاطه، هم التقطوه في البداية كتابوت وصل، يستغربون: [ما الذي فيه؟]، وإذا فيه هذا الطفل، ثم يأخذونه إليهم، إلى قصرهم، ثم كان لهم آمال ستأتي تتحدث عنها الآية القرآنية في كلام امرأة فرعون، لكن عاقبة الحال أن يكون هذا الطفل هو ذلك الذي يقتلون من أجل التَّخَلُّص منه، ومن أجل منع قدومه، كل الأطفال الذكور من بني إسرائيل.

ففي تدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” العجيب، الذي جعلهم يتوهون ولا ينتبهون أنَّه هو الطفل الذي يذبحون كل الأطفال منعاً لقدومه، ودرأً لما يتصورونه من خطره، لماذا هذا التدبير الإلهي العجيب الذي جعل أولئك الفراعنة رغم ما هم عليه من ذكاء، من جبروت، من طغيان، من تشدُّد في هذا الاحتراز، بقتل كلِّ الأطفال ذبحاً، الأطفال الذكور من أولئك المستضعفين من بني إسرائيل؟ ما الذي أثَّر عليهم في أنفسهم، في تفكيرهم، في واقعهم النفسي، في قرارهم؟ هذا يحتاج إلى تدخُّل من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الله الذي بيده أزمَّة النفوس والقلوب، الذي يستطيع أن يؤثِّر على نفسياتهم، على قرارهم، على نمط تفكيرهم، على القرار الذي يخرجون به في هذه القضية.

الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو الذي أراد أن يحفظ ذلك الطفل الرضيع، وأن يحميه من شرهم، وأن يجعلهم يقومون هم بتربيته، يحوطونه بأحسن الرعاية، يغذُّونه بأحسن التغذية، يهتمون به وبحمايته أيضاً، ينفقون على رعايته، ليكون في الأخير، بسبب ما هم عليه من طغيان وإجرام وظلم، {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا}[القصص:8]، يعاديهم، {وَحَزَنًا}[القصص:8]، فيما ينتج عن صراعهم معه من سقوط لطغيانهم، وتكبرهم، ونفوذهم، وسيطرتهم… وغير ذلك، وهلاكهم في نهاية المطاف.

{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}[القصص:8]، معنى ذلك: أنَّ الله يصنع عدواً للطغاة والمستكبرين؛ لِيُنقذ منهم المستضعفين، وليخلِّص منهم المظلومين، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في تدبيره الحكيم- وهو القوي العزيز- لا يترك عباده هملاً، عندما يكون هناك طغاة، متجبِّرون، ظالمون، مستكبرون، يمتلكون الإمكانات العسكرية والاقتصادية، والنفوذ السياسي، والسيطرة على الواقع، تصل بهم حالة الغرور إلى أن يتصوَّروا أنَّهم أصبحوا في مأمن من أن يتمكَّن أحد من أن يزيلهم، وبالذات عندما أيضاً يحترزون بتدابير معيَّنة، مما هو متوقع في حال لو لم تكن تلك الاحترازات قائمة، من تحركٍ يعاديهم، أو يسعى للحد من طغيانهم، والتَّخَلُّص من ظلمهم وجبروتهم. يعني: عادةً ما يكونوا قد وصلوا إلى واقع كبير في حجم إمكاناتهم، في مستوى سيطرتهم، في مقدار نفوذهم، في مستوى تسلُّطهم من جهة، وفي نفس الوقت يأخذون بعين الاعتبار كل الاحتمالات البعيدة، يعني: فئة من المجتمع، فئة معينة يتوقَّعون منها أنهم لو تركوا لها المجال، لأمكن لها في مرحلة من المراحل أن تستقوي وتنمو، وتصبح في مستوى أن تواجه خطرهم، وظلمهم، وطغيانهم، وبغيهم، فإنهم يحسبون حساب أن يحولوا دون ذلك ابتداءً، أن تكون سياساتهم تجاهها، إجراءاتهم ضدها، بالشكل الذي يحول دون ذلك، ويضمن بقاءها في حالة استضعافٍ تام، وذل، وقهر، وهوان.

