الإمارات تبني نفوذها بالدم والسجون السرية .. القصة المسكوت عنها
إدارة التحقيقات:
منذ بداية الاحتلال الإماراتي بدات طبقة مظلمة من الجرائم تتشكل: سجون سرية خارج القانون، تعذيب ممنهج، إخفاء قسري، اغتيالات سياسية محترفة، ومرتزقة أجانب جرى استيرادهم لتصفية الخصوم بصمت.
لم تكن هذه تجاوزات فردية ولا أخطاء ميدانية، بل نمطا متكررا كشف عن سياسة قذرة مدارة، تنفذ بعناية، وتدار خارج أي مساءلة.
مسرح مفتوح للرعب المنظم؛ أجسام تعذب في حاويات سوداء، أصوات تخنق في زنازين بلا أسماء، وشخصيات تغتال في وضح النهار تحت أعين أجهزة أمن صنعت خصيصا لتكون فوق القانون. ومع كل تقرير دولي، وكل شهادة ناج، كانت الحقيقة تتعرى أكثر: مشروع يقوم على كسر المجتمع، وعلى إخضاع الجغرافيا عبر الخوف.
هنا، لم يعد السؤال عن “الدور الإماراتي” سؤالا سياسيا، بل اتهاما جنائيا مفتوحا. فحين تتكاثر الأدلة، وتتطابق الشهادات، وتتكرر الجرائم بالأسلوب نفسه، يصبح الصمت تواطؤا، وتتحول الحرب من صراع مسلح إلى ملف جرائم ثقيلة تنتظر عدالة غائبة، ودماء لم يسمح لها بعد أن تتكلم.
ساحة نفوذ مفتوحة
لم يعد الدور الإماراتي في اليمن محلّ جدل سياسي عابر أو اختلاف في وجهات النظر بل تحول، مع تراكم الوقائع والتقارير والتصريحات، إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل .
فمنذ احتلال أبوظبي لجنوب اليمن أخذ حضورها على الأرض مسارًا مغايرًا متجهًا نحو بناء نفوذ أمني وسياسي مستقل، يقوم على تفكيك مؤسسات الدولة، وإعادة تشكيل مراكز القوة، وإدارة الصراع.
خلال السنوات الأولى بدا المشهد ملتبسًا، غير أن ما تلا ذلك كشف، تدريجيًا، أن الإمارات تتعامل مع المناطق المحتلة كساحة نفوذ مفتوحة، تُدار عبر مرتزقة محليين.
منذ عام 2016، بدأت ملامح هذا التحول تتضح بجلاء حيث جرى إنشاء تشكيلات مسلحة جديدة خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية، مُنحت صلاحيات أمنية وعسكرية واسعة، وتلقّت دعمًا مباشرًا من أبوظبي.
انتهاكات خطيرة
في هذا الخصوص يقول عبدالباري عطوان إن «الإمارات استغلت وجودها في اليمن لتنفيذ أجندة خاصة بها على الأرض اليمنية»، موضحًا أن «قوات وجماعات مدعومة من أبوظبي ارتكبت انتهاكات خطيرة شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وإدارة سجون سرية»، ومضيفًا أن هذه الممارسات «تمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة اليمنية وتقويضًا لمؤسسات الدولة».
ووفق محللين سياسيين فإن «الدعم الإماراتي لتشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة حوّل الجنوب المحتل إلى مناطق نفوذ متنازعة، وأدخل البلاد في صراع داخلي موازٍ، عمّق الانقسام».
هذا الواقع انعكس مباشرة على الوضع الأمني. فبدل الاستقرار، شهدت محافظات الجنوب المحتل تصاعدًا غير مسبوق في الاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية.
وتشير تقديرات محلية إلى تنفيذ أكثر من 350 عملية اغتيال بين عامي 2016 و2024، استهدفت أئمة مساجد، وضباطًا، وناشطين، وأكاديميين، وصحفيين.
كثير من هذه العمليات نُفّذ في وضح النهار، وفي مناطق يفترض أنها خاضعة لسيطرة أمنية مشددة، ما عزز الشكوك بشأن وجود شبكات منظمة تعمل خارج القانون.
