بشير قايد الشلح*: الفقر والجهل وأثارهما في المجتمع وطرق معالجتهما

تُعد الجريمة ظاهرة اجتماعية معقّدة لا تنشأ من فراغ، بل تقف خلفها عوامل متعددة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والتعليمية والنفسية. ويبرز الفقر والجهل بوصفهما من أخطر الركائز التي تسهم في تفشي الجريمة داخل المجتمعات، خصوصًا عندما تضعف مؤسسات العدالة والتعليم.
فالفقر لا يعني فقط نقص الدخل، بل يشمل الحرمان من فرص العمل، وضعف الخدمات الأساسية، وغياب الأمل في مستقبل أفضل. في مثل هذه البيئات، يجد بعض الأفراد أنفسهم محاصرين بالعجز واليأس، ما قد يدفعهم إلى سلوكيات غير قانونية كوسيلة للبقاء أو للهروب من واقعهم القاسي. ومع مرور الوقت، تتحول الجريمة من فعل استثنائي إلى سلوك اعتيادي في بعض الأوساط الفقيرة، خاصة إذا غابت البدائل المشروعة.
أما الجهل، فيمثل الوجه الآخر للمشكلة. فغياب التعليم لا يحرم الإنسان من المعرفة فحسب، بل يسلبه القدرة على التفكير النقدي، وفهم القوانين، والتمييز بين الصواب والخطأ، ويجعله أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المنحرفة أو الاستغلال من قبل شبكات إجرامية. كما أن الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية، لكنه يساهم في توسّع دائرة الجريمة، خاصة بين فئة الشباب.
وتشير العديد من الدراسات الاجتماعية إلى أن المجتمعات التي تعاني من نسب أمية مرتفعة ومعدلات بطالة عالية تسجّل مستويات أكبر من الجرائم، لا سيما الجرائم البسيطة التي قد تتطور لاحقًا إلى جرائم أخطر. فالشاب الذي يُحرم من التعليم والعمل، ويعيش في بيئة فقيرة، يصبح أكثر عرضة للانحراف، خصوصًا في ظل غياب التوجيه الأسري والرقابة المجتمعية.
ولا يمكن فصل الفقر عن الجهل، فهما غالبًا ما يسيران جنبًا إلى جنب في حلقة مفرغة: الفقر يؤدي إلى التسرب من التعليم، والجهل بدوره يعمّق الفقر ويحدّ من فرص الخروج منه. وفي هذه الدائرة، تنمو الجريمة وتترسخ، ما لم تُكسر عبر سياسات جادة وإصلاحات شاملة.
معالجة ظاهرة الفقر والجهل
إن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تقتصر على العقاب وحده، بل يجب أن تبدأ من معالجة جذورها. فتعزيز التعليم، ومكافحة الأمية، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، كلها أدوات فعّالة للحد من الجريمة على المدى الطويل. كما أن نشر الوعي القانوني والأخلاقي، وتفعيل دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية، يسهم في بناء مجتمع أكثر أمانًا واستقرارًا.حيث انه لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار والتنمية في ظل تفشّي الفقر والجهل، ان معالجة هاتين الظاهرتين لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.. ومن هنا، تبدأ المعالجة الحقيقية للفقر عبر سياسات اقتصادية عادلة توفّر فرص عمل حقيقية، وتدعم المشاريع الصغيرة، وتضمن توزيعًا منصفًا للموارد.
وهنا يبرز دور الدولة في سنّ تشريعات تحمي حق التعليم، وتوفير شبكات أمان اجتماعي للفئات الأشد فقرًا.
ولا يقتصر الحل على الجانب الرسمي فقط، إذ يتحمّل المجتمع المدني والإعلام والمؤسسات الدينية دورًا محوريًا في نشر الوعي، وتعزيز ثقافة العمل، وتشجيع التعليم، ومحاربة الأفكار السلبية المرتبطة بالفقر. كما أن الأسرة تبقى النواة الأولى في ترسيخ قيمة العلم، وبناء جيل يؤمن بأن المعرفة والعمل هما السبيل الوحيد للارتقاء.
في الختام، إن معالجة ظاهرة الفقر والجهل هي استثمار في مستقبل الأوطان، وليست عبئًا على موازناتها. فكل مدرسة تُبنى، وكل فرصة عمل تُوفَّر، وكل برنامج توعوي يُطلَق، هو خطوة نحو مجتمع أكثر وعيًا وعدالة واستقرارًا. ومتى ما أُعطي الإنسان حقه في التعليم والعيش الكريم، تراجعت الظواهر السلبية، وبدأت ملامح التنمية الحقيقية في الظهور.

 

*نائب المدير العام لشئون السجل العقاري م/صنعاء

Comments are closed.

اهم الاخبار