وهذا ما فعله فرعون، وهامان، وجنودهما، في سياستهم تجاه المستضعفين، تجاه بني إسرائيل في تلك المرحلة، بل أكثر من ذلك: سياسة تشبه سياسة اليهود الصهاينة في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني، يعني: سياسة مسارها الاتجاه بهم (بالمستضعفين) إلى التلاشي، إلى الانهيار التام، إلى الفناء، إلى الفناء، ومع ذلك فشلت كل تلك السياسات، سقطت كل تلك التدابير الاحترازية، بتدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ومشيئته العجيبة.

هنا لماذا يتَّخذ الله هذه الإجراءات ضد بعضٍ من خلقه، من عباده؟ لأن الفراعنة أيضاً فرعون وجنوده وقومه، وآل فرعون، هم أيضاً من خلق الله، وفي مملكة الله، ومن عباد الله، كلهم من العبيد، من عبيد الله، لماذا يتَّخذ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” تدابير، وفي مشيئته “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يدبِّر لسقوط كيانات معينة، وينشئ لها حتَّى من المستضعفين، بالرغم مما وصلوا إليهم من مستوى الاستضعاف، من يمكِّنهم إلى أن يصلوا- في نهاية المطاف- إلى مستوى إسقاط تلك الكيانات الكبيرة والقوية؟ هذا تدبير عجيب، من وسط المستضعفين يهيئ من يكون على يديه سقوط قوى قوية، مستكبرة، لديها الإمكانات الهائلة، لديها النفوذ الكبير، لديها التَّجارب الكبيرة، لديها السيطرة المستحكمة… وغير ذلك، لماذا يتدخَّل الله ضد البعض من البشر بهذه الطريقة؟ الله يقول ليبين لنا السبب في ذلك: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8]، {كَانُوا خَاطِئِينَ}، الطغيان الذي قام على استكبار فرعون، وجبروت هامان، واتكأ واعتمد على القدرة العسكرية (الجنود)، كان أساساً للخطيئات، في مقدِّمة الخطيئات الكبرى: الظلم الرهيب، الإجرام، النشر للفساد بكل أشكاله وصوره، عندما تتحوَّل قوَّة معينة، سواءً هي بشكل دولة، أو سلطة، أو أي كيان، أو إمبراطورية، عندما تتحول إلى مثل هذا الحال: توظِّف نفوذها، وقدراتها، وإمكاناتها، ونفوذها إلى خدمةٍ للطغيان، وإلى ممارسةٍ ظالمة، وإلى عدوانٍ على البشر، وإلى دورٍ شيطانيٍ في الأرض، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو رب العالمين، الأرض أرضه، يورثها من يشاء من عباده، والبشر هم عبيده، هو ملك الناس، وإله الناس، وربُّ الناس، وهو المهيمن على هذا العالم بكله، لا يتفرَّج على الوضع، ويترك لهم المجال ليصلوا إلى أيِّ مدى من الطغيان، والظلم، والإفساد، والجبروت، وإفساد البشر، وإفساد الحياة، الخطيئات الكبرى من ظلم، من إفساد، من إجرام، من منكرات، من فواحش، من رذائل… كل أشكال الخطيئات الخطيرة، التي تتراكم وتجتمع لتتحول إلى سلوكٍ عام، لقوى، لطغاة، لدول، لإمبراطوريات… لغير ذلك، هي في نهاية المطاف تؤدِّي إلى هلاكهم، إلى سقوطهم؛ لأن الله هو القوي، العزيز، الحكيم؛ ولذلك لا يمكن أن يترك لهم المجال إلى ما لا نهاية، إلى ما لا نهاية، هناك مستوى معين من الطغيان، من الإجرام، إذا وصلوا إليه تأتي المؤاخذة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

