يضع السعودية بين اتفاقيتي “جدة” أم “الطائف”: تقسيم اليمن.. فخ “جيوسياسي” يهدد المنطقة

الوحدة نيوز- أبوعامر: يعتقد البعض أن تحركات السعودية ضد الإمارات في محافظتي حضرموت والمهرة، جاءت بهدف إفشال المخططات الرامية لانفصال جنوب اليمن عن شماله، غير أن القراءة الحقيقية لهكذا مشهد دراماتيكي يثبت عكس ذلك تماماً، فالوحدة اليمنية بالنسبة للرياض ليست أولوية جيوسياسية ذا أهمية استراتيجية للمنطقة برمتها، حيث تكاد تتشابه أجندتها مع مغازي أبوظبي بخصوص اليمن ووحدته، ولعل عشر سنوات من العدوان والحصار تكشف بجلاء أن الأطماع لدى هاتين الدولتين الخليجيتين في اليمن هي الخطوط الرئيسية البارزة في نهجهما تجاه جار وشقيق يعاني تاريخياً من هكذا تصرفات رعناء.

ما حدث ولايزال في المحافظات الجنوبية والشرقية بين الرياض وأبوظبي من مواجهة عسكرية يأتي ضمن ممارساتهما “المتهورة” والطفولية التي سعتا إليهما منذ سنوات بهدف تقسيم اليمن شماله وجنوبه شرقه وغربه، لكي يتسنى لهما امتصاص ثرواته واستغلال موقعه الاستراتيجي لصالحهما وخدمة لقوى دولية على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني، وبالتالي تعمل تلك الدولتان الخليجيتان على تغذية الصراعات البينية أوساط المجتمع اليمني تحت عناوين طائفية ومناطقية ومذهبية وشاركتا عسكريا وإعلامياً في ضخ سموم الكراهية واشترتا ذمم الكثير من “المرتزقة” لتدمير أرضهم اليمن مقابل حفنة من الأموال، وما أن تأكدتا من تهيئ الساحة أمامهما حتى بدأتا التنافس على فرض هيمنة النفوذ في المناطق الجنوبية والشرقية المحتلة، غير أن أبوظبي تفوقت على الرياض في بسط احتلالها على كثير من الجزر اليمنية وآخرها إحكامها السيطرة على محافظتي المهرة وحضرموت من خلال مليشيات “الانتقالي”، لتتفاجأ الرياض أنها باتت خارج المشهد اليمني ولم يعد لها موطئ قدم وتم تطويقها جغرافياً.

أفاقت السعودية على طعنة غادرة من الخلف لم تكن تتوقعها من حليف شاركها ولا يزال العدوان الإجرامي على اليمن منذ عشر سنوات، فسارعت للتحرك لإنقاذ نفسها وليس اليمن ووحدته، كون سيطرة مليشيا “الانتقالي” على محافظتي المهرة وحضرموت يعني انفصالاً محققاً، سيترتب عليه واقعاً قانونياً جديداً أبرزها إلغاء اتفاقية “جدة” عام 2000م، لترسيم الحدود اليمنية -السعودية، والعودة إلى اتفاقية “الطائف” عام 1934م،  وما تلاها من ترتيبات في عام 1937م.

“الانفصال” هدف الدولتين

إن ما دفع الرياض للتصادم مع الإمارات في جنوب شرق اليمن هي الأدوات التي لا تدين بالولاء لها بغض النظر عن المشروع الانفصالي الذي قد تلتقي الدلتين حوله، فمثلاً لو كان “الانتقالي” حليفاً للرياض وليس أبوظبي وقام بالسيطرة على المحافظات الجنوبية والشرقية كلية، لما تحركت عسكرياً ضده وقوضت ما في قبضته، بل كانت ستدعم تصرفاته وستبارك خطواته، وستظهر في ذات الوقت ببيانات تدعي دعمها للوحدة اليمنية!

تسعى السعودية إلى فرض تقسيم جغرافي قائم على أسس مذهبية وطائفية ومناطقية في اليمن وبالتالي فإن مخططها تجزئته إلى أكثر من إقليمين بحيث تبقيه في حالة متشظية ومتناحرة ومنشغلة في المحاصصة السياسية وغارق في دوامة أزماته الاقتصادية مستقبلاً، بمعنى تفخيخ الحياة العامة في البلد وايصاله إلى واقع الشلل الذي يفقده التقدم ولو خطوة واحدة في أي اتجاه.

“انسياح زيت” الإمارات

ما من شك بأن تفجر الصراع بين حليفي العدوان على اليمن واحتلال اراضيه وحصار شعبه ،لن تقتصر آثاره وتداعياته على اليمن فحسب، ولكنها ستمتد على النطاق الإقليمي، وخاصة على تركيبة وعلاقات الدولة في اتحاد الإمارات خاصة، ذلك أن حكام الإمارات لم ينتبهوا إلى خطورة اندفاعاتهم الإقليمية والدولية للقيام بأدوار تفوق كثيرا حدود  قوتها وامكانياتها، وراحت تخوض في أدوار مستمرئة استحضار دور دولة عظمى، وفاتها إدراك أن  أداء أي دولة لدور إقليمي أو دولي ينبغي أن يستند الى مقومات سكانية واقتصادية وعسكرية وصناعية وعلمية وجغرافية، تؤهلها للقيام بأدوار خارج نطاقها الجغرافي، بحسب المحلل السياسي عبدالله سلام الحكيمي، والذي رأى أن الإمارات تجاوزت حدود قدرتها وإمكانياتها، واندفعت على نحو غير محسوب، خارج نطاقها الجغرافي، لتؤدي أدوارا أكبر بكثير من حجمها وقوتها وقدراتها على نحو ما تشير إليه نظرية “الانسياح الزيتي” الذي مؤداها أنه كلما أزداد انسياح نقطة الزيت على رملة زاد  فقدانها لتأثيرها ووجودها حتى التلاشي، مما أثار حولها زوابع من المشاعر وردود الأفعال السلبية في أكثر من ساحة.

الحكيمي: الصراع بين الرياض وأبوظبي على اليمن سينعكس بشكل خطير داخل البلدين

إن تفجر الصراع بين السعودية والإمارات على اليمن وتقاسم غنيمتها، سينعكس بشكل خطير على الأوضاع السياسية داخل الإمارات وعلى وجه التحديد في ما يخص طبيعة وشكل الدولة الاتحادية في الإمارات والعلاقات بين حكامها  وكيفية ومن يتخذ القرارات المصيرية في الدولة، واعتقد أنه سيتوجب على دولة الإمارات أن تعيد النظر على نحو جذري وشامل في مجمل سياساتها الخارجية وطبيعة الأدوار والأعمال والتصرفات التي تتولى القيام بها خارج نطاقها الجغرافي، إن هي أرادت أن تتفادى حدوث الأسوأ والأخطر داخلها، وفق السياسي الحكيمي.

ويضيف الحكيمي، إن تحرك القوات الإماراتية المعتدية على اليمن والمحتلة لأراضيه كان يبدو واضحا أنه أذكى من شريكته في العدوان والاحتلال حيث عمدت إلى إنشاء سيلا من المليشيات المسلحة والجماعات الإجرامية الإرهابية واستعانت بمنظمات إجرام عالمي لتصفيات دموية بحق قيادات قوى يمنية تقاتل في صفوف تحالف العدوان والاحتلال لكن الإمارات تراها غير مضمونة الولاء الخالص لها.

إعادة ترسيم الحدود

تُعدّ قضية ترسيم الحدود بين اليمن والمملكة العربية السعودية من أعقد الملفات السيادية في تاريخ العلاقات بين البلدين، نظراً لتداخل الجغرافيا مع السياسة، وتعاقب الكيانات السياسية اليمنية، وتغيّر الأوضاع الإقليمية. وقد أُبرمت اتفاقية ترسيم الحدود النهائية بين الدولتين بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، ما يفتح باباً واسعاً للنقاش القانوني والسياسي حول مصير هذه الاتفاقية في حال العودة إلى الانفصال وقيام كيانين يمنيين من جديد، وفق ما أفاد المحلل السياسي محمد اللوزي.

فبعد إعلان الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، أصبحت اليمن كياناً سيادياً واحداً يمثل الشمال والجنوب معاً، ويتمتع بشخصية قانونية دولية موحدة، حيث جرت المفاوضات مع المملكة العربية السعودية التي تُوّجت بتوقيع اتفاقية جدة عام 2000، وأنهت – نظرياً – النزاع الحدودي، ورسّمت الحدود البرية والبحرية بين البلدين، كما يقول اللوزي، موضحاً انه من الناحية القانونية، وقّعت هذه الاتفاقية دولة يمنية واحدة موحّدة، وحكومة مركزية تمثل كامل الإقليم اليمني شماله وجنوبه، بصفة سيادية شاملة غير قابلة للتجزئة في حينها.

