في ذكرى الشهيد القائد.. اليمن يرسخ معادلة القوة والسيادة
الوحدة:
في الحياة القصيرة يمرّ كثيرون دون أثر، بينما يترك البعض بصمات عميقة، فيخلدهم التاريخ بما قدّموه من مواقف وأدوار انعكست بوضوح على واقع شعوبهم.
من بين هذه الشخصيات التي حجزت لنفسها مكانا بارزا في سجل التاريخ، يبرز الشهيد القائد السيّد حسين بدر الدين الحوثي، الذي كُتب اسمه في صفحات مشرّفة لما حمله من مشروع وفكرة ومسار.
اليوم يُحيي اليمنيون الذكرى السنوية لاستشهاده وسط تأكيد على أن هذه الذكرى لم تعد مجرد حدث تاريخي، بل تحولت إلى حالة وعي متجذّرة في الوجدان الشعبي، بما خلفه من من المآثر التي ستظل تُستحضر عبر الأجيال، بوصفها نموذجا لشخصية أصيلة واجهت التحديات بثبات، وقدّمت رؤية مختلفة في زمن عزّ فيه الموقف الصريح وندر فيه الصوت الحر.
نشأته وحياته
وُلد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي –رضوان الله عليه– في شهر شعبان 1379هـ، الموافق فبراير 1960م، في منطقة الرويس بني بحر بمديرية ساقين بمحافظة صعدة، ونشأ في بيئة علمية دينية، وتلقى علومه الأولى في أوساط عُرفت بالعلم والمعرفة والارتباط العميق بالقرآن الكريم، على يد والده العلّامة بدر الدين أمير الدين الحوثي، رحمه الله.
انعكست هذه النشأة مبكرا على شخصيته، حيث امتلك قدرة لافتة على التحليل، وربط النص القرآني بالواقع السياسي والاجتماعي، والخروج بخطاب مختلف عن السائد آنذاك، ولم يكن حضوره محصورا في الجانب الديني التقليدي، بل اتجه نحو بناء رؤية شاملة لقضايا الأمة، انطلقت من تشخيص دقيق لحال اليمن والمنطقة، وربط واضح بين التخلف والاستبداد من جهة، والهيمنة الخارجية من جهة أخرى.
ومع تصاعد الحضور الأمريكي في المنطقة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، برز الشهيد القائد كصوت رافض لتحويل اليمن إلى ساحة نفوذ أمريكي أو أداة لتنفيذ السياسات الخارجية، وهو موقف شكّل نقطة تحول في مسيرته، حيث انتقل من الخطاب التوعوي إلى المواجهة المفتوحة، مؤكدا أن الصمت أمام الهيمنة ليس حيادا، بل مشاركة غير مباشرة في تكريسها.
مسيرة جهادية
وتأتي هذه الذكرى في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، أعادت تسليط الضوء على كثير من القضايا التي حذّر منها الشهيد القائد مبكرا، وفي مقدمتها الهيمنة الأمريكية، والدعم الغربي المفتوح للكيان الصهيوني، ومحاولات طمس الهوية الدينية والثقافية للأمة، وإفراغ المجتمعات من قدرتها على الرفض والمواجهة.
وقد احتلت مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني موقعا مركزيا في فكر الشهيد حسين بدر الدين الحوثي، إذ كان يرى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في الاحتلال العسكري، بل في السيطرة على الوعي، وفرض نمط من التبعية السياسية والثقافية يجعل الشعوب تقبل الظلم وتبرره.
ومن هذا المنطلق، جاء رفع شعار «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل» تعبيرًا عن موقف مبدئي مستند إلى رؤية قرآنية واضحة، ترفض الظلم والاستكبار، وتؤكد حق الشعوب في التحرر والسيادة.
المشروع القرآني
إلى جانب حضوره الجهادي والسياسي، يُعد المشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد أحد أبرز ملامح إرثه الفكري، فقد انطلق من قناعة راسخة بأن القرآن الكريم ليس كتاب تلاوة أو شعائر فحسب، بل منهج حياة شامل، ومرجعية فكرية قادرة على تفسير الواقع وبناء الموقف.
ركز المشروع على إعادة ربط المجتمع بالقرآن بوصفه مصدرا للوعي والتحرر، وتحرير المفاهيم القرآنية من الجمود أو التوظيف الخاطئ، وقراءة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية من زاوية قرآنية، تسعى إلى بناء الإنسان الواعي القادر على فهم التحديات ومواجهتها، ومع مرور السنوات، لم يتراجع هذا المشروع، بل اتسع انتشاره، وأصبح حاضرا في وجدان الملايين من اليمنيين.
