من غزة إلى باب المندب.. مساع إسرائيلية لاستغلال “أرض الصومال” لمواجهة صنعاء

نجيب علي العصار

في أحدث خطوة إقليمية استفزازية، كشف الكيان الصهيوني، من خلال اعترافه بـ”صومالي لند”، عن خطتين خبيثتين هما السعي إلى تنفيذ المخطط الخطير للتهجير القسري لسكان قطاع غزة، وفي الوقت نفسه محاولة حماية مصالح إسرائيل، من اليمن باعتبارها كانت المعضلة الاكبر للكيان خلال معركة طوفان الأقصى، خاصة بعد أن فشلت أمريكا وإسرائيل في تحييد الجبهة اليمنية في صنعاء المساندة لغزة، إضافة إلى تثبيت قاعدة استراتيجية للكيان بالقرب من مضيق باب المندب الحيوي للسيطرة على طرق الملاحة العالمية.

تحرك عسكري معاد

يرى الباحث أنس القاضي، أن القرن الإفريقي يمثل امتداداً حيوياً لليمن، حيث يفرض التداخل الجغرافي والأمني في البحر الأحمر مفهوماً حتمياً لـ “الأمن الجماعي”. وفي هذا السياق، لا يُعد التواجد الإسرائيلي في “أرض الصومال” مجرد علاقة دبلوماسية عابرة، بل هو تحرك عسكري معادٍ يهدف لإعادة إخضاع المنطقة عبر “الحروب بالوكالة”.

القاضي: وجود إسرائيل بهرجيسا تحرك عسكري معادٍ لليمن

يؤكد القاضي في تغريده بمنصة “أكس” تابعتها “الوحدة”، أن موقف قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، تجاه التمدد الصهيوني في القرن الإفريقي ينطلق من فهم “جيوبوليتيكي” دقيق؛ فالتساهل مع هذا الوجود يعني نقل خطوط الاشتباك مستقبلاً إلى قلب المدن اليمنية (ذمار ومأرب وصنعاء). ويشبه الباحث هذا المنطق الدفاعي بالعقائد الأمنية للقوى الكبرى التي تعتبر مناطق بعيدة عنها أجزاءً من أمنها القومي، فكيف واليمن مشاطئ مباشر لهذا الفضاء؟

قوة بلا وحدة

ووفق رؤية القاضي، فإن مأزق “القوة بلا وحدة”، إذ يشير إلى أنه رغم امتلاك اليمن “الرؤية والشجاعة” لمواجهة المشاريع الخارجية، إلا أنه يفتقر إلى “التحصين الداخلي”. وشدد على أن الاستبداد، القمع، الجوع، والاحتراب الداخلي هي “ثغرات وجودية” تجعل البلاد عرضة للاختراق.

وخلص إلى القول “إن بناء قوة قادرة على حماية السيادة الوطنية ليس رهناً بالسلاح فقط، بل بالشراكة السياسية، والعدالة، والاعتراف بالتعددية”.  لافتا إلى أنه بدون “وحدة وطنية حقيقية” وسلام داخلي، ستظل الطموحات الاستراتيجية اليمنية مهددة بالانهيار أمام الاستقطاب الخارجي، ولن يكون الوطن عصياً على التحول إلى ساحة للمشاريع الدولية.

“هندسة الانكسار”

بدوره، يؤكد الباحث الكويتي عبد الله خالد الغانم، أن تقسيم اليمن والصومال (عبر دعم كيانات مثل “أرض الصومال”) ليس غاية سياسية، بل هو “هندسة احتواء” لضمان وجود كيانات أمر واقع تتموضع بدقة على خطوط الملاحة، وتخضع للإرادة الأمريكية. وفي هذا السياق، تظهر الدول الإقليمية (كالإمارات) كـ”فاعل وظيفي” يُسرّع تنفيذ هذه الأجندة مقابل توسيع نفوذه التكتيكي.

ويرى الغانم، في تغريدة بمنصة “أكس” تابعتها “الوحدة”، أن أزمات اليمن والصومال ليست مجرد فوضى داخلية، بل هي “ساحات تشغيلية” في معركة دولية كبرى تهدف لإعادة تسعير طرق التجارة العالمية. الفرضية المركزية هنا هي أن واشنطن تتعامل مع ضفتي باب المندب كأدوات لرفع الكلفة اللوجستية والتأمينية على مسار “الصين-أوروبا”، لانتزاع الميزة التنافسية لبكين دون إطلاق رصاصة واحدة.