هذا يبيِّن خطورة الجرائم والخطيئات، وأنها سببٌ للنقمات والعقوبات من جانب الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وفعلاً أسقطت إمبراطوريات كثيرة على مرِّ التاريخ، كانت كثيرٌ من الإمبراطوريات والقوى المستكبرة، كلما تمكَّنت أكثر؛ كلما زاد طغيانها، زاد إجرامها، انتشر فسادها على نطاقٍ أوسع، زادت في الظلم للناس، ثم تسقط… وهكذا على مرِّ التاريخ، كم سقطت من كيانات ظالمة، طاغية، متجبِّرة، كان الناس في عصرها يتصوَّرون أنها ستبقى إلى الأبد، إلى ما لا نهاية، في ما هي عليه من قوَّة، من نفوذ، من جبروت، من إمكانات هائلة، قدرة عسكرية ضاربة، إمكانات اقتصادية ضخمة وهائلة، فيتصوَّرون وكأنها ستبقى إلى ما لا نهاية، ثم يصنع الله المتغيرات التي تسقطها، طغاة، وجبابرة، متكبرون، ظالمون، كان مستوى ما لهم من النفوذ والسيطرة، بالقدر الذي يتصوَّر البعض أنهم سيتمكنون من البقاء باستمرار على ذلك النحو، ثم سقطوا، هلكوا وانتهوا، هذا عبرة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8].

إذاً كل الكيانات التي تسلك مسلكهم، في الطغيان، والجبروت، والظلم، والإفساد في الأرض، وتوظِّف كل إمكاناتها، كل قدراتها لذلك؛ ستسقط، ويهيئ الله لسقوطها بحكمته وتدبيره.

هنا بعدما التقطه آل فرعون، ووصل إلى قصرهم، والخطر واضح: خطر القتل ذبحاً، كما يفعلون مع بقية الأطفال، هنا يبرز دور مهم وعجيب، يهيئ الله هذا الدور لرعاية وحماية موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وهو دورٌ مميَّز وهو أيضاً لامرأة، فنجد الدور الأول كان لامرأة هي أم موسى، وكما قلنا في المحاضرة الماضية: دور عظيم، دور مهم وكبير في إطار مهمة مقدَّسة تتعلَّق بالرسالة الإلهية، وتتعلَّق بإنقاذ المستضعفين، وخلاص أُمَّة من الظلم والاضطهاد، فهو دور كبير، ودور عظيم، ودور مقدَّس جعله الله لامرأة، هذا يفيد التكريم العظيم في دين الله، وهدي الله للرجال وللنساء، للجميع، وهنا يبرز هذا الدور: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:9]، رعاية الله وحمايته، فيما ألقى أيضاً من المحبة العجيبة على نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، بحيث عندما شاهدته امرأة فرعون، أحبته حباً شديداً، وتحرَّكت فيها مشاعر العطف والحنان عليه، فتدخَّلت بكل جهدها لحمايته، وللشفاعة له، ولربما حتَّى فرعون، مع قلبه القاسي، لربما هو كذلك من جانبه، قد يكون أيضاً شعر بشيءٍ من المشاعر الإيجابية تجاه هذا الطفل، وأيضاً في أن يتقبَّل شفاعة زوجته بعدم المساس بحياة هذا الطفل، فهم بعدما شاهدوه، كان الاتِّجاه المتوقع كما هو حال غيره هو القتل، ولكن بهذه الرعاية الإلهية، امرأة فرعون، وقد ألقى الله على موسى المحبة، أحبته حباً شديداً، وتشفَّعت له، وسُرَّت به سروراً عظيماً، ونجد أيضاً حتَّى فيما بعد، هناك دور مهم لامرأة فرعون، وهي توفَّقت في نهاية المطاف حتَّى بعد بعثة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بالإيمان، وكانت من النماذج التي أثنى عليها القرآن الكريم، ويمكن أن نتحدث عن ذلك إن شاء الله حينما نصل إليه في سياقه.