انتصار الحق على الباطل
كان للمشروع القراني الأثر الكبير في كشف أعداء الأمة وحقيقتهم، وثبات اليمنيين في مواجهة غطرسة قوى الاستكبار، رئيس رابطة علماء اليمن ومفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين أكد أن “الشعب اليمني بما يحمله من مشروع قرآني وقف أمام الطاغوت الأمريكي والصهيوني، ولم يكن له أن يفعل ذلك لولا البذرة الطيبة التي بذرها الشهيد القائد ورواها بدمه الطاهر الزكي وصموده وبسالته وعزيمته وشجاعته وثقته بالله.

العلامة شمس الدين: اليمن يسير بثبات على نهج الشهيد القائد في مواجهة الطاغوت الأمريكي والصهيوني
وأشار العلامة شمس الدين في كلمة له خلال تدشين الذكرى السنوية للشهيد القائد إلى “أن الله أنعم على الشعب اليمني بأن يسير في نهج المشروع القرآني، الذي أسسه وتحرك به الشهيد القائد بكل إيمان وبصيرة وانطلق وهو يعلم أنه سيواجه حرباً ضده ومشروعه، لكنه انطلق لا يخاف في الله لومة لائم وصمد حتى لقي الله تعالى شهيداً في سبيله”.. مشدداً على “ضرورة أن يتحلى المسلمون بهذه النفسية العظيمة للشهيد القائد”.
ونوه مفتي الديار اليمنية بأن كل الأكاذيب والشائعات والافتراءات التي كانت تستهدف الشهيد القائد والمسيرة القرآنية منذ انطلاقتها، ثبت زيفها وانتصر الحق على الباطل.
استحضار قيم الكرامة
وتمثل ذكرى استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي بالنسبة لليمنيين محطة سنوية لتجديد الوعي، واستحضار قيم التضحية والكرامة، ولم تعد هذه المناسبة محصورة في إطار ضيق، بل تحولت إلى مناسبة ذات بعد وطني وفكري، يُعاد فيها التأكيد على أهمية الاستقلال ورفض الوصاية الخارجية.
ويؤكد كثيرون أن أهمية هذه الذكرى تنبع من ارتباطها بالواقع اليمني الراهن، حيث يجد اليمنيون في سيرة الشهيد القائد ومشروعه مصدر قوة ومرجعية مكّنتهم من الصمود والتحرك لنصرة قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

المداني: الشهيد القائد أعاد إحياء الأمة بالقرآن وبعث في اليمنيين روح العزة والكرامة
وكيل أمانة العاصمة خالد المداني، أشار إلى “أن ما يعيشه اليمن حالياً من عزة وكرامة يأتي بفضل الله تعالى ثم بفضل تحرك الشهيد القائد الذي استنهض الشعب اليمني بالقرآن وفق مشروع رباني”.
وذكر المداني خلال تدشين الذكرى السنوية لاستشهاد السيد حسين أنه “عندما يشاهد الجميع الظلم والجور في العالم، يدرك اليمنيون أهمية المشروع القرآني الذي مكنهم من التحرك في سبيل الله وهزيمة قوى الاستكبار العالمي الأمريكي والصهيوني”.
وأشار الوكيل المداني إلى أهمية إحياء هذه الذكرى في استلهام العبر والدروس من سيرة حياة الشهيد القائد في التحرك في سبيل الله ومواجهة الطغيان والجبروت والظلم ونصرة الدين وقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ونوه بأن اليمن يمثل أنموذجاً حياً على أهمية التمسك بكتاب الله والمشروع القرآني من أجل عزة وكرامة الأمة واستنهاض الهمم، وذلك ما جعل الأمريكي يفر من البحر الأحمر بعد أن رأى بأس اليمنيين المتمسكين بالمشروع القرآني الذي أسسه السيد حسين بدر الدين الحوثي.
وصايا تُرجمت إلى أفعال
ويرى الكثير من الناشطين والكتاب أن أفكار الشهيد القائد لم تعد حبيسة الكتب أو الخطب، بل تحوّلت مع الزمن إلى مواقف عملية تجسّدت في ساحات المواجهة، وأثبتت أن الوعي حين يُترجم إلى فعل، يصنع معادلات جديدة في الصراع.