مرتزقة أجانب وسجون سرية
وفي هذا السياق، كشف تحقيق لموقع BuzzFeed News عن استعانة جهات مرتبطة بالإمارات بمرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال في اليمن، في سابقة خطيرة أعادت تعريف طبيعة الصراع، ونقلت العنف من مستوى المواجهات العسكرية إلى مستوى الاغتيال السياسي المنهجي.
إلى جانب الاغتيالات، برز ملف السجون السرية كأحد أخطر وجوه هذا الدور.
فقد وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية وجود شبكة من مراكز الاحتجاز غير القانونية، أُنشئت وأُديرت خارج سلطة القضاء اليمني.

اعتقال ما لا يقل عن 7,680 شخصاً تعرّض كثير منهم للتعذيب والإخفاء القسري، فيما توفي 65 معتقلاً نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي
وتشير تقديرات حقوقية إلى اعتقال ما لا يقل عن 7,680 شخصًا في هذه السجون، تعرّض كثير منهم للتعذيب والإخفاء القسري، فيما توفي 65 معتقلًا نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.
الناشط الحقوقي هاني مجلي قال إن «الانتهاكات المرتبطة بالقوات المدعومة إماراتيًا موثقة وتشمل الإخفاء القسري والتعذيب ومنع الضحايا من الوصول إلى العدالة».
بينما أكد الناشط عبدالرقيب الهدياني أن «السجون السرية في جنوب اليمن المحتل تمثل أحد أخطر ملفات الانتهاكات في الحرب»، داعيًا إلى «تحقيق دولي مستقل ومساءلة المسؤولين عنها».
شهادات معتقلين سابقين تحدثت عن الصعق الكهربائي، والحرمان من النوم، والحبس الانفرادي المطوّل، والاعتداءات الجسدية والنفسية، في مرافق لا تحمل أي صفة قانونية.
شهادات دولية
دوليًا، نشرت وكالة أسوشيتد برس تحقيقًا موسّعًا أكدت فيه أن «الإمارات ومرتزقتها المحليين أنشأوا شبكة سجون سرية في جنوب اليمن المحتل»، نقلت فيه شهادات مباشرة لمعتقلين قالوا إنهم احتُجزوا دون محاكمة، وتعرّضوا لتعذيب ممنهج.
كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى «اتهامات متزايدة بمسؤولية محتملة عن جرائم حرب»، استنادًا إلى تقارير أممية وتحقيقات مستقلة.
أما على الصعيد السياسي، فقد مثّل دعم المشروع الانفصالي في المناطق المحتلة ذروة هذا المسار. فمنذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، اتجهت الأحداث نحو تكريس واقع يقوم على تقاسم النفوذ بالقوة، وصولًا إلى السيطرة على عدن، وطرد حكومة المرتزقة منها، في مشهد كشف بوضوح تعارض هذا المسار مع وحدة الدولة اليمنية.

أكثر من 350 عملية اغتيال بين عامي 2016 و2024، استهدفت أئمة مساجد، وضباطًا، وناشطين، وأكاديميين، وصحفيين
واعتبر محللون أن هذا الدعم لم يكن وليد لحظة سياسية، بل جزءًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية بما يخدم مصالح إقليمية.
الكاتب والمحلل السياسي عبدالباري عطوان قال إن «الإمارات لم تدخل اليمن ضمن مشروع وطني، بل ضمن مشروع نفوذ وسيطرة على الموانئ والجزر»، مضيفًا أن «دعم قوى انفصالية أدخل اليمن في دوامة صراع داخلي طويل». بدوره، كتب الصحفي ديفيد هيرست في Middle East Eye أن الدور الإماراتي ركّز على بناء قوى محلية موالية لها معتبرًا أن ذلك «أدى إلى تعميق الانقسام.
