سّر البند اليمني الذي فجر مفاوضات جمعة إسطنبول قبل أن تبدأ
د. ربيع شاكر المهدي*
في اللحظات الأخيرة من مساء الأربعاء 4 فبراير 2026 اهتزت أروقة الدبلوماسية الدولية بقرار إلغاء مفاجئ لمفاوضات الجمعة التي كانت مقررة في إسطنبول بين واشنطن وطهران.
وبينما حاول الإعلام الرسمي تسويق الأمر كتغيير فني في الموقع كشفت تقارير استخباراتية سربها أكسيوس ودوائر دبلوماسية في برلين أن ما حدث كان عملية هروب استراتيجي نفذتها إيران في ربع الساعة الأخير بعد أن اكتشفت طهران أن إسطنبول لم تكن منصة للحوار بل كانت كميناً إقليمياً نصبته واشنطن حيث كانت الخطة الأمريكية تقضي بتحويل اللقاء من مفاوضات نووية ثنائية تبحث الملف النووي إلى توسيع بنودها إلى الصواريخ وصنعاء وأمن الملاحة الدولية كشرط مسبق لأي انفراج.
وتُجمع الدوائر الاستخباراتية والدبلوماسية الغربية خاصة تقارير وول ستريت جورنال ورويترز الصادرة اليوم على أن إلغاء مفاوضات الجمعة في إسطنبول لم يكن مجرد خلاف على مكان الاجتماع فقط بل كان عملية إنقاذ سياسي نفذتها طهران للهروب من استراتيجية الكمين الإقليمي التي نصبتها إدارة ترامب وتحويل الملف النووي من قضية تقنية بين طهران والغرب إلى اتفاقية أمنية إقليمية شاملة وتحويل المفاوضات من لقاء ثنائي كما كان متفقًا عليه إلى منصة دولية عريضة تحضرها دول إقليمية وهو ما رفضته إيران.
فرض واشنطن أجندة شاملة تتجاوز الملف النووي لتشمل صواريخ صنعاء البالستية وأمن الملاحة في البحر الأحمر كشرط لأي تقدم نووي فجاء الرد بالطلب الفوري لنقل المحادثات إلى سلطنة عمان حيث تصر إيران على أن تكون المفاوضات إيرانية أمريكية فقط وتبحث بند واحد لا ثاني له بحصر النقاش في الملف النووي ورفع العقوبات.
الدول الإقليمية تتمسك بإدراج ملف اليمن وتعتبر أن عدم ضمن بند اليمن يعتبر اتفاق ناقص وسيعيد إنتاج الأزمات وهذا التضاد هو الذي فجر مفاوضات الجمعة وأدى لإلغائها في اللحظات الأخيرة.
كشفت التقارير أن الرئيس ترامب وجه رسائل شديدة اللهجة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مفادها أن رفض أجندة إسطنبول الشاملة يعني الاقتراب من الخيار العسكري.
وتزامناً مع طلب نقل المفاوضات حشدت واشنطن قطعاً بحرية ضخمة قرب السواحل الإيرانية بل وأسقطت طائرة مسيرة إيرانية اقتربت من حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن في بحر العرب يوم أمس الثلاثاء.
أكسيوس ورويترز قالتا بأن مسقط قدمت مقترحاً يرضي الطرفين عبر مفاوضات ثنائية مغلقة في مسقط تجمع عباس عراقجي وستيف ويتكوف بمشاركة مرتقبة لجاريد كوشنر وهذا المسار يبحث فقط البنود النووية التخصيب والعقوبات وبدلاً من تصفير التخصيب تجميد التخصيب عند مستوياته الحالية مقابل تجميد بعض العقوبات النفطية مع نقل اليورانيوم المخصب إلى سلطنة عمان كطرف ثالث مؤتمن بدلاً من تسليمه لأي طرف آخر وتعهدت مسقط بتقديم ضمانات سيادية لواشنطن.
أكسيوس قالت إن إلغاء جولة إسطنبول يمثل ضربة لمحاولة إدارة ترامب بناء تحالف إقليمي عريض لمواجهة إيران فواشنطن كانت تأمل أن يؤدي وجود دول إقليمية على طاولة اسطنبول سيؤدي إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات شاملة.
وأضافت أكسيوس بأن إلغاء مفاوضات اسطنبول يعني أن إيران لا تزال تملك القدرة على تفكيك الجبهات الدولية الموحدة ضدها وأنه انتصار تكتيكي مؤقت لإيران لكنه يضعها في مواجهة مباشرة وأكثر خطورة مع مزاج ترامب المتقلب والذي قد يتحول من التفاوض إلى التصعيد في أي لحظة إذا لم تحقق جولة سلطنة عمان نتائج ملموسة ولا توجد تأكيدات حتى اللحظة على قبول واشنطن لنقل المفاوضات إلى مسقط وهو ما يعكس حالة الفوضى الدبلوماسية التي تعيشها الساعات الأخيرة.
حيث أفاد موقع أكسيوس أن إدارة ترامب كانت قد أبدت مرونة في البداية لنقلها لكنها عادت وأبلغت طهران اليوم الأربعاء بأنها تسمح بنقل المكان إلى مسقط بشرط بقاء الأجندة كما هي أي تشمل اليمن والصواريخ وعندما رفضت إيران كان رد المسؤولين الأمريكيين حازماً الخيار إما هذا أو لا شيء!. فأجاب الإيرانيون بالقول (اشيء) وبناءً عليه تم إلغاء جولة الجمعة رسمياً وغادر المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف المنطقة عائداً إلى ميامي.
ما يثير الحيرة هو أن وسائل الإعلام الإيرانية مثل وكالة تسنيم وإيسنا لا تزال تؤكد أن المفاوضات ستُعقد في مسقط يوم الجمعة بينما تصر واشنطن على أن الجولة أُلغيت لأنها لن تقبل بتغيير شكل ونطاق المحادثات.
- سياسي يمني
Comments are closed.