سامي عطا: نقدٌ وتأمُّل في دعوة الحوار الجنوبي، الهوية والسيادة والثروة كأُسُسٍ للحل!
قرأت منشور للأستاذ صلاح السقلدي يحذر فيه بواقعيةٍ خطر التفتيت الداخلي الذي يهدد القضية الجنوبية، مُحَذِّراً من محاولات ” استنساخ كيانات ” وإغراق الساحة بـ” فسيفساء جنوبية ” تزيد الوضع ضبابية. وإطلاق دعوة إلى فتح حوار جنوبي شامل ودعوة كهذه فكرةً ضرورية، ولكنها تتعاظم أهميتها حين تكون جزءاً من رؤية أوسع تُعيد تعريف مستقبل اليمن ككل. هنا تبرز ثلاثية الهوية، والسيادة، والثروة كأعمدةٍ لا غنى عنها لأي حل مستدام.
ولعل سؤال الهوية يحتاج إلى تفصيل ، لأن فيه مخاطر جمة سأحاول أوجزها بقدر الإمكان.
هوية مُستَورَدة، لماذا سيكون ” الجنوب الجديد ” وهمًا تاريخيًا وكارثة مستقبلية ؟
ليست خطورة المشروع الانفصالي في الجنوب مجرد تحدٍّ سياسي أو إداري عابر. إن أخطر أبعاده – لو قُدِّر له أن ينجو من مخاضه المضطرب – هو سعيه إلى خلق كيان سياسي بهوية مُصطنعة، مقطوعة الجذور، ومُستلبة الإرث. هذه ليست دعوة عاطفية، بل تحليلٌ لمصير محتوم لكيانٍ يُحاول أن يولد من رحم ” مشروع استعماري قديم ” أعيد تدويره، في بيئة هي أبعد ما تكون عن ” الأرض البور “.
لن ينجح هذا المشروع، ليس بسبب ضعف القوة العسكرية أو السياسية لحمَلته فحسب، بل لسببٍ وجودي أعمق: محاولة استزراع هوية في أرضٍ ممتلئة بالتاريخ إلى درجة الاختناق. فالجنوب اليمني ليس فراغًا جغرافيًا أو صفحة بيضاء يُمكن كتابة أي سردية عليها. إنه مُتحفٌ مفتوح، وطبقات أثرية حية، وشواهد حضارية ( معينية، قتبانية، سبئية، حضرموتية ) تنطق كل ذرة من ترابها بأنها أرض يمنية. محاولة تجاوز هذا الثقل الحضاري هي نوع من الانتحار التاريخي؛ فالهوية المصطنعة لا تُبنى إلاَّ على أنقاض الذاكرة، وكي يُنسى الإنسان تاريخه، عليه أولاً أن يهدم آثار أجداده – وهذا مستحيل.
ومن هنا تبدأ الكارثة الحقيقية:
1 ـ الشرخ الوجودي الداخلي
أول ضحايا هذه الهوية المبتورة سيكون الجنوبي نفسه. سيجد نفسه مُعلَّقًا بين ذاكرة لا يستطيع نسيانها ( لأنها محفورة في نقوش معابد مارب وشمامخ سقطرى وحارات عدن وشبام )، وهوية مُفروضة لا يستطيع استيعابها. هذا الصراع الهوياتي سينتج شعبًا بلا ذاكرة جمعية صلبة، أو بلغة العصر، فإنه يغدو ” شعبًا منزوع الهوية “. مجتمعٌ كهذا يكون هشًا، ضعيف الثقة، فاقدًا لعنصري الفخر والاعتزاز اللذين هما وقود الصمود الوطني وأساس المقاومة أمام التحديات. كيف يُقاتل الإنسان من أجل وطنٍ لا يملك قصته ؟
2 ـ الصراع الحتمي مع الجسد الأم
لن ينظر الشمال – أو أي كيان يمني لاحق – إلى هذا الكيان الهجين كجارٍ طبيعي. سينظر إليه كـ “عضو مبتور” يحمل في جيناته ذاكرة الغُربة والخيانة المزدوجة (خيانة للتاريخ، وخيانة للجغرافيا ). سيكون الحدود بينهما ليس خطًا سياسيًا، بل جرحًا نازفًا في جسد الأمة. هذا سيضمن حالة من الصراع الدائم، أو على أفضل الأحوال، سلامًا باردًا مُسلحًا بالريبة والتربص، يكون وقوده أموال الشعبين وطاقتهما التي تُهدر في التسلح والتراشق الإعلامي بدل البناء والتعافي.
