د. نجيبة مطهر: فشل الرهان على إسقاط إيران

تُعدّ إيران واحدة من الدول المحورية في منطقة الشرق الأوسط، لما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين آسيا الوسطى، الخليج، وشبه الجزيرة العربية، ولتاريخها الحضاري العريق، وإمكاناتها البشرية والعلمية الكبيرة. وعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها، فإن إيران ما زالت قادرة على الصمود والحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها الوطني، وهو ما جعلها هدفًا دائمًا لاستراتيجيات معقدة من قبل خصومها الإقليميين والدوليين.

مع ذلك، يثبت الرهان المتكرر على إسقاط الجمهورية الإسلامية من الخارج أنه رهان عقيم وفاشل قبل أن يبدأ، وينتج مشاريع ورقية تُصاغ في مكاتب الغرباء، وتُسوَّق إعلامياً قبل أن تلمس أي واقع على الأرض. هذه المشاريع لا تنبع من قراءة دقيقة للمجتمع الإيراني، ولا من فهم توازناته الداخلية، بل من تصورات نمطية متكلسة ترى إيران كفراغ سياسي جاهز لإعادة التشكيل، وكأن الدولة والمجتمع مجرد أوراق تُوزَّع على من يراهن على “البديل المناسب”.

المفارقة أن هذا الفشل ليس استثنائياً؛ فقد شهد العالم أمثلة صارخة على ذلك: العراق بعد الاحتلال، حيث قُسّمت الدولة إلى محافظات بلا سلطة مركزية، وفُرِّغت مؤسساتها، وعجز الاحتلال والقوى الخارجية عن بناء شرعية حقيقية، رغم كل الدساتير والخطط المرسومة في غرف المفاوضات؛ وفي ليبيا، حيث تحوّل الانقسام السياسي إلى حرب أهلية طويلة، وأصبحت كل الخرائط والدساتير المرسومة في الخارج ورقية قبل أن تتحول إلى واقع فعلي، وفشلت القوى الأجنبية في السيطرة على الشارع المحلي أو إنتاج أي نوع من الشرعية الدائمة.

وفي هذا السياق، تظهر إيران كاستثناء صارخ: الدولة والمجتمع متشابكان، المؤسسات متماسكة، والشعب حاضر وفاعل، وهو ما يجعل كل مشاريع الهيمنة الخارجية—من الدساتير الجاهزة إلى الحملات الإعلامية والحروب السيبرانية—محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، وتكشف محدودية واشنطن وتل أبيب في قراءة الواقع الإيراني وفهم قوته الحقيقية.

المعطيات المرتبطة بما سُمّي «العملية الملك» لا تعبّر عن خطر فعلي يتهدد الدولة الإيرانية، بل تكشف وهم النخب المعارضة المصنَّعة في الخارج، وعجزها البنيوي عن فهم مجتمع لم يشهدوه، ولم يشاركوا في صراعاته، ولم يختبروا قوته أو إرادته. دستور جاهز، واجهات مدنية مصطنعة، واعترافات دولية مسبقة، كلها أدوات شكلية صممت لإرضاء واشنطن وتل أبيب أكثر من أن تخاطب طهران. فالشعب الإيراني ليس مجرد عقبة يمكن تجاوزها، بل طرف أساسي لا يمكن تجاوزه، ومن يعتقد أنه يستطيع إعادة هندسة الجمهورية الإسلامية من غرف مغلقة خارج إيران يقع في فخ وهمه الخاص.

وبهذا تصبح الخطوة التالية في المشروع الوهمي، وهي مسودة الدستور قبل أي تغيّر فعلي على الأرض، أكثر وضوحاً: ليست وثيقة وطنية، بل وسيلة لتطمين الرعاة الدوليين وإيهامهم بأن لديهم «خطة جاهزة» لإدارة إيران، في حين أن الواقع يقول إن من يريد التأثير في إيران، عليه أن يبدأ بالمجتمع الإيراني، لا بالمكاتب الإعلامية في نيويورك أو تل أبيب.

دستور بلا شعب… مشروع بلا شرعية

أخطر ما في هذا المخطط لم يكن أدواته الإعلامية، بل منطلقه الفكري. فإعداد مسودة دستور قبل أي تغيير فعلي على الأرض لا يعكس سذاجة سياسية، بل تعالياً صريحاً على المجتمع الإيراني.

الدستور، الذي يُفترض أن يكون ثمرة صراع اجتماعي وتوازنات داخلية، جرى تحويله إلى وثيقة طمأنة للقوى المعادية: ما مصير البرنامج النووي؟ أين موقع الحرس الثوري؟ كيف تُعاد صياغة العلاقات الإقليمية؟ ومتى يُفتح باب التطبيع؟

إنه دستور كُتب ليُقرأ في واشنطن وتل أبيب، لا في طهران أو مشهد أو تبريز. وبهذا المعنى، لم يكن الشعب الإيراني شريكاً في المشروع، بل عقبة يُفترض تجاوزها أو إخضاعها لاحقاً.

واجهات مدنية بلا امتداد داخلي

تقديم شخصيات قانونية وإعلامية بوصفها «رموز المرحلة الانتقالية» لا يغيّر من الحقيقة شيئاً: لا قاعدة اجتماعية، ولا تنظيم داخلي، ولا امتداد حقيقي داخل البلاد.

الرمز حلّ مكان السياسة، والصورة مكان المجتمع، والحملة الإعلامية عُوّض بها عن الغياب الشعبي.

وهذا النموذج ليس جديداً. لقد جُرّب من العراق إلى فنزويلا، وكانت نتيجته واحدة دائماً: معارضة صاخبة في الخارج، ومعزولة بالكامل في الداخل.

التطبيع مع الكيان الصهيوني… السقوط المبكر

إذا كان لهذا المشروع أن يُهزم مبكراً، فإنّ الإعلان العلني عن التواصل مع الكيان الصهيوني كان كفيلاً بذلك. ففي الوعي الإيراني، بمختلف أطيافه السياسية، يبقى هذا الكيان خطاً أحمر لا يمكن القفز فوقه بخطاب حقوقي مصطنع.

Comments are closed.

اهم الاخبار