د. علي الرحبي: نحرُ السيادة تحت مقصلة الـ 11 فبراير

لم تكن أحداث الحادي عشر من فبراير 2011 مجرد صرخة في وجه نظام “عائلي” ترهّل، بل كانت زلزالاً اجتماعياً كشف عن عجز النخبة اليمنية عن إدارة طموحات الشارع وتحويلها إلى مشروع دولة. انطلقت الانتفاضة كفعلٍ شعبي عفوي ينشد الكرامة والعدالة، لكنها سرعان ما وقعت في فخ “الرومانسية الثورية” التي افتقرت إلى الرأس القيادي القومي المستقل، مما حول الساحات إلى مسرح لتصفيات حسابات بين أقطاب النظام القديم، وانتهى الأمر بنحر السيادة على عتبات العواصم الإقليمية.

هندسة الارتهان: الخطيئة الكبرى التي قادت اليمن إلى نفق الاستلاب لم تكن في التظاهر، بل في القبول بـ “المبادرة الخليجية” كقدرٍ محتوم. لقد كانت المبادرة، أكاديمياً، هي اللحظة التي انتقل فيها القرار اليمني من “صنعاء” إلى “حقائب السفراء”. بدلاً من إنتاج عقد اجتماعي يمني خالص، استسلمت النخب (المشترك والشركاء) لمبدأ “المحاصصة الوظيفية” تحت إشراف دولي. هذه المرحلة لم تكن انتقالاً للدولة، بل كانت انتقالاً للوصاية؛ حيث تم تفكيك الجيش تحت مسمى “الهيكلة”، وتم تمزيق الوجدان الوطني بمشاريع “الأقاليم” التي لم تكن سوى وصفة جاهزة للتفتيت الممنهج.

خديعة “الشرعية” والمنفى: إن ما نعيشه اليوم من تشظٍّ وجوع هو “الثمن المؤجل” لتلك المرحلة التي سُلبت فيها الإرادة. لقد أنتجت مرحلة ما بعد فبراير نخبة سياسية أدمنت العيش في “الفراغ السيادي”، وهو ما تجسد بأبشع صوره في “حكومات المنفى” المقيمة في الرياض. هذه النخب، التي تؤدي يمينها الدستورية خارج ترابها الوطني، سقطت في فخ الخضوع المذل، وتحولت من “قيادة دولة” إلى “أدوات وظيفية” تشرعن التدخل الخارجي مقابل امتيازات شخصية، تاركةً الشعب يواجه مصيره أمام انهيار العملة واحتلال الموانئ وتعطيل المنشآت السيادية كمنشأة بلحاف.

المخرج القومي: إن الدرس القاسي بعد خمسة عشر عاماً من التيه هو أن أي تغيير لا يحميه “وعيٌ سيادي صلب” ينتهي بالتبعية المطلقة. اليمن اليوم لا يحتاج إلى استنساخ الفشل أو العويل على الأطلال، بل يحتاج إلى ولادة “تيار وعي قومي” يعيد الاعتبار للجغرافيا اليمنية الطبيعية. إن الطريق للخروج من النفق يبدأ بكسر حبال الوصاية، ورفض الارتهان المالي والسياسي، والإيمان بأن سيادة اليمن لا تقبل القسمة على إملاءات “اللجنة الخاصة” أو الدوائر الدولية.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أحزاب متصارعة على سلطة وهمية، بل هي بين “إرادة الانعتاق” وبين “مشاريع الوصاية”. ولن يشرق فجر اليمن الكبير إلا عندما يستعيد اليمنيون قرارهم المخطوف، ويؤمنون بأن كرامة الوطن تبدأ من سُرة أرضه، لا من فنادق عواصم الشتات.

 

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار