لماذا انقلب الغرب على اتفاق “ستكهولم” في الحديدة؟

الوحدة نيوز/ عندما فشلت أمريكا وبريطانيا وربيبتهما “إسرائيل” من ثني اليمن عسكرياً عن مساندة الفلسطينيين في غزة، لم يكن أمامها من خيار سوى تقديم مشروع لمجلس الأمن يتضمن في طياته إنهاء مهمة البعثة الأممية في الحديدة، تمهيداً لتهيئة مرتزقتها في “المخا” للعب دور المواجهة ضد صنعاء نيابة عنها.

وقرر مجلس الأمن مؤخراً تمديداً أخيراً لمدة شهرين لولاية البعثة الأممية في الحديدة “أونمها”، تنتهي في 31 مارس المقبل، بعد سبع سنوات من إنشائها، حيث تأسست في يناير 2019 بموجب قرار عن المجلس عقب توقيع اتفاق “ستوكهولم”، والذي نتج عنه وقف العمليات العسكرية في محافظة الحديدة.

وركز اتفاق “ستوكهولم” الذي تم التوقيع عليه في 13 ديسمبر 2018، برعاية أممية، بين حكومة صنعاء وما تسمى “الشرعية”، على ثلاثة ملفات رئيسية: وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في الحديدة وموانئها (الصليف ورأس عيسى)، تبادل الأسرى والمعتقلين، وتفاهمات بشأن تعز، بهدف إنساني وتخفيف التصعيد.

وتهدف “أمريكا وبريطانيا وكيان العدو الصهيوني” من هكذا توجه هو التخلص من العقبة الدولية في الساحل الغربي، غير أن هذا القرار اصطدم بالرفض الروسي الذي حذر من أن هذا الانسحاب القسري الذي سيخلق فراغاً أمنياً خطيراً يهدد الاستقرار في البحر الأحمر، وهو ما تتفق معه الصين التي تبدي تخوفاً على المسار الإنساني.

إن المخططات التي يرتب لها ثلاثي الشر في محافظة الحديدة لاشك أن مصيرها الفشل المحتوم؛ فالمعركة القادمة قد تم الإعداد لها بإحكام وستكون قاسية ومفاجئة للعدو ولن يجد غير حمم النيران تنهال عليه وتحرقه ولن يطفئ لهبها سوى الغرق في قاع البحر.

فإذا كانت أساطيل الولايات المتحدة الأمريكية وطائراتها الحربية وقواها العسكرية والاستخباراتية المتطورة، انهزمت وولت الأدبار من جبروت صواريخ وطائرات وأبطال الجيش اليمني، فماذا عسى أن يفعله “المرتزقة” ممن عقيدتهم “العملات المشفرة” في الحديدة؟!

دور أممي مشبوه

والحقيقة أن دور الأمم المتحدة ومكاتبها في اليمن لم يعد منحصر في الجانب الإنساني الذي يعتبر أساس عملها والمجال المتاح لها التحرك فيه، حيث بدأت تقفز عن حدودها وتستغل تواجدها لخدمة مصالح وأجندات مشبوهة مرتبطة بأعداء اليمن تحت غطاء إنساني، وهو ما أدركته صنعاء بجلاء لاسيما بعد استهداف قيادة الدولة، حيث كشفت التحقيقات تواطؤ وتورط أفراد يعملون في إطار مكاتب هيئات الأمم المتحدة بصنعاء بتلك الجريمة الشنعاء التي ارتكبها العدو الصهيوني، ناهيك عن أنها خاضعة لقرارات الولايات المتحدة وليست مستقلة في تنفيذ مهماتها في البلدان التي تعاني من الصراعات والحرب.

وفي لقاءات عدة، جمعت قيادة وزارة الخارجية والمغتربين مع ممثلي مكاتب هيئات الأمم المتحدة بصنعاء، وجهت الأولى أصابع الاتهام للأخيرة بالوقوف وراء استهداف حكومة التغيير والبناء وقادة عسكريين، وطالبتها بتصحيح مسار عملها وإعادة النظر في سياساتها التي خرجت عن سياقها ومضمونها المخول لها في القانون الدولي، غير أن ممارستها تكشف تمترسها في تنفيذ رغبات تهدد الأمن والاستقرار الذي تتمتع به المحافظات المحررة، الأمر الذي ترفضه صنعاء ولا تداهن أو تساوم فيه البتة.