أداة ضغط

هذا التحليل “”مواجهة الإزاحة الإسرائيلية”، يلتقي مع رؤية أنس القاضي؛ فالتمركز الإسرائيلي في “هرجيسا” بغطاء إماراتي، يخدم هدف “الخنق الصامت” والمراقبة المتقدمة. إلا أن الغانم يحذّر من أن هذا المسار يحول الجغرافيا العربية إلى “برغي” في آلة الحرب الأمريكية ضد الصين، مما ينقل الصراعات الدولية إلى العمق اليمني بدلاً من بقائها في الممرات المائية.

الغانم: تقسيم اليمن والصومال “هندسة احتواء” أمريكية للملاحة

ويشير الغانم، إلى إن تأجيل الاعتراف بـ “أرض الصومال” ليس تراجعاً، بل هو “تعليق لأداة ضغط”.  ويتابع: “التحدي الوجودي اليوم هو منع تحول الممرات المائية إلى ذريعة لتفكيك الدول، وهو ما يتطلب “وحدة وطنية” يمنية تسد ثغرات الاختراق، ورؤية عربية ترفض أن تكون جغرافيتها مجرد “حقل تجارب” لصراع القطبين، في إشارة إلى أميركا والصين.

“عين إسرائيل”

في المقابل، كشف تحليل صادر عن معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب (INSS)، أن التحالف مع “هرجيسا” يمثل ركيزة حيوية في الاستراتيجية الإسرائيلية المعاصرة، حيث يتيح  للكيان الصهيوني تحقيق ثلاثة أهداف جيوسياسية وأمنية رئيسية، أولها إنشاء نظام إنذار مبكر عبر نشر أجهزة رادار ومراقبة إلكترونية لرصد أنشطة الصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة من اليمن، ولا سيما التهديدات الموجهة إلى إيلات، ثانيها استخدام أراضي أو مياه أرض الصومال كنقطة انطلاق لعمليات خاصة ضد جهات معادية، وعلى رأسها “أنصار الله ” في اليمن ،  أما ثالثها، فهو هدف استراتيجي أوسع نطاقًا: منع إيران من السيطرة على البحر الأحمر عبر تعطيل خطوط الإمداد البحرية التي قد تدعم أنصار الله في اليمن، حد وتعبيره.

إلى ذلك، ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية نقلا عن مسؤول إسرائيلي قوله إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يعزز قدرات سلاح الجو في مواجهة اليمن .

ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري إسرائيلي، لم تسمه قوله، إن “العلاقات المفتوحة مع أرض الصومال تتيح المزيد من الخيارات العملياتية للقوات الجوية. وبلا شك، فإن هذه الخطوة بالغة الأهمية بالنسبة لذراع إسرائيل الطويلة”، على حد وصف المصدر.

وأفادت الصحيفة بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) قاد لسنوات عديدة منظومة العلاقات مع أرض الصومال، مضيفة أن رئيس الموساد ديدي برنيا، “أصبح في السنوات الأخيرة من المقربين إلى رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله”.

وأضاف المسؤول للصحيفة “أعد رئيس الموساد ديدي برنيا في السنوات الأخيرة بنية تحتية في أرض الصومال لتعزيز العلاقات الأمنية بين البلدين. تمتلك أرض الصومال أصولاً إستراتيجية، مثل ميناء بحري ومطار يضم أطول مدرج في أفريقيا”.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن الجمعة اعتراف تل أبيب بـ”جمهورية أرض الصومال” الانفصالية “دولة مستقلة”، لتكون إسرائيل بذلك أول دولة في العالم تعترف رسميا بالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد عام 1991.

محاولة بائسة

وفي ذات السياق، اعتبر الخبير العسكري العميد عابد محمد الثور، أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة يهدف إلى إيجاد قاعدة عسكرية لها بأرض الصومال تستطيع أن تهدد اليمن، وأن تحيّد القدرات العسكرية اليمنية، وتأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.

وأكد العميد عابد الثور في حديث صحافي، أن القوات المسلحة اليمنية “جاهزة وتراقب عن كثب أية تحركات إسرائيلية في المنطقة بأسرها وليس بأرض الصومال فقط”.

وأوضح أن ما تأمنه القوات المسلحة اليمنية بصواريخها ومسيّراتها وقدراتها العسكرية يصل نصف قطرها 2500 كيلومتر، مما يعني دائرة قطرها 5 آلاف كيلومتر.