واعتبر اللوزي أن إعادة اليمن إلى وضع ما قبل 1990، سيُنشئ واقعاً قانونياً جديداً، يترتب عليه، ابطال اتفاقية ترسيم الحدود التي وُقّعت من دولة واحدة نيابة عن كامل الأرض اليمنية، ومن غير المقبول انتقال الاتفاقية تلقائياً إلى كيانين جديدين دون موافقتهما الصريحة، فيما بينهم حال الانفصال بالاعتراف بالاتفاقية التي تمت في ظل دولة واحدة وما لم يتم الاتفاق على ذلك فإن كل شطر (شمالي وجنوبي) يصبح معنياً فقط بحدوده الجغرافية والتاريخية الخاصة به، ولا يحق لأي كيان أن يرث التزامات سيادية لم يكن طرفاً مباشراً في إبرامها.

إن ما يجب أن تدركه السعودية هو أن الانفصال يستوجب – من الناحية القانونية – الدخول في مفاوضات جديدة لترسيم الحدود بين السعودية والشطر الشمالي، والسعودية والشطر الجنوبي والمعروف أنه قبل قيام الجمهورية اليمنية والوحدة، كانت العلاقة الحدودية بين شمال اليمن والمملكة العربية السعودية محكومة باتفاقيات سابقة، أبرزها اتفاقية 1934 (الطائف) وما تلاها من ترتيبات في عام 1937، والتي نظّمت، الحدود بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية (شمال اليمن)، والتي عالجت وضع مناطق التماس والقبائل والحقوق المتبادلة، كما يشير اللوزي.

اللوزي: الإمارات أوقعت السعودية في مأزق استراتيجي طويل الأمد جنوب شرق اليمن

ورأى اللوزي أنه في حال العودة إلى الانفصال، تبرز هذه الاتفاقيات بوصفها المرجعية التاريخية الوحيدة التي نُظّمت بين السعودية وكيان يمني مستقل عن الجنوب.

إن إعادة فتح ملف الحدود، في بيئة إقليمية مضطربة، لا تمثل مكسباً استراتيجياً للمملكة، بل مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تُفضي إلى إعادة تعريف الحدود، والتحالفات، وموازين القوة، على نحو لا يخدم استقرار المنطقة برمتها، بحسب اللوزي، محذراَ من خطر السير في هذا الاتجاه كونه لا يجري في فراغ، بل في سياق إقليمي تتداخل فيه الأجندات.

ويشير اللوزي إلى أن أبو ظبي التي تدفع باتجاه تفكيك اليمن وتمزيق وحدته، تدرك – على ما يبدو – مآلات هذا التحول، وتعي أن نتائجه النهائية قد تُوقع بالمملكة في مأزق استراتيجي طويل الأمد، وتُنصب لها شركاً جيوسياسياً قد يصعب الفكاك منه لاحقاً.

وتابع قائلاً: “قد تحقق الإمارات مكاسب مؤقتة تتمثل في السيطرة على الموانئ والجزر والثروات في الجنوب، غير أنها في ذات الوقت تسهم في خلق بيئة صراعية مفتوحة، قابلة للانفجار، وقد تعود بتداعياتها السلبية على الجميع، بما في ذلك من أشعل فتيلها.

إن تجزئة اليمن لا تعني فقط تمزيق دولة، بل تعني إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للجزيرة العربية، على نحو قد يزعزع منظومات الاستقرار القائمة، ويفتح المجال لصراعات حدودية وقانونية لا يمكن التحكم في مساراتها أو سقوفها الزمنية، كما يؤكد اللوزي، معتبراً إن الرهان على الانفصال بوصفه حلاً أو مخرجاً، ليس سوى رهان قصير النظر، تغذّيه الأطماع الآنية وتغفله الحسابات الاستراتيجية البعيدة.

مخطط الانفصال

إن إعلان الإمارات خروجها من اليمن ليس استجابة لمطالبة العليمي، وليس السبب تدخل السعودية عسكريا ضد الانتقالي، فكلها مسرحيات والمخرج واحد وهي “أمريكا وإسرائيل”، كما يرى الدكتور أحمد الوشلي، استاذ القانون بجامعة صنعاء، متوقعا أن ما سيحصل بعد هكذا إعلان، هو تم تحريك الانتقالي لطرد القوات التي معظمها من الشماليين  من حضرموت ولكون معظمهم “إصلاح” كان لا بد من قيام الانتقالي والإمارات بذلك الدور وليست السعودية حتى لا يشك المطرودين أن السعودية طعنتهم في الظهر.