اقتصاديا واجتماعيا واعلاميا
انعكس هذا الدور سلبًا على حياة الملايين. فقد أدّت السيطرة على الموانئ والمنشآت الحيوية إلى تعطيل موارد الدولة، وتراجع الإيرادات العامة، وحرمان الحكومة من أدواتها الاقتصادية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تعطيل الموانئ وحرمان الخزينة العامة من عائداتها، في وقت يعيش فيه أكثر من 80% من السكان في المناطق الواقعة تحت الاحتلال تحت خط الفقر.
و ساهمت هذه السياسات في تفكك النسيج الاجتماعي. فقد شهدت محافظات الجنوب موجات تهجير قسري طالت أكثر من 200 ألف شخص، نتيجة صراعات محلية وتصفية حسابات سياسية. قرى أُفرغت من سكانها، وأحياء تغيّرت تركيبتها السكانية بالقوة، في ظل غياب أي آليات للمساءلة أو جبر الضرر.
وواصلت وسائل إعلام عربية ودولية توثيق هذا المشهد. فقد تحدثت قناة الجزيرة عن «قوات مدعومة من الإمارات تدير مراكز احتجاز خارج سلطة القضاء»، بينما ربطت العربي الجديد بين الدور الإماراتي في الجنوب المحتل «ودعم قوى انفصالية والسيطرة على منشآت سيادية»، معتبرة أن ذلك «فاقم الانقسام السياسي والجغرافي».
في المحصلة، وبين تصريحات مسؤولين يمنيين، وشهادات ناشطين حقوقيين، وتحقيقات إعلامية عربية ودولية، تتعزز صورة الدور الإماراتي كمشروع قائم على إدارة الفوضى لا إنهائها، وعلى بناء نفوذ أمني خارج الدولة لا داخلها.
ويرى مراقبون أن غياب تحقيق دولي مستقل وشفاف أسهم في استمرار الإفلات من العقاب، فيما ظل المدنيون اليمنيون الطرف الأكثر تضررًا من حرب طال أمدها، وتشابكت فيها الأجندات، وتوارى فيها صوت العدالة خلف ضجيج السلاح.
البعد القانوني الدولي
لا تقتصر خطورة الدور الإماراتي على بعدها السياسي أو الأمني، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى المسؤولية القانونية الدولية.
فوفق القانون الدولي الإنساني، تتحمّل الدول مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات التابعة لها أو المجموعات المسلحة التي تعمل بدعمها أو بتوجيه منها.
وفي الحالة اليمنية، تشير تقارير حقوقية متعددة إلى نمط متكرر من الانتهاكات، ما ينقلها من خانة “التجاوزات الفردية” إلى خانة السياسات الممنهجة.
تقارير صادرة عن خبراء أمميين تحدثت عن “مسؤولية محتملة” لقوى إقليمية مشاركة في النزاع، بسبب دعم تشكيلات مسلحة ارتكبت انتهاكات جسيمة، بينها الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والاستهداف غير القانوني للمدنيين.

نفوذ إماراتي يُبنى بالقوة والدم والسجون السرية خارج مؤسسات الدولة
ويرى قانونيون أن استمرار هذه الممارسات، في ظل غياب المساءلة، يفتح الباب أمام توصيفها كجرائم حرب، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بسياق نزاع مسلح غير دولي، وتُنفّذ على نطاق واسع وبصورة منظمة.
في هذا الإطار، شددت منظمات حقوقية دولية على أن إنشاء سجون خارج إطار القضاء، ومنع المعتقلين من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، يمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب.
كما أن الاستعانة بمرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال سياسية، كما كشفت تحقيقات صحفية دولية، يندرج ضمن أخطر الانتهاكات التي تُجرّمها القوانين الدولية، وتضع المسؤولية على عاتق الجهة التي موّلت وخطّطت وسهّلت.
تصفية الخصوم
أحد أكثر الملفات حساسية هو ملف الاغتيالات السياسية، الذي تحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل المجال العام بالقوة. فمنذ عام 2016، شهدت عدن ومدن أخرى سلسلة اغتيالات طالت أئمة مساجد، وأكاديميين، وضباطًا، وناشطين مدنيين، وصحفيين، كثير منهم عُرفوا بمواقفهم الرافضة للميليشيات أو المنتقدة للاحتلال الاماراتي.