العميد الثور: صواريخنا ستطال القواعد الإسرائيلية بأرض الصومال

ورأى أن “محاولة إسرائيل إيجاد موضع قدم لها في أرض الصومال الغرض منه عسكري من أجل المواجهة مع اليمن، وقواتنا المسلحة جاهزة للرد على أي وجود عسكري إسرائيلي بأرض الصومال، سواء بفرض الحصار البحري على الكيان الصهيوني في البحر الأحمر، أو استهداف قواعده، ومواقع تمركزه بأرض الصومال أو في منطقة أخرى”.

وعما إذا كانت إسرائيل تهدف من وجودها في أرض الصومال إلى تطويق المناطق اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، وتحديدا من مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، قال عابد الثور إن “إسرائيل تظن ذلك، وهي محاولة يائسة لإيصال رسائل بأنها ستستخدم كل قدراتها العسكرية ضد اليمن”.

 

وأضاف أن “إسرائيل خلال حرب الإبادة على قطاع غزة وعدوانها على اليمن، ومعها الولايات المتحدة الأميركية بأساطيلها الحربية وحاملات طائراتها التي جلبتها إلى البحر الأحمر وبحر العرب، لم تستطع أن تطوق اليمن أو تقوض قدراته العسكرية”.

استنساخ سيناريوهات التفتيت

يبقى الدور الإماراتي هو المحرك الصامت لهذا المشهد؛ فمنذ “اتفاقات أبراهام”، عملت أبو ظبي على نقل نموذج التحالف مع تل أبيب إلى القرن الأفريقي. ولا ينفصل هذا عن التحركات الميدانية في اليمن، حيث أطلق المجلس الانتقالي عملية “المستقبل الواعد” في ديسمبر 2025، للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، وسط تقارير إسرائيلية تشير إلى أن الفصائل الموالية للإمارات تعوّل على “دعم صهيوني” لمساعيها الانفصالية، مستلهمةً تجربة “أرض الصومال”.

ووفقاً لتقارير استخباراتية وتحليلات دولية، لم يعد الحديث عن الدور الإماراتي في منطقة القرن الأفريقي مجرد استثمارات اقتصادية في موانئ استراتيجية، بل بات يُنظر إليه، كـ “مُهندس السياسات” الذي عبّد الطريق للتمدد الإسرائيلي الأخير في إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند). فمنذ توقيع “اتفاقات أبراهام”، عملت أبو ظبي على نقل نموذج التحالف مع تل أبيب من الحيز الثنائي إلى فضاءات جيوسياسية أوسع، مستغلةً نفوذها الطاغي في “هرجيسا” الذي تكرّس عبر استثمارات ضخمة في ميناء بربرة والقواعد العسكرية المحيطة به.

وتشير القراءات السياسية إلى أن الإمارات لعبت دور “الوسيط الضامن” الذي أقنع سلطات الإقليم بأن ثمن الاعتراف الدولي (المنشود) يمر عبر بوابة تل أبيب، مقابل منح الأخيرة موطئ قدم أمني وعسكري في منطقة تعد “العين” التي ترصد الملاحة في خليج عدن والتحركات في العمق اليمني. هذا الدور الإماراتي لم يقتصر على الوساطة الدبلوماسية فحسب، بل امتد لتقديم الدعم اللوجستي والمالي لتأسيس بنية تحتية أمنية (من رادارات ومنظومات إنذار مبكر) تجعل من “أرض الصومال” خندقاً متقدماً للدفاع عن المصالح الإسرائيلية-الإماراتية المشتركة في مواجهة التهديدات الإقليمية المتنامية.

وكان إقليم “أرض الصومال” قد أعلن انفصاله من طرف واحد عن جمهورية الصومال عام 1991، عقب انهيار الدولة الصومالية والحرب الأهلية، ومنذ ذلك الحين، يسعى إلى نيل اعتراف دولي به دولةً مستقلةً، من دون أن ينجح في ذلك، إذ لا يحظى الإقليم بأي اعتراف رسمي من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو المجتمع الدولي الذي لا يزال يؤكد وحدة الأراضي الصومالية وسيادتها.

وترفض الحكومة الصومالية في مقديشو أي اعتراف بالإقليم، وتعدّه جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، فيما سبق أن حذّرت أطراف إقليمية ودولية من أن أي اعتراف أحادي قد يفتح الباب أمام زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

 

 

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار