سامي عطا: سؤال السلطة والعدو، لماذا يختلف السنة والشيعة في إدارة الصراع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال المعقَّد تتطلب الغوص في الخلفيات التاريخية والبنى الفكرية والاستراتيجيات السياسية التي شكّلت مسار كل فريق. فالفروق ليست مجرد اختلافات عقائدية تقليدية، بل هي انعكاس لتجارب سياسية عميقة وتصورات متباينة لمفاهيم ” السلطة ” و” العدو ” و” الشرعية “.
أولاً: السلطة بين الوسيلة والغاية
عند الشيعة، خاصة في النسخ الإمامية الاثني عشرية السائدة في إيران والعراق ولبنان، تشكّلت عبر القرون ثقافة سياسية ترى في ” الدولة ” كيانًا مؤقتًا وناقصًا في غياب الإمام المعصوم. هذه النظرة، وإن تبدو سلبية، أنتجت مرونة استراتيجية هائلة. فالسلطة الدنيوية هي وسيلة لحفظ المجتمع ودرء المخاطر وتحقيق أهداف كبرى، وليست غاية مقدسة بحد ذاتها. وهذا ما يتجسد بوضوح في جمهورية إيران الإسلامية، حيث تُختزل ” الدولة ” في إطار نظرية ” ولاية الفقيه ” التي تجعل من الحاكم وكيلًا ونائبًا، وليس سلطة مطلقة أو مقدسة. حتى الحروب، كما في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، يمكن قراءتها عندهم كحرب دفاع عن ” المشروع ” وليس فقط عن ” التراب “، وهو ما يفسر تحسن علاقتهم بنظام صدام في أيامه الأخير عندما دخل في علاقة صدام مع عدوهم الرئيسي ، وتحالفهم لاحقًا مع نظام بغداد بعد سقوط صدام حسين لمواجهة ما يرونه تهديدًا وجوديًا مشتركًا.
في المقابل، ورث العالم السني، بعد انتهاء الخلافة الراشدة وقيام الملك العضوض، تقليدًا يجعل من ” السلطة ” مركز الاستقرار والشرعية الدينية والدنيوية. فأصبحت الدولة – حتى لو كانت استبدادية – حامية للدين والمجتمع. هذا جعل الصراع عليها صراعًا وجوديًا، حيث يتحول الخصم الداخلي إلى عدو يجب إقصاؤه لأن السيطرة على مركز السلطة تعني السيطرة على تعريف الشرعية نفسها. الصراعات في التاريخ الإسلامي من العصر الأموي حتى الربيع العربي ( مصر، ليبيا، اليمن، السودان ) تظهر كيف يمكن أن يتحول الاختلاف السياسي إلى حرب أهلية طاحنة عندما يفتقد الجميع إلى سلطة عليا متفق عليها أو مرجعية حاكمة.
ثانيًا / تحديد العدو.. البوصلة الاستراتيجية
يُظهر المسار الشيعي، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، قدرة لافتة على تحديد ” العدو الحقيقي ” أو ” العدو الاستراتيجي ” بشكل ثابت نسبيًا، وهو ما يعطي سياساتهم استمرارية ووضوحًا. هذا العدو يُعرَّف غالبًا بـ ” الهيمنة الغربية ” و” الكيان الصهيوني “. حتى عندما تحارب قوى إسلامية ( كما في الحرب مع العراق )، فإن الإطار الإيديولوجي يصورها كأداة بيد ذلك العدو الحقيقي. هذه المركزية في تعريف العدو توحد الصفوف الداخلية وتحدد الأولويات، وتنفتح إيران كدولة على دعم دول تقف ضد الهيمنة الأمريكية كفنزويلا وكوبا وغيرها ، كما أنها تدعم أحزاب في المنطقة تلتقي معها على نفس الخط سواءاً كانت أحزاب قومية أو حتى يسارية ، وعلى الخط يسير حزب اللَّه في لبنان في نسج علاقاته التحالفية.
أما في العالم السني، فنجد تشرذمًا في البوصلة الاستراتيجية وتضاربًا في تعريف العدو. فبينما ترفع بعض الحركات شعار مقاومة ” الاستكبار العالمي “، ترى دول سنية كبرى أن الخطر الإرهابي الداخلي ( كالقاعدة وداعش ) هو العدو الأول، أو ترى في النفوذ الإيراني التهديد الأكبر. هذا التضارب يؤدي إلى تحالفات متناقضة، حيث قد تقاتل فصائل سنية – كما أشرت – تحت مظلة أو بتمويل من قوى خارجية ( كالدعم الأمريكي أو الغربي لبعض الفصائل في سوريا ) لمجرد إسقاط نظام معادٍ، حتى لو كانت تلك القوى تُعرِّفها في إطارها الإستراتيجي بأنها ” عدو “.
ثالثًا/ التعددية والمرجعية الفكرية.
هنا يأتي دور الملاحظة الدقيقة التي أشار إليها المفكر الأمريكي روبرت كابلان في كتابه ” انتقام الجغرافيا “. لاحظ كابلان أن المؤسسة الدينية الشيعية، المتمثلة في الحوزة العلمية، تشبه إلى حد ما الكنيسة الكاثوليكية في تراتبيتها وتنظيمها وقدرتها على احتواء الاجتهادات ضمن إطار موحد نسبيًا. فهناك مراجع تقليد يتدرج تحتهم طلاب ومقلدون، مما يخلق مساحة للحوار الداخلي ومنعاً للانشقاق الحاد. الاختلاف موجود ( كما بين ” الاصوليين ” و” الأخباريين ” تاريخياً، أو بين مرجعيات قم والنجف اليوم )، ولكنه محكوم بآداب وسلطة علمية.
في المقابل، يتميز العالم السني بـ ” اللامركزية الفكرية ” منذ سقوط الخلافة. فكل عالم أو شيخ يحظى بشرعية مستقلة، وليس هناك هرم ديني ملزم. هذه سمة قوة في الحرية والاجتهاد، ولكنها قد تكون مصدر ضعف في أوقات الأزمات، حيث تتكاثر الفتاوى والتوجهات المتضاربة دون سلطة فضٍّ عليا، مما يغذي الصراعات. كما لاحظ المؤرخ برنارد لويس، فإن الإسلام السني لم يطور مؤسسة دينية هرمية تحسم النزاعات الدينية، فانعكس هذا على السياسة.
هذا لا يعني أن الشيعة بمنأى عن الصراعات الداخلية ( فهناك تنافس بين إيران وحزب الله من جهة وبين بعض القوى الشيعية العراقية من جهة أخرى )، لكن طبيعته تختلف. صراعاتهم غالباً ما تكون داخل الإطار الاستراتيجي الواحد ( كصراع النفوذ داخل ” المحور المقاوم ” ) وليس صراعًا على الشرعية ذاتها أو لاهوتيًا بالأساس، ولا يتخذ طابعاً تناحرياً أو اقتتال.
بينما يعاني الصراع السني من كونه كثيرًا ما يكون صراعًا على الشرعية ذاتها وعلى الهوية، في ظل غياب مرجعية موحدة وتضارب في الأولويات الاستراتيجية، مما يجعله أكثر ضراوة واستدامة. الفرق الجوهري هو أن النسق الشيعي، بعد انتصار ثورته في إيران، بني إستراتيجيته على ” عقيدة ” سياسية واضحة المعالم والعدو، بينما ظل النسق السني، رغم توحده العقدي الأساسي، يعاني من أزمة في الصيغة السياسية الجامعة وتحديد العدو المشترك في عالم ما بعد الاستعمار.
هذا التحليل لا يحمل قيمة أحكامية، بل هو محاولة لفهم الآليات العميقة التي تحرك المشهدين، متجاوزًا القراءات السطحية التي تختزل الأمر في طائفيته الظاهرة.
Comments are closed.