هل يكتب الهجوم الأمريكي على فنزويلا فصلاً جديداً في النظام العالمي
في تحوّل عالمي مفصلي، تبدو أوروبا اليوم محاصرة بين قيمها ومصالحها، بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. العملية لم تقتصر على الإطاحة بنظام ديكتاتوري، بل طرحت أسئلة مصيرية حول سيادة القانون الدولي ومستقبل النظام العالمي، حيث تبدو القوة الأميركية أحياناً أسبق من المبادئ.
القادة الأوروبيون وجدوا أنفسهم في موقف حرج: الترحيب بسقوط مادورو الذي جلب المعاناة لشعبه، مع التمسك بمبادئ القانون الدولي التي لا تبيح اعتقاله وإعلان واشنطن السيطرة على فنزويلا وقطاعها النفطي. أوروبا، التي لم تعترف بشرعية مادورو منذ انتخابات يونيو 2024 المزوّرة، تبنت المعارضة الفنزويلية بقيادة الحائزة على جائزة نوبل ماريا كورينا ماتشادو، بينما قلل ترامب من شأنها ووصفها بأنها لا تحظى بالدعم المحلي.
خبراء القانون الدولي حذروا من أن رفض واشنطن الاعتراف بشرعية مادورو يفتح الباب أمام محاكمته في الولايات المتحدة، وهو سابقة غير مسبوقة في تاريخ القانون الدولي. المسؤولون الأمريكيون برروا العملية بأنها دفاع عن النفس ضد تهريب المخدرات، لكن أستاذة القانون الدولي أونا هاثاواي اعتبرت ذلك مبرراً واهياً، محذرة من أن تحويل تهريب المخدرات إلى مبرر للاستخدام العسكري يهدد أسس ميثاق الأمم المتحدة ويخلق سابقة خطيرة.
الموقف الأوروبي كان متبايناً: رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ركّز على معاناة الفنزويليين ووصف النظام السابق بـ”الديكتاتوري القمعي”، لكنه تجنب التعليق على قانونية التدخل الأمريكي. رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اعتبرت العملية “تدخلاً دفاعياً مشروعاً”، بينما انتقد قادة آخرون العملية بحذر خشية إغضاب واشنطن. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين شددت على دعم الشعب الفنزويلي والانتقال الديمقراطي السلمي، مع احترام القانون الدولي، فيما رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن نهاية “ديكتاتورية مادورو” تمثل فرصة للأمل، داعياً إلى انتقال سلمي بقيادة مرشح المعارضة إدْمُوندو غونزاليس أوروتيا.
وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو كان الأكثر صراحة، محذراً من أن انتهاك مبدأ عدم استخدام القوة من قبل دول كبرى ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن العالمي، مؤكداً أن الحلول السياسية لا يمكن فرضها من الخارج. رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ركّز على أهمية القانون الدولي دون الخوض في تفاصيل الحالة الفنزويلية.
ويرى المحللون أن الهجوم الأمريكي على فنزويلا يعكس تحوّلاً نحو نظام عالمي تُحسم فيه الأزمات بالقوة والمصلحة على حساب الشرعية والقانون، حيث تشكل واشنطن وبكين القوى الكبرى الحقيقية في تحديد مسار الأحداث. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ألمح إلى أن كوبا قد تكون الوجهة التالية، محذراً من أن ضعف القيادات هناك يجعلها عرضة للضغوط الأمريكية.
في النهاية، دعا الخبراء أنصار التعددية والمحاكم الدولية إلى مراجعة إخفاقاتهم، مشيرين إلى أن التعددية فشلت في إيجاد مسار تفاوضي فعّال يضمن انتقالاً سلمياً ومنظماً، بينما لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية أي لائحة اتهام رغم توفر أدلة واسعة على جرائم ضد الإنسانية، ما يجعل التساؤل حول مستقبل القانون الدولي أكثر إلحاحاً في عالم أصبح فيه الحق أحياناً تابعاً للقوة، والمصلحة أسبق من المبادئ.
Comments are closed.