وأشار الوشلي إلى أن الهدف الآخر من إعلان الإمارات خروجها من اليمن هو إخلاء مسئوليتها عن مخطط انفصال  الجنوب وعن جرائم القتل والسحل التي سوف تحصل في السنين القادمة بهدف فرض الانفصال بالقوة، منوهاً بأن أبوظبي  سوف تتولى فقط الدعم المالي لقوات الانتقالي وغيره من المليشيات التي ستظهر وتقاتل لفرض الانفصال بالقوة، مثلما تقوم به في السودان وليبيا.

الوشلي: إعلان الإمارات انسحابها من اليمن “مسرحيات” مخرجها “أمريكا وإسرائيل”

أن قيام السعودية باستهداف المعدات العسكرية التي وصلت عبر الميناء هدفه تعميق التضليل على تابعيها ومعظمهم من الإسلاميين الذين يدعون أنهم “شرعية” حول دورها واخفاء تواطئها في طرد الشماليين، لكي يستمروا تابعين لتوجيهاتها، كما ذكر الوشلي، مبيناً أن مغزى مطالبة العليمي الإمارات مغادرة اليمن، هو إظهار حكومة المرتزقة بأنها تحكم المناطق المحتلة وتحافظ على سيادة البلاد .

على الجميع إدراك الحقائق فما دام المشغل واحد فإن الجميع يتولون أدوارا لتحقيق المصلحة المستهدفة وهي تقسيم البلد لفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد والقضاء على حركات المقاومة ومنع أي مناخ أو فرص يتمكن فيها بقية أحرار الأمة من مقاومة هذا المشروع الخبيث .

واعتبر الوشلي كل من يقيم علاقات أو يتعاون مع السعودية والإمارات وإسرائيل وأمريكا أنهم جبهة واحدة لتدمير الأمة العربية والإسلامية وموضحاً أن أي خلاف يظهر بين تلك الدول هو خلاف شكلي وتوزيع أدوار حتى يستطيعوا تحقيق مشروعهم بأيدي ودماء وأموال العرب.

تفكيك اليمن ليس حلاً

يعاني اليمن اليوم من انهيار الدولة، لا من فائض وحدته، والخلط بين الأمرين هو الخطأ الجوهري في الدعوة إلى التقسيم، بحسب تقدير السياسي والدبلوماسي السابق الدكتور أحمد محمد لقمان، مرجعاً ذلك إلى فشل الدولة اليمنية في إدارة التنوع، وتوزيع السلطة والثروة، وفرض سيادة القانون، مستدركاً أن هذا الفشل لا يعني أن الحل هو تفكيك اليمن، بل إعادة بنائه على أسس مختلفة.

لا يبدو التفتيت خيارًا منقذًا، بل يعني حدودًا جديدة، عملات متعددة، سلطات متنازعة، واقتصادات محلية عاجزة عن توفير أبسط الخدمات، وسيكون المواطن – مرة أخرى – هو الخاسر الأول، في ظل غياب دولة قادرة على الحماية والتنمية، بحسب لقمان.

لقمان: الاعتقاد بأن يمناً مجزأً سيكون أقل تهديداً للخليج هو قراءة قصيرة النظر

وعلى المستوى الإقليمي، فإن الاعتقاد بأن يمنًا مجزأً سيكون أقل تهديدًا للخليج هو قراءة قصيرة النظر، كما يرى لقمان، والذي اعتبر اليمن جارًا ليس عاديًا للدول الجوار، كون موقعه الجغرافي يجعله عنصرًا أساسيًا في أمن البحر الأحمر وباب المندب، وهشاشته تعني فتح المجال أمام صراعات بالوكالة وتدخلات إقليمية ودولية لا يمكن ضبطها.

وقدم لقمان استدلالا تاريخياً قريباً في المنطقة يثبت أن الدول المنهارة لا تبقى داخل حدودها، وأن الفوضى لا تعترف بالجغرافيا، مؤكداً أن يمن ضعيف ومفكك سيحوّل دول الجوار من شركاء محتملين إلى أطراف إدارة أزمة دائمة، واستنزاف سياسي وأمني طويل الأمد.

ويشير لقمان إلى أن تفتيت اليمن قد يبدو حلاً سهلًا، لكنه في جوهره تأجيل للصراع لا إنهاؤه، معتبراً أن الحل الصعب هو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة كونه وحده القادر على تحقيق استقرار حقيقي لليمن، وأمن مستدام للمنطقة.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار