حين يُقتل الصحفي قبل الخبر .. غزة تُباد في العتمة

ليست غزة اليوم مجرد ساحة حرب، بل مسرح جريمة مفتوح تُغلق أبوابه عمداً في وجه العالم. هناك، حيث تتساقط القذائف فوق البيوت المهدّمة، يُقتل الصحفي قبل أن يُقتل الخبر، وتُدفن الحقيقة تحت الركام.

وفق تحذير صادم أطلقه المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فيليب لازاريني، بات قطاع غزة أخطر مكان في العالم على الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني، بعدما تجاوز عدد الصحفيين الذين استشهدوا 230 صحفياً، في رقم غير مسبوق يكشف أن استهداف الكاميرا بات جزءاً من المعركة.

تضليل

لازاريني أكد أن الحظر الإسرائيلي المستمر على دخول الصحفيين، خصوصاً الأجانب، لا يمكن فصله عن حرب التضليل الممنهجة، إذ إن منع الإعلام المستقل يخلق فراغاً قاتلاً تُملأ مساحته بالشائعات والدعاية والسرديات المتطرفة.

ومنذ أكثر من 650 يوماً، يُغلق القطاع إعلامياً، وكأن العالم يُطلب منه أن يصدق ما يُملى عليه، لا ما يُرى ويُوثق.

في هذا المشهد المعتم، تحوّل الصحفي الفلسطيني إلى “العين والذاكرة”، ينقل الفظائع من قلب النار، ويكتب بدمه ما عجزت المؤسسات الدولية عن فرضه من حماية.

 

رقم بلا صوت

عمل الصحفيون جنباً إلى جنب مع العاملين في المجال الإنساني، تحت القصف والحصار، لتقديم صورة إنسانية عن حرب لم تترك حجراً ولا بشراً في مأمن.

لكن استهدافهم، كما يقول لازاريني، ليس عرضياً، بل يهدف إلى التشكيك في الشهادات المباشرة وتقارير المنظمات الإنسانية الدولية، وتجريد الفلسطيني من إنسانيته، وتحويله إلى رقم بلا صوت.

وتأتي هذه التحذيرات بينما ترتفع حصيلة المجازر إلى مستويات كارثية، إذ تشير مصادر صحية إلى استشهاد أكثر من 71,654 فلسطينياً، وإصابة ما يزيد على 171,391 منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023. وحتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم تتوقف آلة القتل، حيث سُجل مقتل نحو 483 فلسطينياً، بينهم 169 طفلاً و64 امرأة، في دليل فاضح على أن النار لم تنطفئ، بل غُيّر شكلها فقط.

مهمة مستحيلة

ولم تسلم «الأونروا» نفسها من الاستهداف، إذ قُتل أكثر من 200 من موظفيها، وتعرّضت منشآتها للقصف المتكرر، ما جعل العمل الإنساني في غزة أقرب إلى مهمة مستحيلة.

الوكالة اتهمت إسرائيل بشن حملة تضليل عالمية ضدها، لتقويض دورها الإنساني وتبرير الهجمات عليها، محذّرة من أن هذه الحملات لا تهدد الوكالة وحدها، بل تزرع الخوف في صفوف كل من يحاول إنقاذ ما تبقى من حياة.

إن منع الصحفيين من دخول غزة ليس إجراءً أمنياً كما يُدّعى، بل قرار سياسي يهدف إلى تعتيم الجريمة، وإدارة الحرب بعيداً عن أعين العالم. فحين تُغلق الكاميرات، تُفتح أبواب الإفلات من العقاب، وحين يُقتل الصحفي، يُقتل الشاهد الأخير.

الخاتمة:

غزة لا تطلب تعاطفاً عابراً، بل تطالب بحق بسيط: أن تُرى. رفع الحظر عن الصحفيين لم يعد مطلباً مهنياً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية عاجلة. فالعالم الذي يصمت على قتل الحقيقة، شريك في دفنها، والتاريخ لا يرحم من اختار العمى وهو قادر على الرؤية

Comments are closed.

اهم الاخبار