وقد برهنت تطورات المشهد الإقليمي أن المشروع القرآني تجاوز الإطار النظري، ليصبح قوة حاضرة ومؤثرة في موازين الردع.
الناشط السياسي والكاتب محمد العابد يشير الى أن إحياء ذكرى مناسبة استشهاد الشهيد القائد والذكرى السنوية للشهيد لها أهميّة كبيرة تكتسبها مما أسسه وأكّـده وأحياه الشهيد القائد في هذا الوطن وفي هذه الأُمَّــة اليمنية”.
ويضيف العابد “ما كانت اليمن لتحقّق هذا الانتصار على الغرب الكافر وأمريكا وبني صهيون، وتصمد كُـلّ هذا الصمود لسنوات لولا المشروع القرآني الذي أحياه الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه”.
ويؤكّـد في حديثه أن اليمن أصبح صاحب دور إقليمي وعلى مستوى قضية الأُمَّــة المركزية ومن واقع الفكر الذي أسّسه وطرحه الشهيد القائد على أعلى مستويات إيجابية، وعملياتها لم يكن البعض يتوقعها وصولها إلى هذه المستويات.

العابد: اليمن اليوم لاعب إقليمي فاعل في قضايا الأمة المركزية بفضل الفكر الذي أسّسه الشهيد القائد
ويتابع العابد في حديثه بالقول: “لقد أصبح اليمن هو صاحبَ الرؤية بناءً على تنفيذ توجيهات الشهيد القائد ووصاياه التي حذّرت الأمة في يوم ما من خطر أمريكا وتدخلاتها في البحر الأحمر وباب المندب ومحاولات دخولها وتدخلاتها”، مُضيفًا “ليأتي بعده السيد القائد عبدالملك بدر الدين ليكمل المسير والقضاء على التطلعات الغربية في اليمن والانتصار على كُـلّ تحالفاتهم”.
الصواريخ تترجم الفكر
أما الكاتب والناشط الثقافي احمد الضبيبي فقد أشار في مقال له إن ما يشهده العالم اليوم من ثمار يانعة لهذا الغرس المبارك ليس إلا تنزيلًا عمليًّا لآيات التحرير الكبرى؛ فالموقف اليماني الملحمي في إسناد غزة وفلسطين ولبنان، ودكّ عُمق كَيان الاحتلال الغاصب بالصواريخ البالستية والمسيّرات المنقضة، هو الترجمة الحرفية للفكر الذي أرساه الشهيد القائد.
وأضاف الضبيبي لقد تحوَّل البحران الأحمر والعربي بفضل هذا الوعي السيادي إلى محرقةٍ كبرى لحاملات الطائرات الأمريكية وقِطَعِها البحرية، التي تهاوت أُسطورةَ تفوقها أمام بأس رجال تربوا في مدرسة القرآن.

الضبيبي: الأمة التي تمتلك الرؤية والمنهج قادرة على تطويع المستحيل وكسر جبروت الطغاة
واكد إن استهداف السفن المرتبطة بكَيان الاحتلال الغاصب وتحويل مسارات التجارة الاستعمارية ليس إلا برهانا ساطعا على أن الأُمَّــة التي تملِك الرؤية والمنهج قادرة على تطويع المستحيل وكسر جبروت الطواغيت.
فعاليات الإحياء ورسائلها
وفي ذات السياق، تستمر الفعاليات الثقافية في عدد من المحافظات، في إطار إحياء الذكرى السنوية لاستشهاد شهيد القرآن، حيث تعكس هذه الفعاليات مستوى الحضور الشعبي الواسع لهذه المناسبة، وحرص اليمنيين على تجديد ارتباطهم بالمشروع القرآني الذي حمله الشهيد. وتؤكد هذه الفعاليات أن إحياء الذكرى لا يقتصر على استحضار السيرة، بل يمثل محطة وعي ومسؤولية، تُستعاد فيها القيم القرآنية التي انطلق منها المشروع، وفي مقدمتها رفض الهيمنة والاستكبار، والانتصار لقضايا الأمة العادلة. كما نوّهت إلى أن المشروع القرآني أسهم في إعادة بناء الوعي، وربط المجتمع بالقرآن كمنهج حياة وموقف، وتعزيز حالة الرفض للذلة والخنوع، والمواجهة الواعية للمخططات التي تستهدف الأمة دينيًا وثقافيًا، مع التأكيد على أهمية مواصلة السير على هذا النهج وترسيخ الهوية الإيمانية.
Comments are closed.