أنس القاضي: خواطر عن إيران!
يحاول ابن شاه إيران توظيف كلّ احتجاج اجتماعي أو سياسي في إيران بوصفه تفويضاً شعبياً لإعادة المشروع الملكي، متجاهلاً حقيقة تاريخية وسياسية أساسية: الإيرانيون أسقطوا النظام الملكي الوراثي عام 1979، ولم يكن ذلك حدثاً عابراً يمكن القفز فوقه بخطاب حنين أو وراثة سياسية متأخرة. رفضُ قطاعات من المجتمع الإيراني للنظام القائم اليوم لا يعني، بأيّ حال، الرغبة في العودة إلى ما قبل الجمهورية، بل يعكس سعياً لتجاوز البنية السياسية الراهنة إلى صيغة أكثر تقدّماً، لا إلى استعادة حكم أسرة بهلوية ارتبطت بالاستبداد والارتهان للغرب.
إيران الحالية جمهورية ذات طابع خاص، تقوم على مؤسسات منتخبة ضمن إطار دستوري مُستفتى عليه، مع وجود بنية فوقية متمثلة في منصب المرشد، الذي يُنتخب بصورة غير مباشرة وتُحدَّد صلاحياته دستورياً، مع نصّ واضح على الانتقال إلى قيادة جماعية في حال شغور المنصب.
الجدل الحقيقي داخل المجتمع الإيراني، وخصوصاً لدى التيار الإصلاحي والجيل الجديد، لا يدور حول استبدال الجمهورية الاسلامية بالملكية، بل حول تقليص المرجعية الفوقية أو تجاوزها، وتكريس سيادة البرلمان المنتخب، وتوسيع الحريات العامة ضمن المرجعية الدستورية، في مجتمع يتغيّر اجتماعياً وثقافياً بسرعة بفعل العولمة، لا سيما في المدن الكبرى، حيث تفرض الوقائع الاجتماعية نفسها خارج الأطر التقليدية الجامدة التي اقرت سياسيا وقانونيا عام ١٩٨٠م.
اقتصادياً، ورغم الحصار والعقوبات القاسية، لا تزال إيران تحتفظ بملامح دولة رعاية اجتماعية تضمن أساسيات الحياة الكريمة بأسعار مدعومة، من طاقة وغذاء ودواء وخدمات، وهو ما يفسّر طبيعة المطالب الشعبية التي تتركّز على تحسين مستوى المعيشة والرفاه والكماليات، لا على مجرد بقاء الاقتصاد كما هو حاليا في ظل الحصار.
في المقابل، فإن المشروع الذي يطرحه ابن الشاه وحلفاؤه الغربيون يقوم على إعادة إدماج إيران في نموذج ليبرالي متوحش، قائم على الخصخصة المفرطة وتحويل كلّ شيء إلى سلعة، بما يفتح الباب أمام نهب النفط والغاز، وتفكيك القطاع الصناعي، وتحويل البلاد إلى سوق استهلاكية ومصدراً للخامات، كما جرى في تجارب دول أُسقطت أنظمتها بالتدخل الخارجي. فالغرب لا تحرّكه الديمقراطية ولا حقوق الإنسان، فقد كان نظام الشاه نفسه حليفاً استراتيجياً له رغم طابعه الاستبدادي، كما هي حال أنظمة خليجية حليفة اليوم.
لا وصاية على الشعب الإيراني، وله وحده حق تقرير مصير نظامه السياسي، سواء بالاستمرار أو التعديل أو التغيير، شريطة أن يتم ذلك بإرادته الداخلية، لا عبر تدخلات خارجية أو سيناريوهات إسقاط على الطريقة الأمريكية.
تجارب العراق وأفغانستان، ودعم المعارضات المسلحة العرقية أو الطائفية أو الانفصالية، أثبتت أن هذا المسار لا ينتج ديمقراطية ولا استقراراً، بل يدمّر الدول والمجتمعات، ويهدد المنطقة كلها، انهيار العراق فجر المنطقة فكيف بانهيار نظام إيران جغرافيا شبه قارة ومتعددة قوميا ودينيا ومذهبيا.
التحريض الأمريكي–الإسرائيلي، وخطاب ترامب تحديداً- العائد من غزوة فينزويلا-، يعكس منطق “تعيين الحكّام” وإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية، لا احترام خيارات الشعوب.
أما في ما يتعلّق بالعالم العربي، فإن تصوير إيران بوصفها خصماً مطلقاً يتجاهل السياق الفعلي للصراعات. التدخلات الإيرانية في المنطقة لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت تاريخياً مع عدوان واحتلال أمريكي–إسرائيلي أو تدخلات سعودية داعمة لقوى محلية أخرى ضمن منطق طائفي. هذا لا يبرّر التدخل لا الايراني ولا السعودي ولا الامريكي ويُفترض ان تكون العلاقات الدولية حصرا بين الحكومات لا دولة مع حزب او فئة، لكن هذا هو سياق الحضور الايراني الواقعي بوصفه جزءاً من نظام دولي قائم على الصراع وتبادل النفوذ.
والأهم أن الافتراض القائل إن سقوط النظام الإيراني سيُنتج إيران أقل عداءً للعرب أو أكثر ودا وقربا افتراض واهٍ؛ فإيران الشاه القومية كانت حليفاً لإسرائيل، ودعمتها بالنفط في الحروب العربية–الإسرائيلية من ١٩٤٨م الى ١٩٧٣م، وتدخلت عسكرياً ضد حركات تحرر عربية كما في سلطنة عمان، وفرضت سيطرتها على الجزر المتنازع عليها مع الإمارات، فأي نظام قومي أو ملكي محتمل سيكون، على الأرجح عدوا مباشرا للعرب بمستوى العداء الصهيوني، في ظل تحولات دولية ومنافسة صراعات خليجية ايرانية تركية اسرائيلية حول من يكون هو القطب المهيمن في المنطقة.
دعم إيران الحالي لقوى عربية تقاوم الاحتلال الإسرائيلي ليس عملاً أخلاقياً خالصاً بدون مصلحة سياسية ولا مسرحية دعائية كما يفسرها السذج، بل هي تقاطع مصالح سياسية–استراتيجي في لحظة تاريخية محددة( لإيران الجمهورية الاسلامية والعرب مصلحة في مواجهة التحالف الأمريكي الاسرائيلي الذي يريد استباحة الجميع دون فرق).
Comments are closed.