بشير القاز: هل ستجرؤ واشنطن على حرب مفتوحة مع إيران؟
لم تعد الحشود العسكرية الأمريكية في مياه الشرق الأوسط ولا لغة الوعيد التي تطلقها واشنطن ضد طهران تبشر بقرب ساعة الصفر كما كانت في العقود الخوالي بل أصبحت تمثل في جوهرها هروباً تكتيكياً للأمام ومحاولة أمريكية يائسة لتحويل القوة التي استعصت على الحسم العسكري إلى أداة ضغط فوق طاولات التفاوض وذلك بعد أن اصطدمت العقلية الاستراتيجية في البيت الأبيض بجدار من الحقائق الصلبة.. في هذه السطور نسلط الضوء على أبرز العوامل التي تُوضح لماذا تفضل واشنطن اليوم استخدام القوة المحدودة كأداة ضغط تفاوضي بدل الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع ايران تقود إلى اسقاط النظام وتحقق اهدافها.
أولًا: إيران ضمن معادلة دولية لا تسمح بإسقاطها
تدرك الإدارة الأمريكية اليوم بأن إيران لم تعد دولة معزولة يمكن التعامل معها بمنطق الضغط الأحادي بل أصبحت ركيزة ضمن توازن استراتيجي رفقة روسيا والصين ..فموسكو ترى في طهران عمقا استراتيجيا وحليفا مهما في ظل صراعها المفتوح مع الغرب بينما تنظر بكين إلى استقرار النظام الإيراني باعتباره عنصرا أساسيا في أمن الطاقة ومسارات مشروع الحزام والطريق…
لذلك فإن إسقاط النظام الإيراني يُعد خطا أحمر بالنسبة لهاتين القوتين ما يجعل أي مغامرة عسكرية أمريكية لاسقاط النظام الإيراني محفوفة باحتمال الانزلاق إلى صراع أوسع يتجاوز حدود الإقليم وهو ما لا تحتمله الحسابات الأمريكية الراهنة.
ثانيا: محدودية القوة العسكرية
تتحطم فكرة الضربة الجراحية على تعقيدات الواقع العسكري الإيراني فالبرنامج النووي والترسانة الصاروخية الايرانية لم يعودا أهدافا هشة قابلة للتصفية السريعة بل منظومة موزعة ومحصنة بعمق جغرافي وتقني يجعل من أي هجوم مجرد تعطيل مؤقت لا إنهاءً نهائيا.. والأخطر أن التجربة أثبتت أن الضغط العسكري لا يؤدي إلى تعديل السلوك الإيراني تجاه الغرب أو الكيان الصهيـ،،ـوني بل يدفع نحو مزيد من التشدد وتعزيز معادلات الردع، بما يرفع مستوى التهديد بدل احتوائه.
ثالثا: خطر اتساع رقعة المواجهة
تدرك واشنطن أن أي تصعيد ضد إيران لن يسير وفق مسار يمكن التحكم به فطهران تمتلك شبكة نفوذ إقليمية قادرة على توسيع مسرح الاشتباك من الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات متعددة في غرب آسيا…
وعندها تتحول الضربة المحدودة إلى اشتباك مفتوح تترافق معه اضطرابات في أسواق الطاقة واستهداف للمصالح والقواعد الأمريكية واتساع نطاق المواجهة بصورة تربك الحسابات الأمريكية بدل أن تحقق أهدافها.
رابعا: كلفة الحرب في ظل اقتصاد مثقل بالأعباء
الولايات المتحدة الخارجة من حروب استنزاف طويلة لم تعد تملك رفاهية الانخراط في مواجهة مفتوحة جديدة.. فاقتصادها المثقل بالديون التي وصلت اعتاب 40 تريليون دولار والعجز إلى جانب الانقسام الداخلي يجعل من تمويل حرب طويلة الأمد ضد دولة بحجم إيران مغامرة عالية الكلفة…
وفي حال تحولت المواجهة إلى صراع متعدد الجبهات تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى فإن الحرب لن تبقى عملية عسكرية محدودة بل مشروع استنزاف قد يقوض أولويات واشنطن الاستراتيجية في ساحات أخرى أكثر أهمية.
خامسا: نتائج عكسية
أي تصعيد عسكري شامل ضد إيران لا يُتوقع أن يقود إلى الأهداف المرجوة بل قد ينتج واقعا أكثر تعقيدا فبدل احتواء طهران قد يؤدي الهجوم إلى تماسك أكبر للمحور المناوئ لواشنطن وتهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي وإضعاف منظومة التحالفات التقليدية التي قد لا تحتمل تبعات حرب شاملة غير مضمونة النتائج..
لهذا كله يبدو التهديد العسكري الأمريكي أقرب إلى أداة ضغط تفاوضي منه إلى خيار حسم فعلي… فواشنطن العجوز تدرك أن التصعيد قد يمنحها لحظة استعراض قوة لكنه لن يمنحها نهاية سياسية تضمن إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي أو فرض تعديل جوهري في سلوكه تجاه الغرب…!
Comments are closed.