انقلاب على “ستكهولم”

وبالعودة إلى البعثة الأممية في الحديدة، فإن توقيت إنهاء مهمتها الشهر المقبل، يدلل ارتباطها ومكاتب الأمم المتحدة كلياً في اليمن بالقوى الغربية، فبعد أحداث البحرين الأحمر والعربي في مساندة الشعب الفلسطيني بغزة ومنع القوات المسلحة الإمدادات للكيان الصهيوني لمواصلة قتل الفلسطينيين في غزة، جاء هذا القرار بطلب أمريكي وبريطاني وتنسيق سعودي، وهو ما أكده الخبير في الشؤون السياسية والاقتصادية رشد الحداد، أن المطالبات الأمريكية والبريطانية بإنهاء بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة “أونمها” تعكس رغبة لدى واشنطن ولندن بالانقلاب على اتفاق ستكهولم، أي أنها تراهن على تحريك جبهات الداخل بعد فشل تدخلها المباشر.

يأس استراتيجي

أن هذا التوجه يعكس حالة من اليأس الاستراتيجي الغربي؛ كما يوضح الخبير العسكري، العقيد مجيب شمسان،  مؤكداً أن الأمريكي والبريطاني وصلا إلى نتيجة مفادها أن الاستمرار في العمل العسكري عبر المدمرات وحاملات الطائرات هو كلفة أكبر، كون الحماية لهذه القطع التي تحولت إلى موقع الدفاع باتت أكبر من الفعالية العسكرية الميدانية؛ لذا بدأ التفكير في إعادة توظيف الأدوات الإقليمية (السعودية) كخيار أخير لتحمل الأعباء وحماية العدو الإسرائيلي”.

فيما اعتبر عضو مجلس النواب الدكتور علي الزنم أن تصويت مجلس الأمن على التجديد للبعثة الأممية في الحديدة لمدة شهرين فقط وبعد ذلك يتم إنهاء عملها، مؤشر سلبي لنوايا مستقبلية هدفها تفجير الصراع في الحديدة، مؤكداً أن من سيدخلون هذه المواجهة سيخسرون  حتماً.

فشل أممي

ولتقييم أداء البعثة الأممية خلال فترة عملها في الحديدة، يرى مراقبون أن تقليص التمديد يعكس فشلا كبيرا للبعثة في تحقيق أهدافها، ويضع المشهد اليمني أمام تحرك جاد نحو السلام أو الدخول في مرحلة تصعيد جديدة.

وقد أكد العميد حميد عبد القادر عنتر، مستشار مجلس الوزراء في حكومة التغيير والبناء، أن تمديد عمل البعثة شهرين فقط يؤكد فشلها التام في إحداث أي تقدم نحو السلام، لافتاً إلى أن الاتفاق لم ينعكس عمليا على الأرض، بدليل استمرار الحصار وإغلاق المطارات والموانئ وتوقف الرواتب.

تأتي هذه الخطوة تماشياً مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، بل أنها تطبيقاً حرفياً لها، حيث تحدث الأمريكيون صراحة عن “نقل الأعباء إلى الحلفاء” الذين عادوا وسموهم “شركاء:؛ فالأمريكي لا يريد أن يتورط مباشرة بعد فشله، فيأتي بالبريطاني والسعودي ليكونا في الواجهة، وهذا يعني أن السعودية تقول لليمنيين إنها مستعدة لتلقي ردود الفعل والضربات نيابة عن أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي”.

انتقام من صنعاء

إن هذا المخطط يهدف بالدرجة الأولى إلى فك الحصار الخانق الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على الكيان الصهيوني، وهو الحصار الذي نجح في عزل ميناء “أم الرشراش” (إيلات) وألحق خسائر فادحة باقتصاد العدو الإسرائيلي، متجاوزاً كافة التقنيات الدفاعية الأمريكية والبريطانية على مدى مسافات تزيد عن 2000 كيلومتر. ولأن صنعاء أثبتت قدرتها على التحكم الذكي في الملاحة، من خلال استهداف السفن المرتبطة بالعدو فقط مع تأمين مرور باقي السفن، فإن القوى الغربية تسعى لخلط الأوراق عبر تحويل المواجهة المقبلة إلى “مواجهة عربية-عربية” في الدول المشاطئة للبحر الأحمر، بدلاً من أن يظل ميدان نزال بين اليمن وكيان العدو الصهيوني والتحالفات الغربية المساندة له.

ومن هنا، تبرز تصفية بعثة الأمم المتحدة كخطوة أولى لإطلاق يد الفصائل الموالية للتحالف في الساحل الغربي للقيام بعمليات قرصنة ومضايقة للملاحة ونسبها لصنعاء، أو استخدام القواعد الثابتة كمنطلقات لاعتداءات جديدة تحت مظلة بريطانية وسعودية. علاوة على ذلك، يعكس هذا التحرك رغبة أمريكية في السيطرة المباشرة على أسواق الطاقة العالمية عبر إبقاء السعودية في الواجهة كدرع دفاعي يمتص الضربات اليمنية، وتجنيب المصالح الأمريكية التبعات الكارثية، وهو ما يمثل استغلالاً للمقدرات السعودية التي باتت مرهونة بالكامل للرؤية الأمنية الصهيونية.

