محمد اللوزي: صنعاء وبوصلة الاستقلال: لماذا فشلت مشاريع الارتهان وسقطت رهانات الخارج؟
في خضم المتغيرات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، يبرز السؤال الجوهري حول مستقبل الدولة اليمنية: من يملك الحق في رسم خارطة الطريق؟ ومن يمتلك المقومات الأخلاقية والسياسية لقيادة السفينة؟ إن نظرة فاحصة على مجريات الأحداث تؤكد أن صنعاء لم تعد مجرد عاصمة تاريخية، بل تحولت إلى “مختبر للسيادة” أثبتت فيه الإرادة الوطنية قدرتها على الصمود أمام أعتى العواصف.
لقد اختارت صنعاء، منذ اللحظة الأولى للصراع، أن تؤسس مشروعها السياسي على قاعدة “القرار المستقل”. هذا الخيار لم يكن مجرد شعار عابر، بل كان استراتيجية وجودية. فبينما كانت أطراف أخرى تبحث عن شرعيتها في الفنادق والعواصم الإقليمية، كانت صنعاء تبني شرعيتها من الداخل، مستندة إلى رفض الرهان على القوى الخارجية.
هذا التمسك بالسيادة هو ما يفسر اليوم “التماسك البنيوي” في صنعاء، مقابل التفكك المستمر في المعسكرات الأخرى. إن التاريخ يخبرنا دوماً أن أي مسار لا ينبع من وجدان الشعب ومن تراب الأرض محكوم عليه بالفشل، مهما حظي بدعم مالي أو غطاء دولي.
لقد كشفت التجربة اليمنية المريرة حقيقة دامغة؛ وهي أن القوى التي ارتضت لنفسها دور “الأدوات التنفيذية” للخارج قد فقدت بوصلتها الوطنية. هذه القوى لم تكن يوماً صاحبة قرار، بل ظلت تتحرك وفق أجندات تتقاطع مع تطلعات المواطن اليمني البسيط.
ويمكن رصد فشل هذه القوى في ثلاث نقاط رئيسية:
العزلة عن الشارع: العجز عن خلق حاضنة شعبية حقيقية، والاعتماد الكلي على القوة المفروضة من الخارج.
الفوضى البينية: تحول المناطق الواقعة تحت سيطرتهم إلى ساحات للتناحر وتصفية الحسابات الشخصية والمناطقية.
تبخر الموارد: استنزاف مقدرات البلاد في معارك عبثية لا تخدم إلا الممول الخارجي.
ذلك إن ما نشهده اليوم من تصدعات وانهيارات متتالية في “معسكر الارتهان” ليس مجرد تعثر عسكري عابر، بل هو تعبير عن أزمة استراتيجية شاملة. فالخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات التي تُدفع من دماء اليمنيين، تذهب هباءً لأنها تفتقر للهدف الوطني السامي. في المقابل، تظهر صنعاء كمركز ثقل حقيقي، لأن معركتها مرتبطة بالكرامة والسيادة، وهو ما يمنح المقاتل والمواطن دافعاً يتجاوز الحسابات المادية.
لإن الوقائع الجارية تشير بوضوح إلى أن زمن الوكلاء قد شارف على الانتهاء. فاليمن الجديد لن يُصاغ في الغرف المغلقة خلف الحدود، بل سيُبنى في صنعاء، كمرتكز لإعادة بناء الدولة على أسس وطنية مستقلة.
ويبقى القول:
إن الطريق إلى الاستقرار في اليمن يمر عبر الاعتراف بحقيقة واحدة: “السيادة لا تُجزأ، والقرار لا يُعار”. ومن هنا، تظل صنعاء هي الوجهة، والبوصلة، والعنوان الوحيد لمستقبل يمني ينهي زمن التبعية والفوضى ويستعيد كرامة الدولة والمواطن.
ويزداد المشهد وضوحًا حين نضع في سياقه الدعوات المتكررة لعقد مؤتمر جنوبي جامع برعاية واستضافة خارجية، وتحديدًا في الرياض، وكأن السيادة يمكن أن تُستورد عبر قاعات الفنادق، أو تُصاغ عبر موائد الاستضافات، أو تُمنح بتوازنات يحددها الوسطاء لا أصحاب الأرض. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُبنى السيادة الوطنية من خارج الوطن؟ أم تنبع من أرضه، ومن مبادئه وقيمه، ومن الإرادة الحرة لشعبه؟
إن المفارقة الصارخة في مثل هذه المؤتمرات أنها تُقدَّم بوصفها مسارًا للحل، بينما هي في جوهرها تعبير عن عمق الأزمة. فالقوى التي تعجز عن الاجتماع داخل أرضها، أو تخشى الاحتكام إلى شعبها، لا يمكنها أن تدّعي تمثيل الجنوب ولا حمل قضيته. وكيف لمؤتمر يُدار سقفه السياسي خارج الحدود، وتُحدد خطوطه الحمراء مسبقًا، أن ينتج قرارًا سياديًا مستقلًا أو مشروعًا وطنيًا جامعًا؟
لقد أثبتت التجربة أن إدارة الخلافات اليمنية – شمالًا وجنوبًا – عبر الاستضافات الخارجية لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الانقسامات، وتحويل الفرقاء إلى أطراف تفاوضية تدور في فلك الرعاة، بدل أن تكون أطرافًا وطنية تتحاور على قاعدة المصلحة العامة. فالوسيط، حين يتحول إلى مُدير ومُقرِّر، يفقد دوره المحايد، وتتحول العملية السياسية إلى أداة ضبط لا أداة حل.
ومن هنا، فإن الحديث عن مؤتمر جنوبي جامع يُعقد خارج أرض الجنوب، وبرعاية دولة منخرطة أصلًا في المشهد، يطرح إشكالية السيادة قبل إشكالية التمثيل. فالسيادة لا تأتي من الاستضافات، ولا من إدارة الصراعات عن بُعد، ولا من إعادة تدوير القوى ذاتها بأسماء جديدة، بل تأتي من الالتزام بالمبادئ الوطنية، ومن احترام إرادة الناس، ومن قدرة أي مشروع سياسي على أن يقف على أرضه، ويتحمل كلفة قراره، ويستمد شرعيته من شعبه لا من رعاته.
وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم، من مؤتمرات خارجية وتفاهمات مُدارة، يقف على النقيض تمامًا من المسار الذي تمثله صنعاء، حيث يُعاد تعريف السياسة بوصفها فعلًا سياديًا نابعًا من الداخل. وبين مسارين؛ أحدهما يُراكم الارتهان والوصاية، والآخر يُراكم الاستقلال والقرار الوطني، تتحدد ملامح المستقبل اليمني. مستقبل لن يُكتب في عواصم الخارج، بل على أرض الوطن، وبقيمه، وبإرادة أبنائه.
Comments are closed.