3 ـ العباءة الذهبية للوصاية الدولية
ولهذا فإن الكيانات الهشة ذات الهويات المصطنعة هي الفرصة المثلى للهيمنة الخارجية. ستجد القوى الإقليمية والدولية فيها ” دولة عميلة ” بامتياز، كيانًا يحتاج دائمًا إلى راعٍ وحامٍ، وسيكون سهل الانقياد لخدمة أجندات الآخرين في مقابل البقاء. ستتحول من ” دولة ذات سيادة ” مزعومة إلى دويلة ريعية تحت الوصاية، تُدار من سفارات وعواصم خارجية. والأكثر إيلامًا أن هذه القوى نفسها ستُغذي صراع الهوية الداخلي والخارجي كلما احتاجت إلى كسب ورقة ضغط أو تحريك المشهد لصالحها، لتظل ” الدويلة ” في حالة من اللا إستقرار الدائم، وهو الوضع المثالي لاستنزافها وضمان تبعيتها.
خلاصة القول وإن كانت قاسية، فإن المشروع الانفصالي القائم على إنكار الهوية اليمنية ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو مغامرة تاريخية فاشلة منذ البداية. إنه يحاول بناء سقف سياسي قبل أن يوجد أساس هوياتي متين. النتيجة لن تكون ” دولة الجنوب ” المستقلة، بل ستكون عبارة عن كيانٍ هشٍّ منزوع الذاكرة، محاصرٍ بتاريخه وجيرانه، ومُستنزّفٍ من قبل ” أصدقائه “، يعيش أبناؤه صراعًا نفسيًا دائمًا، ويُهدرون ثرواتهم في معارك بقاءٍ مصطنعة. الجنوب الحقيقي ليس من يُنكر هويته لينفصل، بل من يُعمقها ليبني من خلالها موقعًا قويًا وعادلًا في وطنه اليمني الكامل. أي طريق آخر هو انتحار جماعي مُزيّف بثياب التحرر.
سؤال الهوية والحلقة المفقودة
أي حوار جنوبي – مهما كان شاملاً – سيفشل إذا نَظَرَ إلى الجنوب ككيانٍ سياسي مجرد، منفصل عن سياقه اليمني الأوسع. فمعضلة الجنوب الكبرى هي سلخ أبنائه من هويتهم التاريخية اليمنية المتجذرة. أي انكفاء سياسي نحو ” جنوبية ” ضيقة، أو تنكُّر للهوية اليمنية، لن يكون إلا حجر عثرة أمام وحدة الجنوبيين أنفسهم، وسيثير حفيظة الشماليين ( سواء ذوي الأصول الشمالية في الجنوب أو حتى الأخرين غير المستقرين في الجنوب ) ، مما يعقّد أي إمكانية لحل شامل. لذلك، يجب أن يُبنى أي حوار جنوبي على ” ميثاق هوياتي ” يُعيد تأكيد انتماء الجنوب لليمن التاريخي والحضاري، كأساسٍ لأي ترتيب سياسي لاحق.
