سامي عطا : مجلس السلام.. أم هُيْمَنة الحرب؟ تباشير إمبراطورية الفوضى!

في مشهدٍ يُجَسِّدُ الانزياحَ الخطيرَ عن ميثاق الأمم، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن ميلاد ما سمّاه “مجلس السلام”. لكنَّ هذه التسمية الذهبية ما هي إلا قناعٌ رقيقٌ يتوارى خلفه وجهُ الحرب البشع، في استحداثٍ يُشكِّلُ طعنةً نكراء للقانون الدولي في الصميم، وتهديداً جلياً لأمن العالم واستقراره، بل ونقضاً صارخاً لفكرة السلام ذاتها التي يتخفّى وراءها.

وما هو أفضعَ في هذا المشهد أن الغايةَ تتجلّى من خلال التشكيلة نفسها، فهيئةٌ تسعى إلى تنحية الأمم المتحدة، ذلك الصرح الدولي العتيق، واستبدالها ببنيةٍ هشّةٍ تُصاغُ بإرادةٍ واحدةٍ: إرادة ترامب الشخصية النرجسية السلطوية، الذي لا يعترف بسلطة فوق إرادته، ولا يرى في المواثيق والمعاهدات الدولية سوى حبرٍ على ورق، مقدِّماً نفسه للعالم كقوةٍ متعاليةٍ عن المساءلة، تفرضُ هواها قانوناً.

وعندما تنكشفُ ستائرُ هذه التشكيلة، يَبرُزُ للعيان مشهدٌ كابوسي يُجسِّدُ ” أمميةً ” جديدةً لليمين المتطرف، تلتقي تحت لوائها أطيافٌ من شتى بقاع الكوكب، إبتداءاً من مجرم حرب الإبادة في غزة بنيامين نتنياهو، إلى مهندس خراب العراق توني بلير، مروراً برموز اليمين الشعبوي المتطرف مثل فيكتور أوربان (المجر) وخافيير ميلي (الأرجنتين)، وصولاً إلى ثلَّةٍ من الحُكَّام المستبدين. إنه تحالفٌ غايته المُعلنة خدمةُ طموحات إمبراطوريةٍ جديدةٍ، تريدُ أن تُقيمَ نظاماً عالمياً على مقاس أهواء رجلٍ واحد.

وهذه الطموحات لم تعدْ تُخفي وجهها القبيح؛ فمن قرصنةِ دولةٍ ذات سيادةٍ كفنزويلا باختطاف قيادتها ونهب خيراتها، إلى التلويح بابتلاع أراضي الغير كما في غرينلاند، وتهديدات التدمير الشامل لإيران، والعدوان على كوبا وكولومبيا، والطمع في السيطرة على شريانٍ حيويٍّ كقناة بنما، وصولاً إلى الحلم البائد بضمِّ كندا وكأنها ولايةٌ أمريكية. إنه خطابٌ استعماريٌّ عارٍ، يُطلَقُ بوقاحةٍ تخترقُ كلَّ الأعراف والقوانين.

ويُدَّعى أن المجلس أُنشئ بقرار أممي، لكنَّ الحقيقة المرة أن ميثاقَه نُقشَ بيد ترامب نفسه، الذي نصَّبَ نفسه رئيساً أبدياً، ومنحَ ذاته صلاحياتٍ قيصريةً مطلقة، منها حقُ النقضِ الفردي على أي رأيٍ يخالف هواه. فهل يمتلكُ أحدٌ في هذا المجمع الشاذّ الجرأةَ أو حتى القدرةَ على وقف عجلة قرارات هذا المستبدّ المتعطش للهيمنة؟

وفي قلب هذا المشهد المُظلم، يقف موقفُ المغرب مُحيراً ومفجعاً؛ فكيف تقبلُ دولةٌ يرأسُ عاهلُها لجنةَ القدس بالانخراط في مجلسٍ يرأسه مَنْ أعلن القدسَ عاصمةً ” أبديةً ” للكيان الصهيوني، قاضياً بذلك على حلم الدولة الفلسطينية؟ أما مشهدُ التودد الدبلوماسي أثناء توقيع هذه المهزلة، فهو نكبةٌ وطنيةٌ تستدعي التساؤل والمراجعة.

كان الأحرى بالمغرب، أن يبحثَ عن مخرجٍ للتغيب عن هذا المسرح الموبوء، لو تعذّر عليه المقاطعة الجريئة. فهذا ” المجلس ” لن يكون في نهاية المطاف سوى أداةً طيعةً في يد مستبدٍ متهوِّر، يُحرِّكُه لتنفيذ أجندة الهيمنة الأمريكية الجديدة، التي ألقتْ قناعَها وأعلنتْ عن نواياها التوسعية بلغةٍ همجيةٍ لا مكانَ فيها للشرعية الدولية، ولا للعدل، ولا للسلام الحقيقي الذي يُبنَى على الاحترام والندية. إنه فجرٌ جديدٌ من فصول الفوضى المُمنهجة، تُشَرْعَنُ فيه قوةُ الغاب، وتُداسُ فيه كرامةُ الأمم تحت نعل الإمبراطورية الترامبية العاتية.

Comments are closed.

اهم الاخبار