أمي وحبها للأبناء

آية عبدالمغني:

 

تُقدَّم الأمومة في الوعي المجتمعي بوصفها النموذج الأسمى للحب غير المشروط، غير أن واقع بعض الأسر يكشف عن ممارسات تخالف هذا التصور، أبرزها التمييز بين الأبناء، ولا سيما بين الذكور والإناث، وهي ظاهرة تتكرر بصور مختلفة وتخلّف آثاراً نفسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.

وتبرز هذه الممارسات في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يُمنح الابن الذكر مصروفاً أكبر، وحرية أوسع، وأولوية في تلبية الاحتياجات، مقابل مطالبة الفتاة بالصبر والتنازل والالتزام. وفي إحدى الوقائع، تروي فتاة كيف كانت والدتها تحرمها أحياناً من الطعام ليشبع شقيقها، في تصرف يعكس خللاً واضحاً في مفهوم العدل داخل الأسرة.

ويبرر البعض هذا السلوك باعتقاد شائع مفاده أن الابن الذكر هو السند في المستقبل، في حين تُهمَّش احتياجات الفتاة ومشاعرها. إلا أن الواقع يثبت أن هذا التمييز لا يحقق الاستقرار الأسري، بل يسهم في خلق مشاعر الغضب والغيرة، ويضعف الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة.

ومن منظور نفسي واجتماعي، لا يمكن التعامل مع هذه الممارسات بوصفها أخطاء عابرة، إذ يترك التمييز المستمر آثاراً طويلة الأمد على شخصية الأبناء، خاصة الإناث، من خلال إضعاف الثقة بالنفس، وتعزيز الشعور بالدونية، وقد يقود إلى مشكلات نفسية كالاكتئاب والقلق، إضافة إلى تفاقم الخلافات الأسرية مع مرور الوقت.

إن العدل داخل الأسرة ليس خياراً يمكن التهاون فيه، بل ضرورة تربوية وأخلاقية. فالحب والرعاية لا ينبغي أن يُقاسا بجنس المولود، ولا أن يُمنحا بناءً على تصورات مستقبلية غير مؤكدة. كما أن التمييز، حتى وإن كان بدافع الخوف أو الحاجة، ينعكس سلباً على جميع الأبناء، بمن فيهم من يُنظر إليه على أنه المفضل.

إن الصمت عن هذه الظاهرة يسهم في إعادة إنتاجها عبر الأجيال، ما يستدعي مواجهة صريحة لها من خلال التوعية الأسرية، وتعزيز الخطاب التربوي والإعلامي الذي يرسخ قيم العدل والمساواة داخل الأسرة.

وفي الختام، يبقى المبدأ واضحاً: الأبناء جميعاً يستحقون القدر نفسه من الحب والاحترام والرعاية، دون تمييز. فأسرة عادلة اليوم هي الأساس لمجتمع أكثر تماسكاً وتوازناً غداً

Comments are closed.

اهم الاخبار