حصار يتمدّد..وشتاء يقتل ما تبقّى من الحياة: هكذا تبدو غزة اليوم
في غزة، لا يُقاس الزمن بالساعات بل بعدد القذائف، ولا يُقاس الشتاء بدرجات الحرارة بل بعدد الأطفال الذين يختطفهم البرد. بينما يتحدّث العالم عن «وقف إطلاق نار»، يتمدّد الواقع على الأرض ككابوس مفتوح: احتلال يوسّع قبضته، إنسان يُسحق، ومدينة تُدفع ببطء نحو الاختناق الكامل.
وكالة «الأونروا» تؤكد أن قوات الاحتلال الإسرائيلية وسّعت سيطرتها إلى نحو 60% من مساحة قطاع غزة، ما يعني أن نحو 2.3 مليون فلسطيني باتوا محشورين في مساحة لا تتجاوز 80 كيلومتراً مربعاً، فوق أرض مدمّرة وبنية تحتية منهارة. شوارع مغلقة أو مدمّرة، مياه أمطار تختلط بمياه الصرف الصحي وتغمر مخيمات اللجوء، وآلاف القذائف غير المنفجرة تجعل الحركة اليومية مخاطرة بالموت.
القطاع الصحي، وفق «الأونروا»، منهار تماماً. نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، غرف عمليات شبه معطّلة، وأسِرّة عناية مركزة لا تكفي جزءاً يسيراً من مئات آلاف المرضى. تلوّث مياه الشرب أدى إلى انتشار أمراض خطيرة، مثل التهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والأمراض المعوية، فيما تقف مئات آلاف الخيام المطلوبة للإيواء عالقة خلف المعابر، مع آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات العاجزة عن الدخول، في وقت تمنع فيه إسرائيل 37 منظمة دولية، بينها منظمات أميركية وبريطانية، من العمل داخل القطاع.
ميدانياً، يتواصل التصعيد الإسرائيلي على طول ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». قصف جوي ومدفعي، طائرات مسيّرة تلقي قنابلها داخل مناطق مأهولة، وتوغلات محدودة ترافقها عمليات تجريف. منذ بداية العام قُتل نحو 30 فلسطينياً، وارتفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025 إلى أكثر من 442 شهيداً، ليصل إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 71 ألف شهيد، إضافة إلى أكثر من 171 ألف مصاب. المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وثّق خلال 90 يوماً فقط 1193 خرقاً للاتفاق، شملت إطلاق نار مباشر على مدنيين، توغلات، قصفاً، ونسفاً لمنازل ومؤسسات.
لكن المأساة لا تتوقف عند القصف. الشتاء نفسه صار سلاحاً إضافياً. المنخفضات الجوية المتتالية حوّلت خيام النازحين إلى مصائد للموت. وفاة الرضيع محمود الأقرع، البالغ سبعة أيام، بسبب البرد القارس في دير البلح، لم تكن حادثة معزولة؛ إذ ارتفعت حصيلة وفيات البرد إلى أكثر من 15. الرياح مزّقت وأغرقت عشرات الآلاف من الخيام، وخرج أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة، ما حرم أكثر من 1.5 مليون نازح من الحد الأدنى من الحماية.
البيوت المتضررة سابقاً تنهار تباعاً. أكثر من 50 منزلاً ومبنى سكنياً انهار خلال أيام الشتاء، مخلفاً قتلى وجرحى لجأوا إليها اضطراراً بعد فقدان منازلهم الأصلية. الصليب الأحمر الألماني حذّر من أن أشهر الشتاء في ظل نقص الغذاء والدواء والمياه والكهرباء «مروّعة بشكل خاص للأطفال والمصابين وكبار السن»، فيما تؤكد «أطباء بلا حدود» أن كثيراً من الفلسطينيين يموتون بسبب أمراض كان يمكن علاجها، لو توفرت الرعاية أو أُتيح نقل المرضى للعلاج خارج غزة.
هكذا تبدو غزة اليوم.. أرض محاصرة تتقلص، إنسان يُستنزف بين نار الاحتلال وبرد السماء، ومجتمع دولي يكتفي بالمشاهدة. ليست هذه أزمة إنسانية عابرة، بل اختبار أخلاقي فادح لعالم يرى الكارثة ثم يدير ظهره
Comments are closed.