اللافت أن هذه الاغتيالات نُفّذت غالبًا بأسلوب احترافي، وباستخدام كواتم صوت، وفي مناطق تخضع لسيطرة أمنية مشددة، ما أثار تساؤلات واسعة حول الجهة القادرة على تنفيذها دون محاسبة.
تحقيق BuzzFeed News ألقى ضوءًا غير مسبوق على هذا الملف، حين كشف عن استعانة جهات مرتبطة بالإمارات بمرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال في اليمن، ضمن برنامج منظّم لتصفية شخصيات وُصفت بأنها “غير مرغوب فيها”.
ويرى محللون أن هذه الاغتيالات لم تكن عشوائية، بل استهدفت تفريغ الساحة من الأصوات المستقلة، وإعادة إنتاج مشهد سياسي وأمني خاضع لقوى تتبع الامارات.
وبمرور الوقت، أدت هذه السياسة إلى خلق مناخ من الخوف، ودفع كثير من الناشطين والإعلاميين إلى مغادرة البلاد أو التزام الصمت، ما مثّل ضربة قاسية لحرية التعبير والعمل المدني.
السجون السرية
ويشكّل ملف السجون السرية الإماراتية في اليمن أحد أخطر أوجه الانتهاكات، ليس فقط بسبب حجم الانتهاكات، بل بسبب طبيعتها البنيوية.
فهذه السجون لم تكن مراكز احتجاز مؤقتة، بل منظومة متكاملة، أُنشئت خارج سلطة القضاء، وتولت إدارة ملف المعتقلين السياسيين والأمنيين بمعزل عن أي رقابة.
شهادات معتقلين سابقين تحدثت عن نقلهم بين سجون متعددة دون إبلاغ أسرهم، وعن تعرّضهم لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج، شمل الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف، والحرمان من الطعام والنوم، والحبس الانفرادي المطوّل. بعضهم قضى شهورًا أو سنوات دون توجيه تهمة رسمية، أو المثول أمام قاضٍ.

نقش التواريخ على الجوانب السوداء لحاويات الشحن التي استخدمت كزنازين
الناشط الحقوقي عبدالرقيب الهدياني وصف هذه السجون بأنها «أحد أخطر ملفات الانتهاكات في الحرب»، معتبرًا أنها تمثل “دولة داخل الدولة”، تُدار بقوة السلاح لا بالقانون.
فيما شددت منظمات حقوقية على أن استمرار عمل هذه السجون يعكس انهيار منظومة العدالة.
الموانئ والجزر
إلى جانب البعد الأمني، شكّل التحكم بالموانئ والجزر اليمنية محورًا أساسيًا في الدور الإماراتي. فالموانئ ليست مجرد منشآت خدمية، بل شرايين اقتصادية وسيادية. السيطرة عليها تعني التحكم بالتجارة، والإيرادات، وخطوط الإمداد.
تقارير اقتصادية أشارت إلى أن تعطيل أو إخضاع الموانئ اليمنية لإدارة غير حكومية كلّف الدولة مليارات الدولارات من الإيرادات المفقودة، في وقت تعاني فيه المناطق المحتلة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
كما أثار الحضور الإماراتي في جزر استراتيجية، مثل سقطرى وميون، مخاوف واسعة بشأن تحويل هذه المواقع إلى نقاط نفوذ إقليمي خارج الإرادة اليمنية.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس رؤية استراتيجية تقوم على التحكم بالممرات البحرية، وتأمين مواقع نفوذ دائمة، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة اليمن وسيادته الاقتصادية.
كما ان لسياسات التفكيك الأمني ودعم القوى المحلية المتنازعة أثر بالغ على النسيج الاجتماعي في الجنوب. فقد غذّت هذه السياسات صراعات مناطقية وقبلية، وأعادت إنتاج الانقسامات القديمة، وخلقت انقسامات جديدة، قائمة على الولاءات المسلحة لا الانتماء الوطني.
التهجير القسري، الذي طال مئات الآلاف، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أداة ضغط سياسي وأمني.