إن ما يحدث اليوم هو عملية “تفريغ” لاتفاق ستوكهولم من محتواه، ونقض صريح للتفاهمات الدولية، مما يضع الشعب اليمني أمام مرحلة جديدة من المواجهة تفرضها رغبة واشنطن ولندن في تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ خاضعة للهيمنة الصهيو-أمريكية. وبالنظر إلى توقيت هذه الخطوة، فإن التفكيك الممنهج للدور الأممي في الساحل الغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن الفشل الذريع لعملية ما سمي بـ “تحالف الازدهار”؛ فهي تأتي كـ”خطة بديلة” وانتقامية من موقف صنعاء المبدئي في معركة “طوفان الأقصى”.

وما يجدر الإشارة إليه هنا، هو الحشد العسكري الكبير للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الاوسط، إذ ارسلت مدمراتها وأساطيلها الحربية للمحيطين الهندي والابيض المتوسط وأرست على بحري العرب وشمال البحر الأحمر وقرب مضيق هرمز، بهدف توجيه ضربه عسكرية لإيران، وتأتي هذه  التحركات  في ذات الوقت الذي قُرر فيه إنهاء ولاية البعثة الأممية في الحديدة نهاية مارس المقبل، وسبق ذلك وصول قادة عسكريين صهاينة إلى مدينة المخا، الأمر الذي يوحي بترتيبات غربية وصهيونية لتفجير الأوضاع عسكرياً هناك.

“أرض الصومال” و”أونمها”

ولا يمكن –أيضاً- فصل هذه الخطوة عن اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال”، حيث جاء متزامناً مع إنهاء مهمة البعثة الأممية في الحديدة، والذي يعد تهديداً ليس فقط لليمن فحسب بل للمنطقة برمتها، خاصة الدول المشاطئة للبحر الأحمر، إذ يسعى الكيان الصهيوني لإيجاد موطئ قدم له في هذا الممر المائي وبذات مضيق باب المندب من خلال تأسيس قاعدة عسكرية على “هرجيسيا” تكون مطلة على البحر العربي، ويفرض بذلك تطويقاً مائياً يتحكم بالتجارة العالمية ويضع اقتصادات الدول العربية والإسلامية تحت أمرته وارادته، وهو ما يستوجب التحرك لقطع التطاول الصهيوني الممتد إلى أراضي العرب والمياه الإقليمية والمصالح الدولية، ولن يقف عند هكذا حد بل ستطاوعه أطماعه لاحتلال ما أمكن من الدول العربية للسيطرة على ثرواتها وزعزعة أمنها واستقراها بما يتناسب مع توجهاته في توسيع نفوذه وارغام تلك الدول خاصة الخليجيةعلى التطبيع مع كيانه المحتل، وهو ما أكده الأكاديمي العماني عبدالله باعبود، المختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، أن اخطر تهديد لاستقرار دول الخليج ليس عدوان أو حربا خارجيا، بل انهيار الشرعية الداخلية. في المناخ الحالي، قد يؤدي مسار التطبيع والتعاون الأمني مع إسرائيل إلى إثارة رد فعل داخلي واسع بين شعوب المنطقة.

استعداد عسكري وشعبي

ولإدراك صنعاء أبعاد المخططات الغربية والصهيونية من إنهاء مهمة البعثة الأممية بالحديدة، تواصل تحضيراتها وجهوزيتها على كافة الصعد لاسيما العسكرية منها، لمواجهة أي تحركات محتملة من أدواتها الإقليميين والمحليين وفي مقدمتها السعودية ومرتزقتها في الداخل، حيث تشهد محافظة الحديدة حراكاً عسكرياً وشعبياً استعداداً للحظة الصفر لتلقين العدو دروساً أشد وأقسى مما لاقاها في ماضي الأيام القريبة، وقد حذّر محافظ الحديدة اللواء عبدالله عطيفي ، من المساس بأمن المحافظة أو التماهي مع أجندة العدو الأمريكي والإسرائيلي وعملائهم في المنطقة، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية ستتعامل بحزم مع أي محاولات تستهدف الجبهة الداخلية أو تسعى لزعزعة الاستقرار.

وأوضح عطيفي، أن الحفاظ على أمن واستقرار المحافظة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تستوجب أعلى درجات اليقظة والاستعداد.

من جانبه أكد نائب مدير أمن محافظة الحديدة العقيد ساري المغربي، أن القوات الأمنية في أتم الجاهزية لإحباط أي محاولة لاختراق الجبهة الداخلية، مشيراً إلى امتلاك الوحدات الأمنية الجاهزية الكاملة للتعامل مع مختلف التحديات، مشيراً إلى أن القوات الأمنية مستعدة لإسناد جبهات القتال متى ما تطلب الأمر ذلك، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب المزيد من الانضباط والجاهزية، والعمل بروح الفريق الواحد لحماية المحافظة والدفاع عن الوطن.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار