البرنامج الرمضاني .. عطاء تربوي يلامس الوجدان ويزكّي النفوس
خالد الصايدي
يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بقدوم شهر رمضان المبارك، ويستقبلونه بفرحة غامرة وأجواء روحانية تبعث في النفوس الطمأنينة والخشوع والتقرب إلى الله تعالى. ويظل هذا الشهر الفضيل محطة إيمانية متجددة تتجسد فيها قيم التكافل والتراحم، ويتعزز خلالها الارتباط بالقرآن الكريم سلوكاً وعبادة ومنهج حياة.
ورغم الظروف التي تمر بها بلادنا، إلا أن مظاهر وطقوس استقبال الشهر الكريم لم تختلف كثيراً عن الأعوام السابقة، حيث بدت الاستعدادات واضحة على المستويين الرسمي والشعبي.
رسالة قائد الثورة
جاء خطاب قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الأخير، كموجهات استراتيجية تربوية متكاملة، تتجاوز حدود الوعظ التقليدي لتؤسس لمرحلة جديدة من الوعي والبصيرة.
رسم الخطاب رؤية عميقة تجعل من شهر رمضان “محطة إيمانية كبرى” تدمج بين بناء الذات ومواجهة التحديات المصيرية للأمة، وتحصينها ضد مشاريع الاستكبار العالمي.
واعتبر قائد الثورة، الصيام عملية “هندسية للنفس البشرية” تستهدف استخراج مكامن القوة والصلابة وتحويل العبادة إلى “طاقة عملية” تخدم ميدان المواجهة الوجودية للأمة. ومن هذا المنطلق، برز مفهوم “زكاء النفوس” كقاعدة ارتكاز تمنح المؤمنين قدرة عالية على التحمل والصبر، وتحول دون انكسار الإرادة أمام حجم التحديات.
وأكد أن “التقوى” هي المنطلق الحقيقي لتصحيح واقع الأمة المتردي، إذ بها تكتسب البصيرة الضرورية لفرز المواقف وتحديد العدو بدقة والتحرك بمسؤولية. واستثمار فضائل هذا الشهر في “إصلاح النفس” هو الضمانة الوحيدة للنهوض المجتمعي والوقاية من عواقب التفريط التي أورثت الأمة ضعفاً وهواناً رغم تعدادها الملياري.
قائد الثورة: زكاء النفوس وعودة الإنسان لربه أساس التغيير
مشددا على أن تجاهل المخاطر لا يجدي، وأن العودة الصادقة للقرآن الكريم والالتزام الواعي بفرائض الله هو المخرج الوحيد للعالم من مأزقه الراهن، محولاً الصيام من طقس تعبدي إلى مشروع نهضوي شامل يعيد للأمة كرامتها واستقلالها.
أمّا على صعيد الجبهة الداخلية، فقد أرسى قائد الثورة قواعد “الأمن الاجتماعي” من خلال تفعيل قيم “التكافل والمواساة”، معتبرًا إياها جبهة حصينة لإفشال المخططات التي تراهن على الورقة الاقتصادية والحصار؛ فالاهتمام بالفقراء والمساكين ليس مجرد عمل خيري، وإنّما جزء أصيل من الهوية الإيمانية وسلاح فعال لتحصين المجتمع ضد الاختراق، وبذلك يكتمل المثلث الاستراتيجي للخطاب المتمثل في: بناء النفس بالتقوى، تحصين المجتمع بالتكافل، ومواجهة العدو بالجهاد.
تدشين البرنامج الرمضاني
على المستوى الرسمي، شهدت الفترة التي سبقت رمضان استعدادات واسعة شملت الجوانب الخدمية وتنظيم المعارض الاستهلاكية، إلى جانب عقد لقاءات التهيئة لتدشين البرنامج الرمضاني، الذي يهدف إلى تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم وترسيخ الهوية الإيمانية في المجتمع.
ويُعد البرنامج الرمضاني من أبرز الأنشطة التي يحرص الناس على الالتزام بها، إذ جرى إعداده بما يتناسب مع احتياجات المجتمع من الزاد الروحي والوجداني. ويتضمن تلاوات مختارة من القرآن الكريم للاستماع والتدبر وتعليم القراءة، بصوت شيخ المقارئ العربية الراحل محمد صديق المنشاوي، إلى جانب حضور ملازم الشهيد القائد باعتبارها محور ارتكاز أساسي للبرنامج، واختتام البرنامج بمحاضرات السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.
تكمن أهمية البرنامج في تكثيف التوعية الدينية المرتبطة بشهر رمضان، وتعزيز دور المساجد في إحياء الروح الإيمانية والجهادية، ومواجهة التحديات التي تستهدف الهوية الإيمانية والتحذير من مخاطر الحرب الناعمة على المجتمع.
محطات روحية
وفي ظل انشغال الناس بالهمّ المعيشي وتوفير متطلبات الحياة، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وما تتركه من آثار نفسية مقلقة، تأتي المحطات الروحية – بحسب ما يؤكده المدرب وخبير التنمية البشرية إبراهيم الكحلاني – لتعيد ترتيب أولويات الإنسان وبوصلة اهتماماته. ويستشهد الكحلاني بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، مؤكداً أن الذكرى ما دامت نافعة بنص القرآن فهي ضرورة لا غنى عنها.
ويشير الكحلاني في حديثه لصحيفة «الوحدة» إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في مرور الناس بالمحطات الإيمانية مروراً عادياً وبارداً، دون الاستعداد الذهني والنفسي الذي يليق بعظمة هذه المواسم، لما لذلك من أثر سلبي على روحيتهم ومستقبلهم الأبدي.
وأضاف أن استشعار المسؤولية دفع المعنيين في الجانب الثقافي إلى إعداد برنامج متكامل طيلة شهر رمضان، ليكون معيناً للناس على استثمار أوقاتهم، والحفاظ على صلتهم بالله تعالى، وعدم الوقوع في الغفلة التي قد تقود إلى نتائج وخيمة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
الكحلاني: رمضان محطة إيمانية متجددة لتعزيز القيم والارتباط بالقرآن
وحول أسباب التفاعل الواسع مع البرنامج الرمضاني، أوضح أن ذلك يعود إلى عدة عوامل، أبرزها أن الناس وجدوا فيه ما يعينهم على تجاوز الكسل والخمول مع مرور أيام الشهر، إضافة إلى صدق محتواه وجاذبيته وخلوه من أي مصالح فئوية أو مذهبية، كونه يلامس احتياجات الإنسان الحقيقية ويعالج همومه الروحية، ليكون المستفيد الأكبر منه هو الإنسان نفسه، بغض النظر عن توجهه أو انتمائه.
واختتم الكحلاني حديثه بالتأكيد على أن البرنامج الرمضاني يمثل عطاءً تربوياً متكاملاً، وثمرته الحقيقية تزكية النفس وضبط المشاعر، وأن الرابح الأول والأخير منه هو الإنسان ذاته.
Comments are closed.