ترامب يدفع أوروبا إلى فك الارتباط ونهاية الناتو تقترب
وكالات:
لم تعد تهديدات دونالد ترامب بشأن غرينلاند مجرد تصريحات صاخبة للاستهلاك السياسي، بل تحولت إلى شرارة تهدد بتفكيك أحد أقدم التحالفات في العالم.
إصراره على ضم أو شراء الجزيرة الدنماركية دفع العواصم الأوروبية إلى مراجعة علاقتها بواشنطن بجدية غير مسبوقة، وسط قناعة متنامية بأن حلف الناتو قد يكون أول ضحايا هذا المسار التصادمي.
تحليل نشرته مجلة “بوليتيكو” يشير إلى أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض جاءت محمّلة بتوترات حاول الأوروبيون احتواءها حفاظاً على الحد الأدنى من الشراكة عبر الأطلسي.
غير أن تلويحه بفرض تعريفات جمركية عقابية على أي دولة تعارض طموحه في غرينلاند اعتُبر تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، حتى لدى أقدم الحلفاء. منذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل اعتقاد راسخ بأن الانفصال لم يعد احتمالاً نظرياً، بل خياراً مطروحاً بقوة.
في الكواليس، وصف مسؤولون أوروبيون اندفاع ترامب بأنه “متهور” و”غير عقلاني”، ورأوا فيه هجوماً مباشراً على سيادة دولة حليفة. ويتزايد داخل النخب الحاكمة شعور بأن الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد شريكاً تجارياً موثوقاً ولا حليفاً أمنياً يمكن الركون إليه.
وبحسب دبلوماسي أوروبي، فإن أوروبا ربما أظهرت ضعفاً سابقاً، لكنها اليوم تواجه لحظة حاسمة: إما الاستمرار في وهم التحالف، أو الانتقال المنظم إلى واقع جديد.
هذا الانتقال بدأ بالفعل. فباستثناء حدوث تحول جذري في السياسة الأمريكية، تتجه الأمور نحو إعادة تشكيل عميقة للغرب، مع تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة. أوروبا تستعد لاحتمال الدفاع عن نفسها دون المظلة الأمريكية، فيما قد تخسر واشنطن جزءاً من نفوذها العالمي نتيجة تراجع قدرتها على استخدام البنية العسكرية واللوجستية الأوروبية.
ورغم أن فكرة الرد بالمثل واستهداف المصالح الأمريكية مطروحة، إلا أن النقاش الأوسع في العواصم الأوروبية يتركز على مستقبل ما بعد واشنطن. هذا السيناريو مؤلم، لأنه يعني عملياً نهاية ثمانية عقود من التعاون السياسي والعسكري، وضربة قاسية لحلف الناتو بصيغته الحالية. ومع ذلك، تحاول بعض الحكومات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما تسعى أطراف أخرى، مثل جورجيا ميلوني، إلى ترميم العلاقة.
في المقابل، بات تصور مستقبل أوروبي دون الولايات المتحدة أقل غرابة. خلال الولاية الثانية لترامب، عملت دول أوروبية، بينها بريطانيا والنرويج، ضمن إطار متنامٍ من التنسيق الأمني عُرف بـ“تحالف الدول المستعدة” لدعم أوكرانيا. يضم هذا الإطار عشرات الحكومات، ويعتمد على قنوات تواصل رسمية وغير رسمية عالية الثقة.
هذا التنسيق وصل إلى مستوى القادة، إذ يتواصل زعماء أوروبيون بارزون بانتظام عبر مجموعات مغلقة لتبادل المواقف والردود على خطوات ترامب. هذا النمط غير الرسمي أثبت فعاليته، وأسهم سابقاً في دفع مسار السلام في أوكرانيا، قبل أن تقلب أزمة غرينلاند سياسة ضبط النفس الأوروبية رأساً على عقب.
اليوم، يُنظر إلى هذا التحالف كمنطلق محتمل لترتيب أمني جديد لا يفترض الدعم الأمريكي كأمر مسلم به. ومع تسارع المبادرات الأوروبية للحديث عن جيش أوروبي وقدرات دفاعية مستقلة بحلول 2030، تتضح ملامح مرحلة جديدة. قمة أوروبية طارئة مرتقبة قد لا تكون مجرد رد على أزمة غرينلاند، بل إعلاناً عملياً عن بداية عالم تُعاد فيه كتابة قواعد التحالفات ونهاية النظام الغربي الذي ساد لعقود.
Comments are closed.