غزة في رمضان.. حياة تُسحق بين نار الاحتلال وخذلان العالم
وكالات:
بعد أكثر من عامين على الحرب والإبادة الجماعية التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، تعود روح رمضان لتنبض في الشوارع، متحدية الحصار الإسرائيلي وأوجاعه، ومعلنة تمسّك الأهالي بالحياة رغم كل ما خلّفته الحرب من دمار ومعاناة.
وفي مخيمات النزوح في القطاع، انتشرت زينة رمضان بين الخيام، ورُسمت جداريات لـقبة الصخرة وفوانيس رمضان على جدران المباني المدمرة، استعدادا لاستقبال الشهر الكريم.
غزة اليوم ليست مجرد خبر عاجل أو رقم في نشرة إحصائية، بل جرح مفتوح في ضمير الإنسانية، ينزف تحت أنقاض البيوت المدمرة، وفي خيام بالية لا تقي بردًا ولا حرًّا، وبين مستشفيات تختنق بلا وقود ولا دواء. ورغم كل ما قيل عن تهدئة ووقف لإطلاق النار، فإن آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف، بل واصلت طحن ما تبقى من حياة، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة أو بإصدار بيانات لا تُسمن ولا تُغني عن دمعة طفل أو أنين جريح.
على الأرض، تتواصل عمليات القصف وإطلاق النار العشوائي ضد المدنيين، خصوصًا النازحين الذين احتموا بخيام مؤقتة تحولت إلى مصائد موت.
خلال أيام قليلة، سقط شهداء وجرحى جدد، بينهم نساء وأطفال، نتيجة استهداف مباشر لمناطق الإيواء، في وقت تعجز فيه فرق الدفاع المدني عن انتشال مئات العالقين تحت الأنقاض بسبب القصف المتكرر وشح الإمكانيات. الحصيلة التراكمية للعدوان تجاوزت عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من مئة وسبعين ألف مصاب، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في العصر الحديث.
القطاع الصحي يقف على حافة الانهيار الكامل. مستشفيات مركزية، بينها مستشفى شهداء الأقصى، حذّرت من توقف وشيك للخدمات الطبية بسبب نفاد الوقود وتعطل المولدات، ما يهدد حياة مرضى العناية المركزة وحديثي الولادة. الاحتلال يمنع إدخال الزيوت وقطع الغيار اللازمة، ويحوّل العلاج إلى امتياز نادر، في انتهاك فجّ لكل القوانين الدولية التي تحمي المدنيين والمنشآت الصحية زمن النزاعات.
وفي موازاة القتل والحصار، تتعرض منظومة الإغاثة الدولية لهجوم سياسي منظم. المفوض العام لوكالة الأونروا، فيليب لازاريني، أكد أن سلطات الاحتلال تمارس ضغوطًا غير مسبوقة لتصفية الوكالة وشطب قضية اللاجئين، بعد هدم مقرها في القدس الشرقية وحرمان أطفال غزة من التعليم للعام الثاني على التوالي.
ومع تراجع دخول المساعدات إلى أقل من نصف ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، بات أكثر من 90% من سكان القطاع يعتمدون كليًا على مساعدات شحيحة ومقيدة.
تقارير ميدانية كشفت صورة أكثر قتامة: مئات الآلاف يعيشون في خيام مصنوعة من أقمشة مهترئة، فشلت في حماية ساكنيها، وأودت بحياة عشرات، معظمهم أطفال، بسبب البرد القارس. نقص الوقود يهدد المستشفيات وآبار المياه، ونحو 300 ألف مريض مزمن بلا أدوية، فيما يُمنع إدخال الكرفانات والمواد الأساسية للإيواء بذريعة “الاستخدام المزدوج”.
سياسيًا، تتقاطع هذه المأساة مع ضغوط ومشاريع تتحدث عن “ترتيبات أمنية” ونزع سلاح الفصائل، في وقت يتجاهل فيه أصحاب هذه الطروحات جذور الصراع وواقع الاحتلال. وفي المقابل، كشفت تقارير حقوقية دولية عن تجنيد وتسليح قاصرين ضمن ميليشيات مدعومة من الاحتلال، مع توثيق انتهاكات جسيمة واعتداءات جنسية، ما يرقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي، ويضع القوة القائمة بالاحتلال أمام مسؤولية قانونية مباشرة.
أما في السجون، فقد قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير حملات تنكيل وحشية بحق الأسرى الفلسطينيين، شملت اقتحام الزنازين والاعتداء بالضرب والغاز والكلاب، في مشهد يعكس عقلية الانتقام لا “الأمن”. وفي الضفة الغربية، تتواصل سياسة التهجير القسري وإطلاق النار على المدنيين، بالتوازي مع تصاعد عنف المستوطنين.
وسط هذا المشهد القاتم، جاء بيان القمة الإفريقية ليحذر من التدهور الإنساني الكارثي في غزة، مطالبًا بوقف الحصار، ورافضًا أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، وداعيًا إلى منح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة. موقف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ما يجري في غزة ليس أزمة عابرة، بل جريمة مستمرة تهدد ما تبقى من النظام الدولي القائم على القانون والعدالة.
غزة اليوم تختصر سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا: إلى متى سيبقى العالم يتفرج؟ وإلى متى تُترك مدينة كاملة تحترق ببطء، بين قنابل الاحتلال وصمت المجتمع الدولي؟ إنها ليست فقط مأساة شعب، بل اختبار صارخ لإنسانية العالم كله.
Comments are closed.