أسر أُجبرت على مغادرة مناطقها، وأخرى مُنعت من العودة، في ظل غياب أي آلية رسمية للإنصاف أو التعويض. هذا الواقع عمّق مشاعر المظلومية، وترك جراحًا اجتماعية مفتوحة تهدد مستقبل السلم الأهلي.
توثيق وغياب المحاسبة
على مدار سنوات، لعب الإعلام الدولي والعربي دورًا محوريًا في كشف هذه الملفات. من تحقيقات “أسوشيتد برس” عن السجون السرية، إلى تقارير نيويورك تايمز حول المسؤولية المحتملة عن جرائم حرب، وصولًا إلى تغطيات الجزيرة والعربي الجديد حول الانفصال والاحتجاز خارج القانون، تراكمت مادة توثيقية ضخمة يصعب تجاهلها.
غير أن هذا التوثيق لم يُترجم إلى مساءلة فعلية. ويرى مراقبون أن المصالح السياسية، وتعقيدات المشهد الإقليمي، حالت دون فتح تحقيق دولي مستقل وشامل، ما شجّع على استمرار الانتهاكات، ورسّخ ثقافة الإفلات من العقاب.
جحيم الحاويات السوداء
ليست مجرد اتهامات عابرة ولا روايات منسية، بل مشاهدات ميدانية وشهادات موثّقة كشفتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تزيح الستار عن واحد من أكثر الفصول قتامة.
حاويات شحن مطلية بالسواد، زنزانات إسمنتية خانقة، وأجساد بشرية محشورة بلا هواء ولا كرامة داخل قواعد عسكرية إماراتية سابقة، تحوّلت إلى مسالخ اعتقال خارج القانون.
تقرير صادم يرسم صورة لجحيم خفي، حيث العزل الانفرادي، والتعذيب، والحرمان، والتهديد بـ«غوانتانامو»، في وقت لا يزال فيه عشرات اليمنيين، بحسب عائلاتهم، أسرى لهذا المصير المجهول، وسط صمت دولي يضاعف فداحة الجريمة.
كشف التقرير عن مشاهدات ميدانية وشهادات صادمة من داخل مواقع احتجاز كانت قائمة في قواعد عسكرية إماراتية سابقة جنوب اليمن، حيث عاينت في أحد المواقع نحو عشر حاويات شحن طُليت جدرانها الداخلية باللون الأسود، مع تهوية ضعيفة، ووجدت على جدرانها كتابات تشير، على ما يبدو، إلى تواريخ إحضار المحتجزين أو حساب عدد أيام احتجازهم، يعود بعضها إلى ديسمبر 2025.

حاويات سوداء تتحول إلى مسالخ اعتقال ومطالبات بتحقيق دولي مستقل
وفي قاعدة عسكرية أخرى، ثماني زنزانات مبنية من الطوب والإسمنت، من بينها زنزانات ضيقة لا تتجاوز مساحتها متراً واحداً في متر، استخدمت للعزل الانفرادي.
التقرير يوثّق أيضاً شهادات محتجزين سابقين أفادوا بأنه كان يتم احتجاز نحو 60 رجلاً في حاوية شحن واحدة، معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، وأُجبروا على الجلوس طوال الوقت، في ظروف وصفها أحدهم بالقول: “لم يكن هناك مكان للاستلقاء. إذا سقط أحدهم، كان على الآخرين أن يسندوه”.
كما نقل التقرير روايات عن الضرب المتواصل، والحرمان من الطعام، والتهديد بالنقل إلى “غوانتانامو”، إضافة إلى مزاعم بتعرض المحتجزين للاعتداء الجنسي خلال التحقيق، وسط تأكيدات بأن من بين القائمين على الاحتجاز جنوداً إماراتيين ومرتزقة يمنيين، في وقت وثّقت فيه منظمات حقوقية، على مدى سنوات، شهادات متطابقة حول هذه المرافق، بينما لا يزال العشرات – بحسب عائلاتهم – رهن الاحتجاز حتى اليوم.
Comments are closed.