من الهوية إلى الدولة، ضرورة السيادة وإنهاء الارتـهان
لكن الهوية وحدها لا تكفي. إن مشكلة اليمن الحديثة – شمالاً وجنوباً – هي مشكلة تبعية بلغت مرحلة الارتهان والوصاية. لذلك، فإن أي حوار يمني جاد، سواء كان جنوبياً-جنوبياً أو يمنياً شاملاً، يجب أن يضع في صدارة أولوياته الاتفاق على إعادة تأسيس دولة يمنية ذات سيادة حقيقية. هذه الدولة وحدها – المُتفق عليها بين جميع الفرقاء – هي التي يجب أن تمسك بزمام علاقات اليمن الخارجية، ويجب تجريم وتحريم أي تعامل فردي أو تياري مع الخارج. هذه أول وأهم خطوة لاستعادة الكرامة الوطنية، وهي مطلب يجب أن تدعو له كل الأطراف وتطالب المجتمع الدولي بإحترامه والتعاطي معه إيجابياً.
الثروة من النهب إلى الاستثمار لمصلحة الأجيال
الأمر الثاني الجوهري الذي يجب أن يتفق عليه اليمنيون جميعاً هو قضية الثروة. يجب الإقرار بأن ثروات اليمن في باطن الأرض هي ثروات سيادية ملك للدولة والشعب، ولا يجوز لغير الدولة الاستفادة منها. المطلوب هو وضع آليات بنكية واستثمارية واضحة، بحيث لا تُنهب الثروات الناضبة، بل تُحوَّل إلى مشاريع تنموية تولد دخلاً مستداماً وتُعيد استثمار الأموال. الهدف هو خلق شعبٍ يخلق الثروة، لا شعبٌ يعيش على ريعٍ ناضب سينفد. اتفاق الجنوبيين والشماليين على هذه المبادئ هو الضمانة الوحيدة لعدالة توزيع الثروة وقطع الطريق على الفساد والاستغلال الخارجي.
نحو رؤية متكاملة وترتيب الأولويات
بناءً على ما سبق، فإن طريق الحل يتطلب ترتيباً منطقياً على الشكل التالي :
1 ـ حوار جنوبي شامل – كما دعا إليه السقلدي – ولكن على أساس الهوية اليمنية الجامعة، وليس على حسابها.
2 ـ اتفاق يمني عام بين جميع الفرقاء ( جنوبيين وشماليين ) على المبادئ الدستورية العليا المتمثلة في:
ـ إقامة دولة السيادة الكاملة وإنهاء الإرتهان للخارج.
ـ اعتبار الثروات الطبيعية ثروة سيادية تُدار لصالح الأجيال.
3 ـ الدخول في التفاصيل السياسية للأطراف الاتحادية أو اللامركزية، وتقاسم السلطة، بعد الاتفاق على هذه الأسس الصلبة.
وعودة على بدء يمكن القول إن دعوة الحوار الجنوبي الشامل هي خطوة في الطريق الصحيح، لكنها ستظل ناقصة ومهددة بالانتكاس إذا انكفأت على نفسها. الخيار الوحيد أمام الجنوب – وأمام اليمن ككل – هو التشبث بالهوية اليمنية كحاضنة تاريخية، والسعي لإعادة بناء دولة السيادة كحاضنة سياسية، والاتفاق على عدالة توزيع الثروة كحاضنة اقتصادية.
هذه الثلاثية هي التي تحفظ وحدة الجنوبيين، وتفتح باب التفاهم مع الشماليين، وتقدم للمجتمع الدولي مشروعاً وطنياً قابلاً للدعم. بدون هذا التكامل، ستظل الحوارات ” ثرثرة موسمية ” وتستنسخ أزمات الماضي. البناء على روح مسيرة التصالح الجنوبي يجب أن يتوسع اليوم ليصير مصالحة يمنية – يمنية تستند إلى سيادة الوطن وعدالة توزيع خيراته، ضمن هوية واحدة لا تتجزأ.
المصدر: “صحيفة الثورة”
Comments are closed.