هنا نجد أيضاً من التَّدَخُّل الإلهي، والرعاية الإلهية العجيبة، والتدبير الإلهي، فيما يتعلَّق بالتأثير في المشاعر، الله بيده أزمَّة النفوس والقلوب، التأثير في المشاعر، حينما ألقى على ذلك الطفل الرضيع، على نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” المحبة، أن من رآه وشاهده؛ يحبه، وأن تحبه أيضاً امرأة فرعون، وتعطف عليه عطفاً عظيماً، هذا من التَّدَخُّل الإلهي في النفوس والقلوب والمشاعر، وهذا من أهمّ أشكال التَّدَخُّل الإلهي في التدبير الإلهي، يعني: حصل- كما قرأنا الآية السابقة- فيما يتعلَّق بأم موسى، حينما ربط الله على قلبها، وسيأتي أيضاً في الآيات الأخرى؛ فتمكَّنت أولاً من تنفيذ المهمة، فهي صعبة عليها كأم، ثم فيما بعد ذلك، كما سنقرأ في الآية القادمة إن شاء الله، وهكذا نجد التأثير في مسألة المشاعر والقلوب، سواءً بالمحبة في مواطن ومقامات، أو بالرعب في مقامات أخرى، هذا من تدبير الله أيضاً المهم والمؤثِّر في مجريات الأحداث، يملك الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” حتَّى التَّدَخُّل في النفوس والمشاعر: محبةً، أو رعباً، أو ما يريد.

التَّشَفُّع من امرأة فرعون تضمَّن الأمل في الاستفادة من ذلك الطفل، عندما قالت أولاً: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ}[القصص:9]، يعني: سببٌ لسرورنا؛ لأنهما كانا بدون أولاد، في تلك المرحلة لم يكن لهما أولاد، وكانا يرغبان في أن يكون لهما أولاد، فهي تخاطب فرعون، تقول له: [هذا سرور نُسَرُّ به أنا وأنت]، وفي نفس الوقت تقول: {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا}[القصص:9]، لا تقتلوه؛ لأن الشيء المطروح والمتبادر إلى أذهانهم، وما يطرحونه كخيار عاجل للتعامل مع الموضوع، هو: القتل والذبح، فهي تحاول أن تتشفَّع له وتمنع قتله بقدر ما تستطيع.

{عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا}[القصص:9]، يعني: أن يفيدنا فيما يمكن أن يعمله ويقدِّمه من الخدمة، {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}[القصص:9]؛ لأنهما كانا بدون أولاد، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:9]، فهم لم يكونوا يشعروا أنَّه نفس ذلك الطفل الذي يذبحون الأطفال بهدف الخلاص منه، ومنع قدومه، ولا يعلمون بعاقبة أمره، ولا يعلمون أنَّ إرادة الله، ومشيئته النافذة التي لا تقهر، هيأت لذلك الطفل أن يتربَّى في أهمِّ المراكز خطراً على حياته، وأن يسلم مع ذلك، وهذا درسٌ عجيب في- كما قلنا- في الحقيقة المهمة: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21].

نجد هنا كيف أنَّ حركة التدبير الإلهي تأتي في إطار الأسباب، وعلى أيدي عباد الله، يعني: نجد دوراً- مثلاً- هنا أولاً دور أم موسى، ثم دور امرأة فرعون، ثم ما يجري من أعمال، من تحرُّك، فالتدبير الإلهي في تغيير واقع البشر، وفيما يهيِّئه الله في واقعهم، يأتي حتَّى على أيديهم هم، كذلك تأثير في المشاعر، تأثير معيَّن، ينتج عنه كذلك حماية لهذا الطفل… وغير ذلك.

حركة التدبير الإلهي هي في إطار الأسباب، على أيدي عباد الله، والتَّدَخُّل الإلهي يأتي حتَّى في القرارات، ويأتي أيضاً على مستوى أولياء الله، وعلى مستوى حتَّى أعداء الله، التأثير حتَّى على قراراتهم متى أراد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ذلك.

{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:9]، وهذا ساهم في حماية موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وبدلاً من ذبحه، اتَّجهوا للعناية به، واتَّخذوا هذا القرار: بالاحتفاظ به، وبالحضانة له، بالعناية به، بالاهتمام برعايته، والاهتمام بالحفاظ عليه.

نكتفي بهذا المقدار.

وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

Comments are closed.

اهم الاخبار